محوٌ لكل ما هو فلسطيني

التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل ضد التجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية

الملخص التنفيذي

 

“ما يحدث الآن هو محو للبشر والشجر والحجر، ولكل ما هو فلسطيني، على أيدي المستوطنين وبدعم من الجيش”. 

منتصر المالكي، أحد سكان قرية كفر مالك 

عاشت العائلات الفلسطينية في خربة زنوتا في الضفة الغربية لأجيالٍ متعاقبة مقتاتة على الرعي والزراعة وإنتاج الألبان. صُنّفت القرية كجزء من المنطقة (ج) بموجب اتفاق أوسلو 2 الذي وُقّع عام 1995، ما يجعلها خاضعة بالكامل للسيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية. واليوم، تتقلّص مساحة القرية مع تمدّد البؤر الاستيطانية والمستوطنات الإسرائيلية، وتُدمّر بفعل العنف والإرهاب المدعوم من الدولة.  

على بعد كيلومتر واحد فقط من زنوتا، أقام المستوطنون الإسرائيليون عام 2021 بؤرة استيطانية غير قانونية، تُعرف باسم مزرعة ميتاريم. وسرعان ما أطلقوا حملة متواصلة من الهجمات العنيفة والتهديدات ضد سكان زنوتا، أحرقوا خلالها خيام سكان القرية وصفوفهم المدرسية، واقتحموا منازلهم، واعتدوا عليهم بالضرب بالبنادق، ورشقوهم بالحجارة، وحطّموا ألواح الطاقة الشمسية والنوافذ، وأفرغوا خزانات المياه، وضخّوا مياه الصرف الصحي إلى أراضيهم الزراعية.  

 أنقاض في قرية زنوتا عقب تدميرها على أيدي المستوطنين، وتظهر في الخلفية بؤرة ميتاريم المقامة على التل المطلّ عليها. 1 سبتمبر/أيلول 2025

تختزل قصة زنوتا مصير العشرات من التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية التي هُجّرت قسرًا أو تواجه خطر التهجير القسري الوشيك في المنطقة (ج). ويكشف هذا التقرير بوضوح عن نطاق وجسامة حملة التطهير العرقي التي تستهدف هذه التجمعات، والتي تُنّفَّذ في إطار نظام الأبارتهايد والاحتلال غير المشروع، وفي ظلّ استمرار الإبادة الجماعية في قطاع غزة.  

وبخلاف ما يلمّح له الكثيرون في المجتمع الدولي، يُظهر هذا التقرير أيضًا أن الحملة ليست نتاجًا لأفعال بعض المستوطنين “المارقين”، أو المنظمات الاستيطانية أو الوزراء المتطرفين، أي أن عنف المستوطنين ليس حالة شاذة، بل هو جزءٌ لا يتجزأ من سياسة دولة منظّمة.  

يأتي العنف المتصاعد في زنوتا امتدادًا لعقودٍ من التمييز الممنهج الذي تمارسه السلطات الإسرائيلية، بما في ذلك التهديدات المستمرة بهدم منازلهم لإجبارهم على المغادرة، وهي ممارسة شائعة تعتمدها إسرائيل لفرض نظام الأبارتهايد. أبلغ سكان زنوتا الشرطة الإسرائيلية مرارًا عن هجمات المستوطنين طلبًا للحماية، لكن لم يُتخذ أيّ إجراء قط.  

عندما داهم مستوطنو بؤرة ميتاريم القرية مرة أخرى في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانوا مصحوبين بالقوات الإسرائيلية، وهدّدوا بإيذاء السكان إذا لم يغادروا، فأدرك السكان أن لا خيار أمامهم سوى الفرار.  

وفي خطوة نادرة، في كلّ من يوليو/تموز 2024 وفبراير/شباط 2025، أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الشرطة والجيش بتسهيل عودة سكان التجمّع وحمايتهم من الهجمات، لكنهما تجاهلا الحُكمين. وقد قوبلت كل محاولة من السكان للعودة بالمزيد من عنف المستوطنين وبالموافقة الضمنية للقوات الإسرائيلية. وتؤكّد الأدلة الرقمية والمقابلات وصور الأقمار الصناعية من 30 مارس/آذار 2025 ما حدث، إذ أصبحت خربة زنوتا أثرًا بعد عين، حيث أُفرِغت قسرًا من سكانها ودُمّرت بشكلٍ واسع. 

في الوقت نفسه، تلقّى المستوطنون دعمًا من الدولة لتصعيد حملتهم العنيفة. ففي أبريل/نيسان 2025، أقام الوزيران الإسرائيليان، بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك، فعالية في بؤرة ميتاريم، ومنحا المستوطنين المقيمين في البؤر الاستيطانية المقامة في محيط مدينة الخليل 19 مركبة دفع رباعي وكاميرات ومعدات رؤية ليلية، وكانت جميعها ممولة من الدولة.  

وقد أوضح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش السبب:

 “المستوطنون الأبطال والرواد الذين يعيشون هنا يمارسون الصهيونية، وهم بحاجة إلى الأمن…. نحن هنا لنبني معهم ولنستوطن الأرض”، في إشادة باستيلاء المستوطنين على الأراضي، وتأكيدًا على دور مركبات الدفع الرباعي في السيطرة على المراعي الفلسطينية. 

يُظهر التقرير أن حملة التطهير العرقي في المنطقة (ج) ترعاها الدولة، وتدفعها بسياساتها، وتنفذها بأدواتها؛ فهي تسعى إلى تسريع خطة الضم والتوسع الاستيطاني التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية وذلك من خلال ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وبناءً على ذلك، تطالب نتائج التقرير المجتمع الدولي بمواجهة المشروع الإسرائيلي الذي تقوده الدولة، وتسميته بمسمّاه، والتحرك بحزم لمنع تدمير التجمّعات الفلسطينية وضم الضفة الغربية. 

التحليل القانوني لمنظمة العفو الدولية 

وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تُعدّ قرية زنوتا واحدة من 117 تجمعًا فلسطينيًا بأغلبية بدوية ورعوية في الضفة الغربية المحتلة تعرّضت جميعها إما للتهجير القسري الكامل أو الجزئي بسبب هجمات المستوطنين وما يرتبط بها من قيود على التنقل والوصول ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وأبريل/نيسان 2026. وبالمجمل، أُجبر نحو 5,910 فلسطينيين على المغادرة، تاركين خلفهم مساحات شاسعة مُفرّغة من السكان. وتقع معظم التجمّعات المتضررة ضمن تصنيف المنطقة (ج) والتي تشكّل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، وكانت على مدى عقود في صميم السعي الإسرائيلي للسيطرة الجغرافية والديموغرافية، وذلك بسبب ثرواتها الطبيعية، وأراضيها الزراعية والرعوية الحيوية، وقلّة عدد السكان الفلسطينيين فيها. 

A palestinian man overlooking hills
عليان عليان، الذي وُلد في قرية بتّير عام 1941، وهي قرية مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو في الضفة الغربية المحتلة جنوب القدس، ينظر من القرية إلى وادٍ أُقيم فيه بؤرة استيطانية إسرائيلية جديدة، في 8 يوليو/تموز 2024

في أواخر ديسمبر/كانون الأول 2022، شكّل حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين، في إطار ائتلاف يضم حزبين سياسيين بأيديولوجية قومية ودينية متطرفة. ورغم أن عنف المستوطنين المدعوم من الدولة كان مصدر قلق متزايد لدى التجّمعات الفلسطينية في الضفة الغربية على مدى العقود الثلاثة الماضية، شهدت المنطقة ارتفاعًا غير مسبوق في نطاق الهجمات وحدّتها منذ تشكيل تلك الحكومة.   

أصبحت الأساليب أكثر عدوانية بشكلٍ خاص بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد الهجوم الذي شنته حماس وغيرها من الجماعات الفلسطينية المسلحة على جنوب إسرائيل وقتلت فيه حوالي 1,200 شخصًا معظمهم من المدنيين، واقتادت قسرًا 251 آخرين إلى قطاع غزة حيث احتُجزوا كرهائن وتعرضوا لانتهاكات. وخلُصت منظمة العفو الدولية إلى أن هذه الأفعال تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.  

وردًا على ذلك، شنّت إسرائيل هجومًا عسكريًا على قطاع غزة المحتل بلغ مستوىً لا نظير له من حيث جسامته ونطاقه ومدته، وألحقت بالسكان المدنيين مستويات كارثية من الدمار والتهجير القسري والتجويع، وذلك بارتكاب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. وبينما انصبّ معظم الانتباه العالمي على قطاع غزة، كثّفت إسرائيل من سياساتها وممارساتها التعسفية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وشجّع مسؤولون حكوميون هجمات المستوطنين ودعموها بشكلٍ علني. 

