قالت منظمة العفو الدولية اليوم، قبيل انعقاد المؤتمر الوزاري الدولي بشأن السودان في برلين في 15 أبريل/نيسان، إن على الجهات المانحة الدولية المشارِكة في مؤتمر المساعدات الخاص بالسودان أن تضمن زيادة التمويل، وأن تمارس الضغط على أطراف النزاع لضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بما يتيح تقديم خدمات الرعاية الصحية المنقذة للحياة إلى المدنيين في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الناجيات من العنف الجنسي.
مع تراجع المساعدات في السودان، لم تتراجع الاحتياجات بل ازدادت. فخلف هذه الأرقام تكمن أرواح حقيقية: أناس فقدوا منازلهم وأحباءهم ومصادر رزقهم، ويكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة في مواجهة الحرب، وما تجلبه من أمراض وجوع.
تيغيري شاغوتا، مدير المكتب الإقليمي لشرق وجنوب إفريقيا في منظمة العفو الدولية
لقد أدى النزاع المستمر منذ ثلاثة أعوام بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، وحلفائهما، إلى نشوء أزمة إنسانية وصحية في السودان، حيث يحتاج أكثر من 33 مليون شخص إلى المساعدة. ومع ذلك، فإن التقليص المستمر في المساعدات الخارجية الدولية يهدد الجهود الرامية إلى التصدي لمجموعة من المخاطر الصحية الجسيمة، بما في ذلك سوء التغذية، والكوليرا، والصدمات، والإصابات.
وقال تيغيري شاغوتا، مدير المكتب الإقليمي لشرق وجنوب إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “مع تراجع المساعدات في السودان، لم تتراجع الاحتياجات بل ازدادت. فخلف هذه الأرقام تكمن أرواح حقيقية: أناس فقدوا منازلهم وأحباءهم ومصادر رزقهم، ويكافحون من أجل البقاء على قيد الحياة في مواجهة الحرب، وما تجلبه من أمراض وجوع”.
“يجب ألا يكون اجتماع برلين مجرد منصة للنقاش دون نتائج. وعلى الجهات المانحة الدولية أن تغتنم هذه الفرصة للالتزام بتقديم مزيد من التمويل للمنظمات غير الحكومية العاملة في الخطوط الأمامية داخل السودان. كما يجب عليها أن تُقرّ بالمعاناة الشديدة التي يعيشها المدنيون، وأن تتخذ إجراءات ملموسة للتخفيف منها”.
ويجب أن يترافق هذا التمويل الذي تشتد الحاجة إليه بشكل عاجل مع مضاعفة الجهود الدبلوماسية من جانب المجتمع الدولي لحماية المدنيين -بمن فيهم العاملون في المجال الإنساني، والعاملون في القطاع الصحي، وفرق الاستجابة للطوارئ المحلية- وكذلك للدفع نحو المساءلة وتحقيق العدالة عن الانتهاكات المرتكبة في مختلف أنحاء السودان”.
العواقب الوخيمة للتمويل غير المستقر
في أواخر عام 2025، تحدثت منظمة العفو الدولية إلى سبع منظمات غير حكومية تقدّم خدمات مباشرة -تتراوح بين تزويد المستشفيات بالوقود وتقديم الرعاية للأطفال الناجين من الاغتصاب في السودان- أو ترصد انتهاكات حقوق الإنسان. كما أجرت المنظمة مقابلات مع العديد من الأشخاص الذين فرّوا من البلاد.
وأفادت جميع المنظمات السبع بأن نقص التمويل عطّل عملياتها، إذ اضطرّ بعضها إلى الإغلاق فيما اضطر بعضها الآخر إلى تقليص عدد العاملين. وعانت بعضها من نقص في الأدوية الأساسية، مثل مسكنات الألم والمضادات الحيوية. وأدّى شحّ المضادات الحيوية لدى إحداها إلى اتخاذ قرارات صعبة بشأن تحديد الأولويات في تقديم الرعاية.
يجب ألا يكون اجتماع برلين مجرد منصة للنقاش دون نتائج. وعلى الجهات المانحة الدولية أن تغتنم هذه الفرصة للالتزام بتقديم مزيد من التمويل للمنظمات غير الحكومية العاملة في الخطوط الأمامية داخل السودان. كما يجب عليها أن تُقرّ بالمعاناة الشديدة التي يعيشها المدنيون، وأن تتخذ إجراءات ملموسة للتخفيف منها.