التهجير القسري والتجريد من الملكية: جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية 

أرهب المستوطنون الإسرائيليون المؤدلجون التجمّعات الفلسطينية من خلال المداهمات المتكررة لقراهم ومنازلهم، والاعتداء عليهم بالضرب، وتهديدهم بالقتل، ومطالبتهم بالمغادرة، ومضايقتهم باستمرار، وتدمير الممتلكات والبنى التحتية للقرية، وقطع خطوط المياه والكهرباء، وسرقة مواشيهم وممتلكاتهم. وقد فاقمت هذه الممارسات عمدًا من حدّة البيئة القهرية القائمة أصلًا بهدف تهجير الفلسطينيين قسرًا وتجريدهم من ممتلكاتهم، وتجلّى ذلك في سياسات الدولة المتمثلة في فرض القيود على الوصول إلى الأراضي، وهدم المنازل، والتوسع الاستيطاني. وقد وجد الفلسطينيون الذين حاولوا الرجوع قراهم مسيّجة أو مدمّرة، أو واجهوا هجمات المستوطنين المتجددة والمضايقات والترهيب، ما أجبرهم على الفرار مرةً أخرى.  

تأتي هجمات المستوطنين نتيجةً طبيعية ومباشرة لسياسة الدولة التي اعتمدت رؤية “إسرائيل الكبرى” التي تتبناها الحركة الاستيطانية وسمحت بتنفيذها، وهي أيديولوجية تعتبر المنطقة الممتدة من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن، بما في ذلك كامل الأرض الفلسطينية المحتلة، جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل. 

وقد تبنّى مسؤولون كبار في الحكومة السابعة والثلاثين هذه الرؤية بشكلٍ كامل، وشجعوا صراحة على عنف المستوطنين بحقّ التجمعات البدوية والرعوية وسهّلوه وغضّوا الطرف عنه باعتباره أداة تُستخدم عمدًا للتهجير القسري، وعبّروا عن ذلك بدرجة من الوضوح والفجاجة تفوق ما صدر عن أسلافهم، سعيًا منهم لتحقيق هدف ضم الضفة الغربية رسميًا بموجب القانون الإسرائيلي.  

ومنذ عام 1967، تفرض إسرائيل احتلالها عبر الأوامر والأنظمة العسكرية. وعليه، يخضع الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك المنطقة (ج) من الضفة الغربية بشكلٍ أساسي للقانون الدولي الإنساني (بما في ذلك قواعد قانون الاحتلال) والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وتنطبق القواعد نفسها على القدس الشرقية المحتلة، التي ضمّتها إسرائيل بصورة غير قانونية منذ عام 1967، رغم محاولاتها فصلها عن بقية الضفة الغربية من خلال نظام قائم على التقسيم والفصل القانوني.  

في هذا التقرير، تقدم منظّمة العفو الدوليّة أدلة قاطعة على أن هذه الانتهاكات، التي ارتُكبت في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وديسمبر/كانون الأول 2025، ترقى إلى جريمة الحرب المتمثلة في الإبعاد أو النقل غير المشروعين، والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبعاد أو النقل القسري للسكان، وقد ارتُكبت تلك الجرائم في إطار سياسة تهدف إلى التطهير العرقي للمنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، من خلال التهجير القسري للتجّمعات الفلسطينية البدوية والرعوية وتوسيع المستوطنات غير القانونية على حسابهم.  

تستخدم منظمة العفو الدولية مصطلح التطهير العرقي في هذا التقرير لتصف نمطًا متعمدًا من الأفعال الرامية إلى إزالة التجمعات الفلسطينية البدوية والرعوية بشكلٍ دائم من مناطق محددة في الضفة الغربية المحتلة، لا سيما المنطقة (ج). وبالرغم من أن التطهير العرقي غير معترف به كجريمة مستقلة يشملها القانون الدولي، تستخدم المنظمة المصطلح تماشيًا مع تعريف لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بيوغوسلافيا السابقة، والتي تصفه بأنه “سياسة مدروسة تصمّمها مجموعة عرقية أو دينية لإزالة السكان المدنيين المنتمين لمجموعة عرقية أو دينية أخرى من مناطق جغرافية محدّدة باستخدام العنف وأساليب بثّ الرعب”.   

وبينما يغطي هذا التقرير الفترة الممتدة ما بين ديسمبر/كانون الأول 2022 وديسمبر/كانون الأول 2025، يستمر ارتكاب هذه الجرائم الفظيعة التي تمثل جزءًا لا يتجزأ من نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، ويظهر ذلك في توثيق منظمة العفو الدولية المستمر وفي تقاريرها المتعاقبة عن الوضع على أرض الواقع.

منهجية البحث

للوصول لهذه النتائج، أثبتت منظمة العفو الدولية بدايةً نية إسرائيل إضفاء الصفة الرسمية على ضم المنطقة (ج) بموجب القانون الإسرائيلي وتغيير تكوينها الديموغرافي، بما في ذلك من خلال ارتكابها انتهاكات للقانون الدولي تشكّل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وشمل ذلك تحليل مستفيض وشامل للسياسات التاريخية الإسرائيلية الموجّهة نحو الضم، والاتفاقيات الحكومية، والتصريحات الرسمية الصادرة عن وزراء الحكومة، والتشريعات المقترحة والمعتمدة، والتغييرات في نظام الحوكمة في الضفة الغربية المحتلة. وقيّمت المنظمة بعد ذلك أثر هذه السياسات على الفلسطينيين من التجمعات البدوية والرعوية، بالتركيز على ثلاث مناطق نموذجية في المنطقة (ج) إما تعرضت للتهجير القسري الناجم عن أفعال المستوطنين، أو واجهت خطر التهجير في الفترة ما بين عامي 2023 و2025: 

  • زنوتا في تلال جنوب الخليل؛  
  • عين سامية في الأغوار الوسطى؛  
  • وعين الحلوة ومكحول والفارسية، وهي مجموعة من التجمّعات الصغيرة في الأغوار الشمالية.  

كما يستند التقرير إلى أبحاث ميدانية ومكتبية بشأن أحداث وقعت في 22 تجمعًا بدويًا ورعويًا آخر.  

وبالمجمل، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 64 شخصًا لإعداد هذا التقرير (وبعضهم أكثر من مرة)، من بينهم 45 رجلًا وامرأة فلسطينيين من 12 تجمعًا، إما تعرّضوا للتهجير القسري أو يواجهون خطر التهجير المحدق. كما أجرت المنظمة مقابلات مع 19 شخصًا من بينهم محامون ونشطاء أجانب وإسرائيليون يراقبون عنف المستوطنين، فضلًا عن مسؤولين فلسطينيين، وصحافيين، وممثلين عن منظمات غير حكومية فلسطينية وإسرائيلية. وقد تحقّقت المنظمة من صحة 423 صورة ومقطع فيديو مصوّر، وراجعت وثائق حكومية وقرارات صادرة عن المحكمة وخرائط وصور أقمار الصناعية وتقارير صادرة عن الأمم المتحدة والمجتمع المدني، وغيرها من المواد مفتوحة المصدر.  

وفي 13 مايو/أيار، شاركت منظمة العفو الدولية نتائجها مع عدد من الوزارات الإسرائيلية وهي وزارة الأمن القومي، ووزارة الدفاع، ووزارة العدل، ووزارة الشؤون المالية، وكذلك مع المستشارة القضائية للحكومة. وحتى وقت نشر هذا التقرير، لم تتلقّ المنظمة أي ردّ سوى من وحدة المتحدث العسكري. ومن جملة الادّعاءات، ذكرت الوحدة أن القوات الإسرائيلية تتصدّى لهجمات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وأنها تحتجز المشتبه بهم متى اقتضى الأمر حتى وصول الشرطة. كما ذكرت أنها تفتح تحقيقات في الحالات التي تفشل فيها القوات في الامتثال للأوامر أو التدخل لوقف عنف المستوطنين. غير أن الأدلة التي وثّقتها منظمة العفو الدولية وحلّلتها تُظهر واقعًا مختلفًا عن ادّعاءات الجيش، وقد أُرفقت نسخة من الرد في التقرير.

نيّة إسرائيل ضمّ المنطقة (ج) 

منذ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية (التي ضُمّت بصورة غير قانونية) وقطاع غزة، طرحت الحكومات الإسرائيلية المتتابعة خططًا للضم تسمح بفرض السيادة الحكومية الإسرائيلية على أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية، مع الإبقاء على وجود فلسطيني محدود. 

Members of cabinet stand in front of flags of Israel, while two men in the front of them shake hands
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الدولة الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، وأعضاء الحكومة الإسرائيلية الجديدة، خلال التقاط صورة في منزل الرئيس بتاريخ 29 ديسمبر/كانون الأول 2022 في القدس

مثّل تشكيل الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين في ديسمبر/كانون الأول 2022 تحولًا كبيرًا في سرعة ونطاق العمل نحو إضفاء الصفة الرسمية على إجراءات الضم بموجب القانون الإسرائيلي. فالحكومة التي شُكّلت بقيادة حزب الليكود بزعامة نتنياهو، في إطار ائتلاف يضم حزبي “القوة اليهودية” بزعامة إيتمار بن غفير و”الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش، جعلت من توسيع الضم الرسمي بموجب القانون الإسرائيلي لمناطق أخرى في الضفة الغربية المحتلة علاوةً على القدس الشرقية، هدفًا سياسيًا معلنًا.  