تيغيري شاغوتا
وأبلغت إحدى هذه المنظمات منظمة العفو الدولية بأنها بحاجة ماسة إلى الأغذية العلاجية الجاهزة للاستخدام، وهي معجون غني بالعناصر الغذائية يُستخدم لعلاج الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد، وأنها لا تستطيع تلبية سوى 50% من الحالات. وتقدّر منظمة كير الدولية أن ما يصل إلى 80% من تكايا الطعام قد أُغلقت بسبب خفض المساعدات، ما فاقم أزمة سوء التغذية.
تأثر النساء والأطفال بصورة غير متناسبة
تأثرت خدمات الرعاية الصحية المقدّمة للناجيات من العنف الجنسي واسع النطاق، الذي ارتكبته جميع أطراف النزاع، بشكل كبير جراء خفض المساعدات.
وقالت ناشطة ومدافعة عن حقوق المرأة لمنظمة العفو الدولية إن المنظمات الأهلية كانت أصلًا تتلقى تمويلًا محدودًا للغاية للأنشطة المنقذة للحياة: “ثم بعد خفض التمويل وتراجع الجهات المانحة عن تعهداتها، لم تعد تتلقى شيئًا. وقد أدّى ذلك إلى ترك مئات النساء والفتيات الصغيرات دون أي دعم أو رعاية على الإطلاق”.
ووصفت الوصول إلى خدمات الصحة الجنسية والإنجابية بأنه “فوضى”، مضيفةً أن وضع الناجيات من العنف الجنسي اللواتي يعانين من الناسور الرضحي هو “أشد من أن يُحتمل”.
تسبب تصاعد حدة النزاع في السودان في فرار أكثر من 4,5 مليون شخص إلى البلدان المجاورة. وفي فبراير/شباط، أطلقت الأمم المتحدة نداءً لجمع 1,6 مليار دولار أمريكي لدعم اللاجئين في مختلف أنحاء المنطقة.
ثم بعد خفض التمويل وتراجع الجهات المانحة عن تعهداتها، لم تعد تتلقى شيئًا. وقد أدّى ذلك إلى ترك مئات النساء والفتيات الصغيرات دون أي دعم أو رعاية على الإطلاق.
ناشطة
ويُعد الأطفال والبالغون من ذوي الإعاقة من بين الفئات الأكثر عرضة للخطر. وقد أبلغ العديد ممن يعيشون في مخيمات النزوح في تشاد منظمة العفو الدولية عن الصعوبات التي يواجهونها في الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، فضلًا عن الكراسي المتحركة وغيرها من الوسائل المساعدة التي يحتاجونها للتنقل.
يعقوب*، البالغ من العمر 17 عامًا، يمشي الآن باستخدام عكاز وحركته محدودة بعد إصابته بطلق ناري في ساقه على يد قوات الدعم السريع في قريته بشمال دارفور. قال لمنظمة العفو الدولية إنه لا يستطيع تحمّل تكاليف عملية جراحية لإزالة الشظايا التي لا تزال مستقرة في جسده: “أحالني [الطاقم الطبي] إلى مستشفى متقدم… لإجراء أشعة سينية وتصوير بالموجات فوق الصوتية… أحتاج إلى مبلغ كبير من المال… وبحسب الاستشارة السابقة، تبلغ تكلفة العملية الجراحية نحو 5 ملايين جنيه سوداني (1,470 دولارًا أمريكيًا)”.
وأوضح يعقوب أنه لم يعد قادرًا على الذهاب إلى المدرسة، لأن الوصول إليها يتطلب السير لمدة 10 إلى 20 دقيقة، وهو لا يملك أي وسيلة مساعدة تعينه على الوصول إليها.
مكاوي*، البالغ من العمر 15 عامًا ويبدو أنه مصاب بالشلل الدماغي، فرّ من شمال دارفور محمولًا على ظهر جدته. لا يستطيع التنقّل من دون كرسي متحرك داخل مخيم اللاجئين في تشاد حيث يقيم حاليًا. كما لا توجد مراحيض أو حمّامات بالقرب من الخيمة التي يعيش فيها مع جدته: قال: “إذا احتجت إلى الذهاب [إلى المرحاض] ليلًا، فإن ذلك يكاد يكون مستحيلًا”.