فقد تبنت علنًا رؤية الحركة الاستيطانية لما يُسمّى بـ”إسرائيل الكبرى”، وكثّفت من سياسات التهويد التي تسعى إلى فرض الحد الأقصى من السيادة اليهودية-الإسرائيلية مع فرض القيود على الفلسطينيين الذين يعيشون في جيوب معزولة ومكتظة بالسكان للتقليل من وجودهم والحد من وصولهم إلى المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. كما سرّعت إجراءات مصادرة الأراضي لا سيما من خلال إعلانها أراضٍ تابعة للدولة، وعملت على توسيع المستوطنات وما يتصل بها من مشاريع بنى تحتية بوتيرة غير مسبوقة. وبذلك، واصلت انتهاك القواعد الآمرة في القانون الدولي، بما في ذلك الحظر المفروض على الضم وإقامة المستوطنات في الأرض المحتلة. كما أنها تحدّت عددًا من قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة الصادرة منذ عام 1967 بشأن عدم قانونية المستوطنات، والفتوَيْين الصادرتين عن محكمة العدل الدولية، كان آخرها الفتوى الصادرة في يوليو/تموز 2024 والتي وجدت الاحتلال غير مشروع، وأمرت إسرائيل بإنهاء وجودها على الأرض الفلسطينية المحتلة وتفكيك كافة المستوطنات. 

كما ألغت السلطات الإسرائيلية بنودًا في قانون فك الارتباط التي أدت إلى إخلاء أربع مستوطنات وبؤر استيطانية في شمال الضفة الغربية قبل حوالي عقدين من الزمن، وأضفت بأثر رجعي الصفة القانونية على بؤر استيطانية كانت أصلًا غير مرخصة حتى بموجب القانون الإسرائيلي، وزادت التمويل الحكومي والدعم اللوجيستي وسهّلت الحصول على تراخيص أسلحة شخصية لسكان تلك البؤر. والأهم، أن الحكومة مكّنت فعليًا حملة غير مسبوقة من عنف المستوطنين لتهجير الفلسطينيين قسرًا من المنطقة (ج).  

أُضفيَت الصفة الرسمية على هذه الأولويات في اتفاقيات الائتلاف الموقّعة ما بين حزب الليكود وحزبَي القوة اليهودية والصهيونية الدينية، وكذلك في المبادئ التوجيهية للحكومة. وفي انتهاكٍ كامل للقانون الدولي، تؤكد هذه المبادئ على أن الضفة الغربية المحتلة جزء لا يتجزأ من “أرض إسرائيل” وتُلزم الحكومة “بتعزيز وجود المستوطنات وتطويرها”، والاعتراف “بحق الشعب اليهودي الحصري الذي لا جدال فيه بجميع مناطق أرض إسرائيل”، ما يزيد من ترسيخ الهيمنة اليهودية الإسرائيلية على الفلسطينيين.  

وساهم تعيين كلّ من إيتمار بن غفير وزيرًا للأمن القومي ومنحه السلطة على شرطة حرس الحدود في الضفة الغربية، وتعيين بتسلئيل سموتريتش وزيرًا للمالية ووزيرًا إضافيًا داخل وزارة الدفاع للإشراف على الوحدات الرئيسية في الجيش الإسرائيلي المسؤولة عن تطبيق السياسات المدنية في الضفة الغربية، في وضع مستوطنين بارزين ومناصرين للضم في صميم عملية صنع القرار الحكومي.  

وعدا عن الاتفاقيات الرسمية، تكشف التصريحات العلنية الصادرة عن كبار المسؤولين، بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن مسعىً مُنسّق ومُعلن عنه صراحةً نحو الضم والهيمنة الديموغرافية اليهودية في الضفة الغربية، لا سيما في المنطقة (ج).  

فعلى سبيل المثال، في فبراير/شباط 2023، أصرّ رئيس الوزراء نتنياهو أن “البناء والتنظيم في يهودا والسامرة [الضفة الغربية المحتلة] سيستمر وفقًا للخطة وجدول البناء الأصليين، دون أي تغييرات” وأنه “لم يحصل ولن يحصل أي تجميد لها”. وفي سبتمبر/أيلول 2025، أعلن بتسلئيل سموتريتش عن خطط لضمّ 82% من الضفة الغربية، موضحًا أن التوجه الرئيسي يجب أن يكون في جوهره “أراضٍ أكثر، عرب أقل” وذلك لتعزيز التفوق الديموغرافي اليهودي. وفي سبتمبر/أيلول 2025، دعا إيتمار بن غفير، في سياق حديثه عن كل من قطاع غزة والضفة الغربية، إلى إرساء “السيادة” الإسرائيلية وتشجيع التهجير القسري للفلسطينيين الذين يعيشون هناك: “لأن هذه أرضنا، ولأننا نحتاج إلى أن نخبر العالم بأسره ‘أن السيادة لنا إلى أبد الآبدين’…، وكذلك أن نشجع [الفلسطينيين] على الهجرة الطوعية، وهو ما يجب أن نفعله أيضًا في يهودا والسامرة”.

تسريع التوسع الاستيطاني وإجراءات الضم 

مباشرةً بعد تشكيلها، باشرت الحكومة بتطبيق رؤية الحركة الاستيطانية، والتي تتضمن إضفاء الطابع الرسمي على الضم والتوسع الاستيطاني وتسريع الاستيلاء على الأراضي، كما هو موضح في اتفاقيات الائتلاف. وتحقيقًا لهذه الغاية، نُقلت صلاحيات إدارة الشؤون المدنية في الضفة الغربية من الهيئات العسكرية إلى تلك المدنية. وبشكلٍ أساسي، عزّزت هذه الإجراءات من سلطة بتسلئيل سموتريتش وقدرته على صنع قرارات تمسّ الفلسطينيين في المنطقة (ج). وهذا ينتهك القانون الدولي الإنساني الذي يشترط على سلطة الاحتلال احترام القوانين القائمة، إلا في حالة الضرورة المطلقة.  

فبراير/شباط 2023: أنشأت وزارة الدفاع وحدة إدارة الاستيطان، وهي هيئة مدنية تحت إشراف بتسلئيل سموتريتش مسؤولة عن جميع مناحي الحياة في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. وتمتلك الهيئة الجديدة صلاحية إضفاء الصفة القانونية على البؤر الاستيطانية وتطبيق قوانين التخطيط والبناء على كلّ من الفلسطينيين والإسرائيليين في المنطقة (ج)، الأمر الذي أدى إلى وقفٍ فعلي لعمليات إزالة المباني التي أنشأها المستوطنون دون ترخيص إسرائيلي رسمي.   

يونيو/حزيران 2023: انتقلت مسؤولية تخطيط المستوطنات ومنح المصادقات بشكلٍ رسمي من وزير الدفاع إلى بتسلئيل سموتريتش بصفته وزيرًا إضافيًا. وسهّل هذا القرار بناء المستوطنات في الضفة الغربية دون قيود، وذلك بإزالة مستويات متعدّدة من الرقابة السياسية والعسكرية وبالاستغناء عن الحاجة لمصادقة وزير الدفاع ورئيس الوزراء. وبعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بدأت تنعقد اجتماعات المصادقة على المستوطنات أسبوعيًا، وكانت تُعقد كحد أقصى كل ثلاثة أشهر، في تسارع لمعدّل المصادقة. 

مايو/أيار 2024: سمح الحاكم العسكري للضفة الغربية بتعيين نائب مدني للشؤون المدنية داخل الإدارة المدنية. وقد عُين مساعد مقرّب من بتسلئيل سموتريتش رئيسًا لوحدة إدارة الاستيطان، لا يخضع لإشراف رئيس الإدارة المدنية، بل لإشراف سموتريتش المباشر.  

مايو/أيار 2025: أعلنت السلطات الإسرائيلية استئناف تسجيل الأراضي في المنطقة (ج)، وهو إجراء مصمّم فعليًا لمصلحة المستوطنين الإسرائيليين، من خلال اعتبار الأراضي غير المسجّلة أراضي دولة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ما لم يتمكن الفلسطينيون من استيفاء معايير إثبات ملكية شبه مستحيلة لإثبات ملكيتهم. 

فبراير/شباط 2026: أعادت السلطات الإسرائيلية تفعيل آلية جديدة لتسجيل الأراضي نقلت بموجبها صلاحية رسم الخرائط والقياسات في المناطق غير المسجلة من الإدارة المدنية إلى وزارة العدل. وبحلول نهاية ذلك الشهر، كانت السلطات الإسرائيلية قد استولت على نصف الأراضي غير المسجّلة في المنطقة (ج)، والتي تشكّل 58% من مساحتها.  

صادق مجلس الوزراء الأمني على إجراءات إضافية لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية. شملت هذه الإجراءات: إلغاء قانون يعود لفترة الحكم الأردني ينصّ على منع غير الفلسطينيين من شراء الأراضي في الضفة الغربية دون الحصول على تصريح من السلطات الفلسطينية؛ وإعادة تفعيل آلية من خلال هيئة داخل الإدارة المدنية تسمح للدولة الإسرائيلية بشراء الأراضي مباشرةً من الفلسطينيين دون الحاجة إلى الحصول على أي موافقة إضافية. كما أقرّت الحكومة إجراءات مبسّطة للمصادقة على المستوطنات.

تمويل التوسّع الاستيطاني 

منذ توليها السلطة، زادت الحكومة بشكلٍ هائل التمويل المخصص لتنفيذ خطة الحركة الاستيطانية، متخذة من الهجمات التي قادتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ذريعة لتصعيد الإجراءات والممارسات العدوانية المرتبطة بمساعي الضم في الضفة الغربية.  

وُجهت موارد كبيرة إلى شُعبة الاستيطان، وهي الهيئة المكلّفة بتخطيط إنشاء المستوطنات وتوسيعها والإشراف عليهما، وإلى مشاريع بنى تحتية ضخمة؛ وصُنّفت مستوطنات معينة كمناطق ذات أولوية قومية ضمن برامج الدعم المالي الحكومية. وكانت وزارة الاستيطان والمهام الوطنية بقيادة أوريت ستروك، ووزارة الدفاع، ووزارة المواصلات والأمان على الطرق، ووزارة الزراعة والأمن الغذائي، من بين الوزارات التي ضخّت الأموال للمشاريع الاستيطانية.  

فعلى سبيل المثال، خلال السنوات الثلاث الأولى من حكم الحكومة، زادت الميزانية السنوية لوزارة الاستيطان والمهام الوطنية بنسبة 122%، حيث وصلت بحلول عام 2026 إلى 764 مليون شيكل إسرائيلي (254,5 مليون دولار أمريكي). وفي عام 2023، خصّصت الحكومة مبلغ 3,5 مليار شيكل إسرائيلي (حوالي 1,1 مليار دولار أمريكي) لوزارة المواصلات لتوسعة الطرق وتطويرها لخدمة المستوطنين في الضفة الغربية على مدى خمس سنوات. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، صودق على خطة إضافية لدعم المستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها وتطويرها، خُصصت لها ميزانية قدرها 2,75 مليار شيكل إسرائيلي (919 مليون دولار أمريكي).  

علاوةً على ذلك، قدّمت الحكومة بشكلٍ مباشر التمويل والمعدّات للبؤر الاستيطانية غير المرخصّة. وكشفت منظمة “السلام الآن” عن أدلة تثبت أن الحكومة قدمت في عام 2023 مبلغ 28 مليون شيكل إسرائيلي (8 مليون دولار أمريكي) لـ68 بؤرة استيطانية رعوية و33 بؤرة استيطانية أخرى، وقد استخُدم المبلغ لشراء طائرات مسيّرة ومركبات وكاميرات وألواح شمسية وبوابات كهربائية. وفي يوليو/تموز 2024، أكّدت وزيرة الاستيطان والمهام الوطنية أن مكتبها خصّص 75 مليون شيكل إسرائيلي (23 مليون دولار أمريكي) لتطوير البنية التحتية الأمنية في البؤر الاستيطانية. وفي الفترة ما بين أبريل/نيسان ويوليو/تموز 2025، نقلت الحكومة ما لا يقل عن 48 مركبة دفع رباعي للبؤر الاستيطانية غير المرخصة، كما زوّدت سكّانها بنظارات الرؤية الليلية، والمسيّرات، ومعدّات الاتصال، والمولدات الكهربائية. 

A person wearing a green sweatshirt stands in front of a wired fence
 لقطة من فيديو تُظهر مستوطنين إسرائيليين وهم يقيمون سياجًا حول قرية زنوتا. يرتدي المستوطنون قمصانًا تحمل شعار منظمة “هاشومير يوش”، وهي منظمة استيطانية مدعومة من الدولة. الفيديو بتاريخ 15 فبراير/شباط 2024

كما موّلت السلطات الإسرائيلية بشكلٍ مباشر المنظمات الاستيطانية المنخرطة في أعمال تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم. فعلى سبيل المثال، تلقّت منظمة هاشومير يوش، والتي تستقطب متطوعين للعيش في البؤر الاستيطانية أو المشاركة في أنشطة تُقام فيها، ما لا يقل عن 3 مليون شيكل إسرائيلي (أكثر من 1 مليون دولار أمريكي) من التمويل الحكومي منذ عام 2023، رغم وجود مقاطع فيديو مؤكّدة يظهر فيها أعضاء المنظمة وهم يضايقون الفلسطينيين من التجمعات البدوية والرعوية ويعتدون عليهم، ويُتلفون ممتلكاتهم، ويمنعون المهجرين منهم من العودة إلى منازلهم.

ارتفاع حاد في أعمال بناء المستوطنات 

معاليه أدوميم جزء لا يتجزأ من وطننا، وسيكون هناك المزيد من أمثال معاليه أدوميم في وطننا.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو متحدثًا عن المصادقة على 3,401 وحدة سكنية جديدة في معاليه أدوميم، خلال زيارة للمستوطنة في 11 سبتمبر/أيلول 2025. ومعاليه أدوميم هي مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة يسكنها أكثر من 38,000 مستوطن.

أسفرت التغييرات في سياسات الحكومة عن ارتفاع حاد غير مسبوق في أعمال بناء المستوطنات. وبينما بلغ المتوسط السنوي بين عامي 2012 و2022 نحو 5,443 وحدة استيطانية جرى المصادقة عليها، ارتفع هذا المتوسط إلى نحو 16,928 وحدة سنويًا في ظل الحكومة السابعة والثلاثين.

وما بين عامي 2023 و2025، أعلنت السلطات الإسرائيلية 25,959 دونمًا (حوالي 2,596 هكتارًا) في المنطقة (ج) أراضٍ تابعة للدولة. وبحسب منظمة “السلام الآن”، دعمت الحكومة في نفس الفترة خططًا لبناء 50,785 وحدة سكنية استيطانية. وفي عام 2025 وحده، صادق المجلس الأعلى للتخطيط على بناء 27,941 وحدة، وهو أعلى رقم مسجّل على الإطلاق. 

A construction site on hill
صورة لمبانٍ جديدة في مستوطنة “عِلي” الإسرائيلية، جنوب نابلس في الضفة الغربية. في مايو/أيار 2025، صادقت الحكومة الإسرائيلية على توسع كبير للمستوطنات اليهودية واستأنفت تسجيل الأراضي في المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، ما سرّع جهود الضم. 19 مايو/أيار 2025

علاوةً على ذلك، هدمت السلطات الإسرائيلية 3,407 منازل ومنشآت أخرى فلسطينية في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وأبريل/نيسان 2026، ما أدّى إلى تهجير 2,996 فلسطينيًا. 

كما لم تتخذ السلطات سوى إجراءات محدودة حيال البؤر الاستيطانية الإسرائيلية التي أقامها مدنيون إسرائيليون في الضفة الغربية بدون أي ترخيص من الدولة، بالرغم من أنها تُعدّ غير قانونية حتى بموجب القانون الإسرائيلي. في الواقع لم يُفكك سوى ست بؤر استيطانية، في حين أقيمت العشرات غيرها، ومُنحت الصفة القانونية لاحقًا. ويُثبت ذلك أن الحكومة تشجع فعليًا أعمال البناء الاستيطانية غير المرخصة، بل وتحميها. 

ووفقًا لمنظمة “السلام الآن”، بحلول نهاية أبريل/نيسان 2026، كان المستوطنون الإسرائيليون قد أقاموا 363 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية. أُنشئ 212 (أكثر من 58%) منها في ظل الحكومة السابعة والثلاثين، وكان بعضها في المنطقة (ب)، التي يُفترض أن تخضع للسيطرة الإدارية الكاملة للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو. وعلى سبيل المقارنة، أقيمت 153 بؤرة استيطانية ما بين عام 1996، الذي بدأت فيه البؤر بالظهور، وعام 2023، شملت العشرات من البؤر الرعوية التي يستخدمها المستوطنون للسيطرة على مساحات شاسعة من الأرض الفلسطينية من خلال الرعي.  

علاوةً على ذلك، ومنذ يناير/كانون الثاني 2023، أضفت السلطات الإسرائيلية الصفة القانونية على ما لا يقل عن 39 بؤرة استيطانية بأثرٍ رجعي واعتبرتها مستوطنات. وبحسب منظمة “السلام الآن”، وصل إجمالي عدد المستوطنات الجديدة التي أعلنت عنها الحكومة إلى 102 مستوطنة بحلول 30 أبريل/نيسان 2026، ويُعزى ذلك إلى القرارات الحكومية التي تنص على تصنيف بعض الأحياء الاستيطانية كمستوطنات مستقلة، وإعادة إنشاء أربع مستوطنات وبؤر استيطانية في شمال الضفة الغربية كانت قد فُككت بموجب خطة فك الارتباط أحادية الجانب لعام 2005، والإعلان عن مستوطنات جديدة بالكامل. وهذا هو أكبر عدد من المستوطنات الجديدة التي أقرّتها حكومة واحدة في تاريخ إسرائيل. 

عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين كسياسة رسمية للدولة 

“منذ قرابة عام، لم أقطع الطريق العام [طريق آلون]. كانوا [المستوطنون] يضايقونني أنا ورعاة آخرين، وكنا نحاول تجنبهم، لكن الجيش بدأ بالحضور لحمايتهم، مطلقًا النار في الهواء”. – أيمن سليمان، رجل فلسطيني مهجّر من عين سامية 

بدعمٍ سياسي وقانوني ومالي كامل من الدولة، في ظل الحكومة السابعة والثلاثين، صعّد المستوطنون ممارساتهم القائمة وتبنّوا أساليب أشدّ عدوانية لتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أرضهم. وقد أدى ذلك إلى مستويات قياسية من التهجير القسري، والقتل، وإلحاق الإصابات، وتدمير الممتلكات، والاستيلاء غير المشروع على الأراضي. 

يستخدم المستوطنون ثلاثة أساليب لتهجير التجمعات الفلسطينية قسرًا:  

  • الهجمات على المنازل والقرى والممتلكات؛  
  • المضايقات والتهديدات والاعتداءات الجسدية المستمرة؛  
  • والاستهداف الممنهج لسبل العيش بفرض القيود على الوصول إلى المراعي وموارد المياه وسرقة أو قتل المواشي، وتدمير الحقول الزراعية وإتلاف المحاصيل.  

وتسهّل السلطات الإسرائيلية فعليًا هذه الهجمات من خلال تسليح المستوطنين والسماح للجيش والشرطة بدعم تلك الهجمات أو حتى المشاركة فيها. وفي كثيرٍ من الحالات التي وثّقتها منظمة العفو الدولية، خضع الفلسطينيون الذين أبلغوا عن عنف المستوطنين للتحقيق، أو فرضت عليهم غرامات، أو اعتُقلوا. 

عقب الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة ردًا على الهجمات التي قادتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، خفّفت الحكومة معايير منح تراخيص حيازة الأسلحة النارية الخاصة، وشكّلت المئات من وحدات “الاستجابة السريعة” في جميع أنحاء إسرائيل والضفة الغربية المحتلة، مسلّحة المدنيين للتصدي لحالات الأعمال “الإرهابية” وغيرها من حالات الطوارئ. كما وزّعت الآلاف من الأسلحة الإضافية على “وحدات الدفاع الإقليمي” التي شُكّلت حديثًا والمكونة إلى حدٍ كبير من المستوطنين الذين جرى استدعاؤهم للخدمة في قوات الاحتياط في الجيش. وبحلول يناير/كانون الثاني 2026، كان أكثر من 240,000 مواطن إسرائيلي قد حصلوا على تراخيص حمل السلاح الناري، من بينهم مستوطنين إسرائيليين.  

وفي معظم الحوادث التي وثّقتها منظمة العفو الدولية، كان المستوطنون مسلحين. وحتى في الحالات التي لم تُستخدم فيها الأسلحة، فإن مجرد وجودها غيّر جذريًا من طبيعة الهجمات وشدتها التي واجهها الفلسطينيون على مدى عقود، حيث سمح ذلك للمستوطنين بتدمير الممتلكات الفلسطينية، وسرقة المواشي، وإرهاب التجمّعات البدوية والرعوية بحدة وعنف لم يسبق لهما مثيل. 

مداهمات عنيفة واعتداءات جسدية 

قال فلسطينيون من التجمّعات الرعوية والزراعية في المنطقة (ج) ممن قابلتهم منظمة العفو الدولية إن هجمات المستوطنين على منازلهم ومنشآت تجمّعهم ما بين مطلع عام 2023 ونهاية عام 2025 أصبحت أكثر تواترًا وضراوة، واستهدفت المنازل بشكلٍ متكرر، حتى لم يعد لهم أي مكان يشعرون فيه بالأمان. وقد أفادوا مرارًا بأن المستوطنين استهدفوا سبل عيشهم لإجبارهم على المغادرة، وغالبًا ما كان ذلك بدعم من الجنود الإسرائيليين أو ممثلي المجالس الإقليمية للمستوطنات.  

Three cars parked on a road and surrounded by people
لقطة من فيديو تُظهر مستوطنين في قرية قريوت وهم يدمّرون جابية مياه يستخدمها الفلسطينيون لريّ المحاصيل، بينما تقف القوات الإسرائيلية في المكان دون تدخل، 29 فبراير/شباط 2024

تُظهر مقاطع مصورة موثقة لبعض هذه الهجمات المستوطنين وهم يشاركون في اقتحامات، وتخريب المنازل والمركبات والخيام والمدارس والأدوات الزراعية والجرارات، وتدمير خزانات المياه وألواح الطاقة الشمسية والمؤن الغذائية، وإشعال النار في الخيام والمنازل. وفي العديد من المداهمات، كان المستوطنون مصحوبين بالجنود الإسرائيليين أو بمستوطنين يرتدون زيًا عسكريًا، ما تسبّب بشكلٍ مباشر في التهجير القسري الكامل أو الجزئي للتجمّعات. وتُظهر بعض مقاطع الفيديو المستوطنين وهم يضايقون الرعاة الفلسطينيين، ويدهسون قطعانهم بالمركبات، ويسرقون مواشيهم أو يعتدون عليها، وفي بعض الحالات يقتلونها. 

تعرّض العديد من الفلسطينيين ممن أُجريت معهم مقابلات وكذلك أربعة متطوعين شخصيًا لعنف المستوطنين أو شهدوه بأعينهم. قالوا إن المستوطنين دفعوا رجالًا فلسطينيين، وفي بعض الأحيان أطفالًا، أو اعتدوا عليهم بالضرب بأيديهم أو باستخدام العصي أو أعقاب البنادق؛ ورشقوهم بالحجارة أو وجهوا سلاحهم وبنادقهم نحوهم؛ وأطلقوا النار في الهواء لإرهابهم؛ وطعنوا أشخاصًا بالسكاكين؛ وحاولوا دهسهم بمركباتهم.  

حدثت هذه الهجمات في مناطق الرعي، وفي الحقول الزراعية، وداخل التجمّعات وحتى في المنازل، وكانت في كثيرٍ من الأحيان مصحوبة بإهانات لفظية، حيث كان المستوطنون يهددون بخنق السكان أو إطلاق النار عليهم للسيطرة على منازلهم، وأمروهم صراحةً بمغادرة تجمّعاتهم. علاوةً على ذلك، دأب المستوطنون على مضايقة الفلسطينيين بتصويرهم دون موافقتهم.  

قال راعٍ من شِعب البطم في تلال جنوب الخليل إنه بعد حوالي ثلاثة أيام من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حضر عدة مستوطنين مسلحين وملثمين إلى منزله وهدده أحدهم بقتل أطفاله إذا لم تغادر العائلة منزلها. وأضاف أنه في اليوم التالي عاد نفس المستوطن وضغط بالبندقية على صدره، وركله في بطنه، وهدّده بإطلاق النار عليه. وقد وقع هذا العنف أمام بناته المذعورات. وأضاف أنه في يوم آخر أجبره المستوطن نفسه على الاستلقاء أرضًا ووجهه إلى الأسفل تحت تهديد السلاح، وغطّى رأسه ببطانية بمساعدة مستوطن آخر وهدّده بالقتل. ثم دمّروا خزانات مياه الراعي وقطعوا خطوط الكهرباء، وسرقوا المعدات الزراعية، وحطّموا هاتف زوجته عندما حاولت تصوير الاعتداء.  

ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ارتفع متوسط عدد حالات مقتل الفلسطينيين على أيدي المستوطنين إلى ثماني حالات سنويًا بين عامي 2023 و2025، مقارنة بأقل من 1.7 حالة سنويًا خلال السنوات الست السابقة. وخلال الفترة نفسها، تضاعف عدد الإصابات بأكثر من ثلاث مرات، وقد سُجّلت زيادة ملحوظة في الإصابات الناجمة عن الأسلحة النارية. وبالمجمل، نفّذ المستوطنون ما لا يقل عن 4,575 هجومًا على التجمّعات الفلسطينية خلال تلك السنوات الثلاث، أسفرت عن وقوع إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما. 

الاستهداف المتعمّد لسبل العيش

تعمّد المستوطنون أيضًا تدمير الأراضي الزراعية ومواشي الفلسطينيين. فقد قال سكان مكحول وزنوتا وعين سامية إن المستوطنين كانوا يسيّرون مواشيهم باستمرار على الأراضي الفلسطينية المزروعة، حيث كانوا يتلفون المحاصيل ويدمّرون الحقول الزراعية عمدًا. وتعزّز أدلة مصوّرة من عشر حوادث هذه الشهادات، وتظهر أيضًا المستوطنين وهم يشقّون طرقًا ويسيّجون مناطق واسعة لمنع الفلسطينيين من الزراعة. وفي حادثة بالغة الوحشية، في 17 يوليو/تموز 2025، أطلق المستوطنون النار وطعنوا 180 إلى 200 من الأغنام التي سرقوها من تجمّع حمّامات الميتة، وهو تجمّع صغير في الأغوار الشمالية، حيث قتلوا حوالي 120 منها.  