يحلم مكاوي بالذهاب إلى المدرسة، لكن الوصول إليها يشكّل معاناة، فضلًا عن تكلفتها المرتفعة.
يجب أن تُترجم الالتزامات السياسية إلى زيادة في المساعدات
بالنسبة للمنظمات غير الحكومية العاملة في السودان، فإن تقديم الرعاية الصحية في سياق نزاع يُعد مهمة معقدة ومكلفة. وقد جعل التمويل المتقطّع من الجهات المانحة هذه المهمة أكثر صعوبة. وأوضحت المنظمات أن البرامج يجب التخطيط لها قبل أشهر، في ظل انهيار الأنظمة المصرفية وصعوبة تأمين وسائل النقل وتدهور الوضع الأمني.
وتعكس الصورة الموصوفة حالة من الشحّ وانتهاكات واسعة النطاق للحقين في الصحة والحياة. وكما قال أحد قادة المنظمات الدولية غير الحكومية: “المنظمات لا تزال موجودة على الأرض. لكن إذا كنت تتساءل عما إذا كنا قادرين على تأمين إمدادات كافية لدعم هذه المرافق، فإجابتي: لا. هل نحن قادرون على توفير الأطعمة المغذية لهذه المنشآت الصحية؟ فإجابتي: لا. هل نحن قادرون على تأمين ما يكفي من التطعيمات أو اللقاحات في هذه المرافق؟ فإجابتي هي لا… ولا نعلم ما الذي يحمله الغد”.
وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، انخفض التمويل الأمريكي لخطة الاستجابة الإنسانية المنسّقة للسودان إلى النصف بين عامي 2024 و2025، وفي عام 2025 لم يُموَّل سوى أقل من 40% من الخطة من قبل جميع الجهات المانحة.
وفي خطوة مرحّب بها، قررت الخارجية البريطانية، بعد نشر تقرير اللجنة المستقلة لتأثير المساعدات بشأن تمويل المملكة المتحدة في السودان، إعطاء الأولوية للسودان مع التركيز على النساء والفتيات، إلا أن هناك تساؤلات لا تزال قائمة بشأن كيفية تنفيذ هذه الالتزامات في ظل التخفيضات الحادة في كوادر وبرامج التنمية البريطانية.
وقال تيغيري شاغوتا: “من الضروري أن تُصان حقوق الإنسان، بما في ذلك الحقوق في الغذاء، والصحة، والسكن، والتعليم، والمياه، لملايين المدنيين، رغم تصاعد حدة النزاع. ولإعمال هذه الحقوق، يجب على الجهات المانحة أن تضمن على وجه السرعة توفير مساعدات دولية كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية العاجلة، إلى جانب اتخاذ تدابير ضرورية طويلة الأمد، مثل تخفيف أعباء الديون، بما في ذلك إلغاؤها، بما يتيح للسودان زيادة الإنفاق على السلع والخدمات العامة الأساسية”.
على مدار عقود، التزمت الدول ذات الدخل المرتفع، على أعلى المستويات السياسية، بتخصيص ما لا يقل عن 0.7% من دخلها القومي الإجمالي للمساعدات الخارجية، كما أن العديد من الدول تتحمّل، بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والمعايير الدولية، التزامات عابرة للحدود لضمان احترام حقوق الإنسان. وينبغي ترجمة هذه الالتزامات إلى زيادة في المساعدات الإنسانية المقدّمة إلى المنظمات السودانية، بما يمكّنها من الاستجابة لحالات الطوارئ الصحية.
يحتاج السودان، شأنه شأن البلدان الأخرى التي تعتمد بشكل كبير على المساعدات في سياقات النزاعات الممتدة، إلى تحرّك عاجل من المجتمع الدولي”.
- *غُيّرت الأسماء لحماية هوية الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات.
لمطالعة المزيد: https://www.amnesty.eu/news/eu-must-act-for-sudans-civilians-three-years-of-conflict