وبسبب التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين المستمر، تراجعت بشكل حاد إمكانية وصول الفلسطينيين لأراضي الرعي في المنطقة (ج). وتظهر المقابلات والأدلة المرئية الموثقة نمطًا متكررًا استغل فيه المستوطنون اعتماد التجمعات الفلسطينية البدوية والرعوية على الماشية في معيشتهم لتهجيرهم قسرًا. وبدلًا من فتح تحقيقات في انتهاكات المستوطنين، استخدمت السلطات والقوات الإسرائيلية مصادرة المواشي أو التهديد بمصادرتها كأداة لمنع السكان المهجّرين من العودة إلى منازلهم أو مراعيهم. 

دور القوات والسلطات الإسرائيلية في عنف المستوطنين 

على مدى عقود، غضّت القوات والسلطات الإسرائيلية الطرف عن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين أو تقاعست عن منعه أو سهّلته أو شاركت فيه بشكلٍ مباشر. وفي ظل الحكومة السابعة والثلاثين، بلغ هذا الدعم مستويات جديدة.  

فرغم الالتزامات التي تقع عليه بصفته سلطة احتلال والمتمثلة في حماية أرواح السكان الواقعين تحت الاحتلال وسبل عيشهم، شارك الجيش الإسرائيلي بشكلٍ مباشر في هجمات المستوطنين أو تقاعس عمدًا عن التدخل فيها، ما يشير إلى سياسة تسمح بهذه الهجمات وتحمي المعتدين من المساءلة. 

وثّقت منظمة العفو الدولية 14 حالة حضر فيها الجنود الإسرائيليين أثناء هجمات المستوطنين العنيفة أو شاركوا فيها بشكلٍ مباشر. وتراوحت أفعالهم بين الاكتفاء بالمشاهدة بينما يتعرض الفلسطينيون للاعتداء، إلى تسهيل أفعال المستوطنين أو المشاركة فيها بما في ذلك المضايقات والترهيب وتدمير الممتلكات أو الاعتداء الجسدي على الأفراد. وفي بعض الحالات، حضر الجنود مع المستوطنين، في إشارةٍ إلى تنسيق مسبق بينهم. كما طردوا الرعاة من مناطق الرعي، وهدّدوهم بإطلاق النار عليهم أو مصادرة مواشيهم، ونفّذوا عمليات تفتيش عنيفة، ومنعوا النشطاء من الوصول إلى مواقع اعتداءات المستوطنين، ما سمح باستمرار هذه الهجمات. وقد ساهمت هذه الأفعال في حمل السكان الفلسطينيين على مغادرة منازلهم.  

 لقطة من فيديو تُظهر ينون ليفي (مرتديًا قميصًا أبيض)، وهو مستوطن فرضت عليه المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات، أثناء تجوّله في قرية زنوتا برفقة القوات الإسرائيلية في 24 أغسطس/آب 2024. ويشير إلى منشآت قال إن فلسطينيين عائدين شيدوها دون تصاريح.

عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، زوّدت السلطات الإسرائيلية آلاف المستوطنين بالأسلحة النارية والزي العسكري، ما صعّب على الفلسطينيين التمييز بينهم، حيث طُمست الفروقات ما بين المستوطنين والجنود. وقد مكّن ذلك المستوطنين من استغلال السلطة المرتبطة باللباس العسكري لارتكاب الانتهاكات. وتظهر مقاطع مصورة موثقة أن مستوطنين كانوا يعتدون على الفلسطينيين سابقًا بزي مدني باتوا يفعلون ذلك الآن بزيٍ عسكري. 

على سبيل المثال، في شعب البطم في مسافر يطا، أفاد السكان بأنه منذ سبتمبر/أيلول 2024، دأب مستوطن من البؤرة الاستيطانية متسبيه يائير التي تقع على مقربة من التجمّع، على دخول القرية مرارًا لالتقاط الصور وتخريب الممتلكات، وكان يحمل مسدسًا ويرتدي زيًا عسكريًا. وتُظهر مقاطع الفيديو المستوطن وهو يجوب القرية صباحًا ومساءً، ويدمّر السياج والبوابات. ورغم ظهوره ممتشقًا بندقيته ومرتديًا زيًّا ذا طابع عسكري، فإنه يقود مركبة دفع رباعي مدنية يستخدمها المستوطنون بالعادة. 

ويشمل تواطؤ الدولة مع هجمات المستوطنين اعتقال الفلسطينيين تعسفيًا واحتجازهم لفترات قصيرة، وهو ما شهد ارتفاعًا حادًا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ووصف الفلسطينيون اعتقالات واحتجازات طالتهم على خلفية مزاعم مثل “الاشتباك مع المستوطنين”، استنادًا فقط إلى شهادات المستوطنين، حتّى في الحالات التي قالوا فيها إنهم كانوا هدفًا لهجمات المستوطنين أو مضايقاتهم أو سرقاتهم، بينما لم يُحقّق مع المستوطنين. وقد احتُجز بعضهم بعد وصولهم لمراكز الشرطة لتقديم شكوى إثر تعرّضهم لهجمات المستوطنين، ليُعاملوا هم أنفسهم كمشتبه بهم في ذات الاعتداءات التي أبلغوا عنها. 

كما تُفرض غرامات باهظة على الفلسطينيين المتّهمين بالرعي في مناطق محظورة، مثل الأراضي التي صنّفتها السلطات الإسرائيلية “أراضي دولة”، أو مناطق عسكرية مغلقة، أو أراضٍ تقع ضمن اختصاص المجالس الإقليمية للمستوطنات – وهي جميعها تصنيفات تستخدمها إسرائيل للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية بصور غير مشروعة بعد عام 1967- ما يُجبرهم في بعض الأحيان على بيع مواشيهم لدفع هذه الغرامات أو لاتخاذ إجراءات قانونية مكلِفة للطعن فيها. 

الإفلات من العقاب على الجرائم ضد الفلسطينيين 

بالرغم من وفرة المقاطع المصورة المتاحة علنًا، وشهادات الضحايا وشهود العيان، تقاعست جهات إنفاذ القانون الإسرائيلية باستمرار عن إجراء تحقيقات فعّالة ومحاسبة مرتكبي هجمات المستوطنين. وبحسب منظمة ييش دين، في الحالات التي رصدتها المنظمة في الأعوام ما بين 2005 و2025، أُغلقت حوالي 94% من التحقيقات في جرائم المدنيين الإسرائيليين بحقّ الفلسطينيين دون توجيه لائحة اتهام، ولم تُفضِ سوى 3% من التحقيقات إلى أحكام إدانة جزئية أو كاملة.  

وقال معظم الناجين الفلسطينيين من الهجمات ممن قابلتهم منظمة العفو الدولية إنهم توقفوا عن تقديم شكاوى لدى الشرطة لأنها على الأرجح لن تتّخذ أي إجراء.  

كما رسّخت الإجراءات التي يتّخذها المسؤولون الحكوميون من حالة الإفلات من العقاب. فبحسب تقارير إعلامية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أصدر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تعليمات لكبار ضباط الشرطة في الضفة الغربية بالامتناع عن تطبيق القانون على المستوطنين المتطرفين والمجموعات اليمينية التي ترتكب اعتداءات بحق الفلسطينيين. وبعد ذلك بعام، في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن خطته لوقف استخدام أوامر الاعتقال الإداري ضد المستوطنين العنيفين، وهي أوامر استُخدمت لسنوات طويلة بشكل شبه حصري ضد الفلسطينيين، قائلًا إنها ترسل “رسالة واضحة مفادها دعم المستوطنات التي تتصدر مواجهة الإرهاب الفلسطيني وتشجيعها”.  

وحتى عندما فرضت بعض الدول الأجنبية عقوبات على مستوطنين أو منظمات استيطانية، شملت تجميد الأصول وحظر السفر، لم يواجهوا في إسرائيل سوى عواقب محدودة أو لم يواجهوا أي عواقب على الإطلاق، بالرغم من التوثيق الواسع للعنف الذي حرّضوا عليه أو ارتكبوه. والأهم من ذلك أنهم واصلوا ارتكاب انتهاكات بحقّ الفلسطينيين.  

A man holds a child on his lap
الناشط الفلسطيني عودة الهذالين مع طفله في قرية أم الخير. قُتل في 28 يوليو/تموز 2025 على يد المستوطن الإسرائيلي ينون ليفي، الذي فُرضت عليه عقوبات. 

وفي حادثة بارزة، صُوّر ينون ليفي، مؤسس بؤرة ميتاريم، وهو يطلق النار على الناشط الفلسطيني الأعزل عودة الهذالين ويُرديه قتيلًا، في قرية أم الخير في 28 يوليو/تموز 2025. واعتقلت السلطات الإسرائيلية ليفي لفترة وجيزة للاشتباه في تورطه في جريمة “القتل غير العمد”، ولكنها أفرجت عنه في صباح اليوم التالي، ووضعته قيد الإقامة الجبرية في منزله لمدة ثلاثة أيام فقط. وتظهر مقاطع فيديو أنه عاد لاحقًا إلى أم الخير لمضايقة السكان الفلسطينيين وتهيئة الأرض لبناء بؤرة استيطانية جديدة غير مرخصة. وحتى وقت كتابة هذا التقرير، لم توجّه إلى ينون ليفي بعد لائحة اتهام بقتل عودة الهذالين، رغم أن الادعاء العام عبّر عن نيته القيام بذلك في فبراير/شباط 2026. ورغم وجود مقاطع فيديو يظهر فيها وهو يرتكب اعتداءات بحق سكان أم الخير وزنوتا وغيرها من التجمعّات، لم يُفتح أي تحقيق في ذلك، ما يعكس نمطًا أوسع يتمثّل في عدم محاسبة المستوطنين الذين يقيمون بؤرًا استيطانية غير مرخصة. 

وفي بعض الحالات القليلة التي قدّمت فيها المحاكم إنصافًا جزئيًا، مثل الأمر بأن يُسمح للفلسطينيين المهجّرين بالعودة إلى منازلهم، كما هو الحال في قراريْ المحكمة العليا الصادرين بشأن زنوتا، أو إصدار أوامر منع التعرّض بحق أفراد من المستوطنين، تجاهلت الشرطة والجيش الإسرائيليان هذه الأحكام بشكل متكرر، ما يترك الفلسطينيين دون أي أفق لتحقيق العدالة. 

سياسات الحكومة تسهّل التهجير القسري للفلسطينيين 

إلى جانب عنف المستوطنين المتزايد الذي تدعمه السلطات الإسرائيلية أو تتغاضى عنه، تسهّل سياسات حكومية أخرى التهجير القسري للفلسطينيين، بما في ذلك أنظمة التخطيط والبناء التمييزية، والتوسع الاستيطاني، وعمليات الهدم، والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي وموارد المياه.  

ويعدّ تجمع عين سامية، على أرض قرية كفر مالك في المنطقة (ج) شمال شرق رام الله، مثالًا واضحًا على ذلك. فعلى مدى أجيال، كانت منطقة عين سامية مركزًا زراعيًا ورعويًا يعتمد عليه المزارعون ومربو المواشي من قرية كفر مالك والقرى المجاورة، بما في ذلك تجمّع عين سامية البدوي. وبمرور الوقت، أصبحت المنطقة مقيّدة بشكل متزايد بسبب الإجراءات الإسرائيلية التمييزية الرامية إلى الاستيلاء على الأراضي، مقرونةً بالتوسع المطّرد في المستوطنات والبؤر الاستيطانية المجاورة، بما في ذلك مستوطنة كوخاف هشاحر التي أُقيمت على بعد أقل من 2 كم عام 1977. وبحلول أبريل/نيسان 2026، كان المستوطنون قد أقاموا ما لا يقل عن 12 بؤرة استيطانية في محيط مستوطنة كوخاف هشاحر، لتحيط بشكلٍ تدريجي عين سامية وتعزز سيطرة المستوطنين على الأرض والموارد. 

وواجه التجمع البدوي، ومعظم سكانه من الرعاة، عقودًا من أوامر الهدم في ظل نظام تخطيط تمييزي جعل حصول الفلسطينيين على تصاريح البناء شبه مستحيل. وفرضت السلطات غرامات ضخمة على الرعاة بسبب الرعي في أراضٍ صنّفتها “أراضي دولة” وهدّدت بمصادرة أغنامهم.   

ومع توسع البؤر الاستيطانية وتكثيف عمليات الهدم، تصاعد عنف المستوطنين، إذ قالت “رحمة”، وهي امرأة فلسطينية هُجرت لاحقًا من عين سامية، لمنظمة العفو الدولية: 

“بدأ المستوطنون بالحضور يومًا تلو الآخر. يقلبون خزانات المياه، ويضايقون الشباب، ويأتون ليلًا ونهارًا. لم نعُد نستطيع التنفس. لا نشعر بالراحة أبدًا، لا ليلًا ولا نهارًا. أنا امرأة كبيرة بالسن، أقسم بالله، لا أستطيع النوم. أظل جالسة على كرسي. فهم إذا حضروا، لا يستثنون أحدًا”. 

بسبب العنف والتهديدات المتكررة، حُصر الفلسطينيون في جزءٍ متقلص من مناطق رعيهم السابقة، ما أجبرهم على شراء الأعلاف والمياه، وقد أدّى ذلك إلى انخفاض إنتاج الحليب والدخل، وتسبّب في تدهور الأراضي. وبعد الهجمات اليومية المتكررة، أُجبر التجمّع على مغادرة عين سامية في 22 مايو/أيار 2023. وعُرقلت محاولات الرجوع أو رُدعت بفعل هجمات المستوطنين، والاعتقالات، وهدم السلطات لمدرسة عين سامية، وتدمير شبكات إمداد المياه وتعطيلها. 

تجمّعات في خطر 

تواجه الكثير من التجمّعات الفلسطينية خطرًا جسيمًا يتمثل في التهجير القسري. 

ففي الأغوار الشمالية وحدها، أصبح ما لا يقل عن 38 تجمّعًا رعويًا، يسكنها نحو 7,000 فلسطيني، مهددًا بخطر التهجير، حيث تمضي إسرائيل بسياساتها المرتبطة بالضم. وتشكّل المنطقة حوالي 75% من محافظة طوباس وتقع معظمها ضمن المنطقة (ج)، وتصنّف السلطات الإسرائيلية نحو 90% منها كأراضي دولة، و”مناطق عسكرية مغلقة”، ومحميات طبيعية، ومواقع أثرية. تستخدم السلطات الإسرائيلية هذه التصنيفات كذرائع لإصدار أوامر هدم بحق التجمعات الفلسطينية ومنع الرعاة الفلسطينيين من الرعي. ومنذ يناير/كانون الثاني 2023، أعلنت إسرائيل أكثر من 20,000 دونم (2,000 هكتار) في منطقة الأغوار أراضٍ تابعة للدولة. 

يزيد التوسع الاستيطاني من تفتيت التجمّعات الفلسطينية وعزلها عن بعضها، إذ تساهم ثماني مستوطنات إسرائيلية، وما لا يقل عن 19 بؤرة استيطانية، وطرق وبنى تحتية متنامية مخصّصة للمستوطنين فقط، في حصر الفلسطينيين في جيوب آخذة في التقلص، وتعرّضهم لعنف المستوطنين المتصاعد ومضايقات الجيش.  

وتدرك التجمّعات الفلسطينية المعرضة لخطر التهجير جيدًا المصير الذي ينتظرها. فقد واجه سكّان عين الحلوة، وهو تجمّع رعوي صغير مكوّن من حوالي 50 شخصًا، تصاعدًا في عنف المستوطنين منذ أواخر عام 2023، إلى جانب اعتقالات وترهيب على أيدي القوات الإسرائيلية، وتوسع متزايد للبؤر الاستيطانية والمستوطنات المجاورة الذي صاحبه تسييج للمنطقة يقيّد حركتهم. وفي يوليو/تموز وأغسطس/آب 2025، هدمت القوات الإسرائيلية جميع منشآت التجمع، وجعلت جميع سكانه فعليًا بلا مأوى.  

A palestinian man standing on a rural area
راعٍ فلسطيني في منطقة مكحول ينظر إلى مراعٍ قرب التجمع. وتظهر في الخلفية منشأة شيّدها مستوطنون إسرائيليون بشكل غير قانوني.

واجه تجمع مكحول أساليب تهجير مشابهة على مدى فترة أطول من الزمن. فبعدما كان يضم عشرات العائلات، تقلّص عدد سكانه إلى أربع عائلات فقط عقب هدم جميع منشآته البالغ عددها 58 منشأة في عام 2013، وما تلا ذلك من عمليات هدم إضافية. ويصف السكّان حالة الترهيب المستمر التي يعيشونها حيث تحيط بهم الآن القواعد العسكرية والمستوطنات والبؤر الاستيطانية. ومنذ أواخر عام 2023، ازداد عنف المستوطنين بشكلٍ حاد، حيث استهدفوا المواشي عبر الاعتداء على الرعاة، وأحرقوا الممتلكات عمدًا، وسرقوا المواشي، ودهسوا القطعان بالمركبات، وهددوا الأطفال. كما تعرض التجمّع لحالات تعدي متكررة من المستوطنين، ومضايقات، وأعمال بناء بالقرب من منازلهم، عدا عن رعي المستوطنين الممنهج ليلًا لإتلاف المحاصيل. ويقول السكان إنهم يعيشون في خوف من أن يؤدي غيابهم عن أرضهم لفترة وجيزة إلى استيلاء دائم على أراضيهم. 

النتائج والتوصيات 

تظهر أبحاث منظمة العفو الدولية بشكلٍ لا لبس فيه أن السلطات الإسرائيلية ترتكب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني في سعيها لتنفيذ سياسة التطهير العرقي في المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، وذلك في إطار الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع ونظام الأبارتهايد الذي تفرضه على جميع الفلسطينيين، وفي ظلّ الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة. وتُنفَّذ هذه السياسة عبر التهجير القسري للتجمّعات البدوية والرعوية الفلسطينية، وهي أفعال ترقى لجريمة الحرب المتمثلة في الإبعاد أو النقل غير المشروعين، والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبعاد أو النقل القسري للسكان، وكذلك عبر إنشاء المستوطنات وتوسيعها، والتي ترقى لجريمة الحرب المتمثلة في النقل غير المشروع. 

في سبتمبر/أيلول 2024، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يطالب إسرائيل بإنهاء وجودها غير المشروع في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال 12 شهرًا، وذلك امتثالًا للفتوى التاريخية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية، والتي تحدد التزامات الدول الثالثة الناشئة عن احتلال إسرائيل غير المشروع للأرض الفلسطينية. وقد حثّت الدول على عدم تقديم العون أو المساعدة للاحتلال الإسرائيلي غير المشروع في أي تعاملات دبلوماسية أو سياسية أو قانونية أو عسكرية أو اقتصادية أو تجارية أو مالية مع إسرائيل. ومن جملة تدابير أخرى، دعت إلى فرض عقوبات موجهة على أفراد وكيانات ضالعة في ترسيخ الاحتلال، بما في ذلك فيما يتعلق بعنف المستوطنين، ووقف استيراد منتجات المستوطنات الإسرائيلية ووقف إمدادات الأسلحة إلى إسرائيل.  

تقاعست معظم الدول عن اتخاذ إجراءات فعّالة تضمن عدم تقديم العون أو المساعدة للوجود الإسرائيلي غير المشروع في الأرض الفلسطينية ولمستوطناتها غير القانونية؛ وعن التعاون لإنهاء نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين، وعن ضمان المحاسبة على الجرائم التي يشملها القانون الدولي. وعندما اتخذت إجراءات، اقتصرت على فرض عقوبات على عدد قليل من المستوطنين الأفراد المعروفين بشن هجمات على الفلسطينيين أو التحريض ضدهم، وعلى بعض البؤر الاستيطانية التي أقاموها، وعلى عدد من المنظمات الاستيطانية المتورطة في تمويل البؤر الاستيطانية أو دعمها أو بناءها أو رفع دعاوى قضائية لتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم. 

ومن خلال حصر التركيز على البؤر الاستيطانية وما يُسمى بـ”المتطرفين”، أساءت هذه الإجراءات توصيف عنف المستوطنين باعتباره حالة شاذة، بدلًا من مجابهته لما هو عليه: فهو عنف ترعاه الدولة، وعنصر أساسي في حملة تطهير عرقي تهدف إلى ترسيخ نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين، وتوسيع سيطرتها على الأرض الفلسطينية وتجزئتها، وضمان ضمّها في نهاية المطاف، وجميعها أفعال محظورة بموجب القانون الدولي وعدة قرارات تبناها المجتمع الدولي.  

من بين توصيات عديدة يقدّمها هذا التقرير، تدعو منظمة العفو الدولية كلّ من: 

– الدول الثالثة إلى فرض حظر على العلاقات التجارية والاستثمارية وأي أنشطة تسهم في أو ترتبط بشكلٍ مباشر بالاحتلال الإسرائيلي غير المشروع ونظام الأبارتهايد والتطهير العرقي للفلسطينيين، بالإضافة إلى حظر تقديم التمويل أو أي شكل من أشكال المساعدة للمنظمات التي تعدّ عنصرًا أساسيًا في المشاريع الاستيطانية ونظام الأبارتهايد. وعلى وجه التحديد، يجب على الاتحاد الأوروبي تعجيل التعليق الذي طال انتظاره لاتفاقية الشراكة مع إسرائيل، وتعليق نظام الإعفاء من التأشيرة لجميع المستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في الأرض الفلسطينية المحتلة. ولمنع مواصلة إفراغ المنطقة (ج) من تجمّعاتها البدوية والرعوية الفلسطينية، يجب على الدول ضمان أن وجودها الدبلوماسي يحمي فعليًا حقوق هذه التجمعات، بما في ذلك من خلال زيارة السكان المهجّرين أو الذين يواجهون خطر التهجير ودعمهم. ويجب عليهم استخدام جميع الوسائل المتاحة تحت تصرفهم للضغط على إسرائيل لإنهاء حملة التطهير العرقي والاحتلال غير المشروع وتفكيك نظام الأبارتهايد الذي تفرضه على الفلسطينيين.  

– الدول الثالثة إلى فرض عقوبات موجهة أحادية الجانب على كبار المسؤولين الإسرائيليين لتورطهم بشكلٍ مباشر في حملة إسرائيل للتطهير العرقي، بمن في ذلك بنيامين نتنياهو، وإيتمار بن غفير، ويسرائيل كاتس، وبتسلئيل سموتريتش، وأوريت ستروك، وبسبب مسؤوليتهم المشتبه بها عن ارتكاب جرائم جسيمة يشملها القانون الدولي بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية بما في ذلك التهجير القسري للتجمّعات البدوية والرعوية الفلسطينية، وبسبب إبقائهم على احتلال غير مشروع والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في نظام الأبارتهايد. وينبغي أن تشمل هذه التدابير حظر السفر وتجميد الأصول وغيرها من القيود المالية الموجهة، بما يتماشى مع التزامات الدول بموجب القانون الدولي. إن العقوبات الموجهة رد ضروري ومشروع على استمرار الإفلات من العقاب وإخفاق الآليات القائمة في منع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المستمرة. 

– السلطات الإسرائيلية إلى الوقف الفوري للتهجير القسري للتجمّعات الرعوية والبدوية الفلسطينية في المنطقة (ج) من الضفة الغربية وفي أي مكان آخر في الأرض الفلسطينية المحتلة، وذلك بتفكيك جميع المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية، والسماح للفلسطينيين المهجرّين بالعودة إلى منازلهم. وإلى حين عودتهم، عليها أن تضمن تلبية الاحتياجات الإنسانية لجميع المدنيين المهجرين، بما في ذلك توفير الوصول للمياه والغذاء والمأوى والرعاية الصحية، بما يتماشى مع التزامات إسرائيل بصفتها سلطة احتلال، وتقديم التعويضات لجميع من تعرّضت ممتلكاتهم للإتلاف أو التدمير أو المصادرة بصورة غير مشروعة. ويجب أن يحصل جميع الضحايا الفلسطينيين على جبر كامل للضرر الذي لحق بهم، بما في ذلك حالات القتل والإصابات البالغة، ويجب محاسبة مرتكبي هذه الجرائم.   

النطاق والمنهجية

النطاق

يتناول هذا التقرير التدابير التي نُفّذت منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين في 29 ديسمبر/كانون الأول 2022 وحتى نهاية عام 2025، والتي سعت إلى إضفاء الصفة الرسمية على ضم المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة إلى إسرائيل، وتهجير الفلسطينيين قسرًا منها.[1] كما يوثّق التقرير تصاعد حملة عنف المستوطنين المدعومة من الدولة منذ ذلك الحين وما رافقها من ترهيب لآلاف الفلسطينيين من سكان التجمّعات البدوية والرعوية في المنطقة (ج) وتهجيرهم قسرًا بهدف تغيير التكوين الديموغرافي للمنطقة تغييرًا دائمًا. ويحلّل التقرير القوانين والسياسات والممارسات الإسرائيلية في ضوء تعريف جريمة الحرب المتمثلة في الإبعاد أو النقل غير المشروعين والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبعاد أو النقل القسري للسكان، لتحديد ما إذا كانتا تندرجان ضمن سياسة أوسع للتطهير العرقي.

ويأتي هذا التقرير نتاجًا لبحثٍ ميداني ومكتبي أجرته منظمة العفو الدولية في الفترة ما بين فبراير/شباط 2024 وأبريل/نيسان 2026. ويستند إلى تقارير حقوقية سابقة صادرة عن المنظمة، بما في ذلك تقريرها الذي نُشر عام 2022[2] والذي وجد أن إسرائيل ترتكب جريمة ضد الإنسانية بفرضها نظام الأبارتهايد على جميع الفلسطينيين الذين تسيطر على حقوقهم، وأثبت أن التهجير القسري يشكّل عنصرًا أساسيًا في نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل.

يستند هذا التقرير، في نتائجه واستنتاجاته، إلى أنواعٍ متعددة من الأدلة والمصادر. وقد قيّمت منظمة العفو الدولية نية إسرائيل ضم المنطقة (ج) وتغيير تكوينها الديموغرافي، وذلك لتحديد ما إذا كانت موجات التهجير القسري للفلسطينيين من التجمّعات البدوية والرعوية في المنطقة (ج) بين عامي 2023 و2025، الناجمة عن ممارسات المستوطنين، ترقى إلى التطهير العرقي والنقل قسري.

واستندت في ذلك إلى تحليل اتفاقيات الائتلاف التي وقّعها حزب الليكود عند تشكيل الحكومة مع حزبي القوة اليهودية والصهيونية الدينية، وهما حزبان يتبنيان أيديولوجية دينية وقومية. وراجعت التصريحات الصادرة عن وزراء إسرائيليين وقادة المستوطنين، ونظرت في قوانين أُقرّت حديثًا ومشاريع قوانين مقترحة تسعى إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية المحتلة. كما قيّمت أثر التغييرات الجوهرية على نظام الحوكمة الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، والإجراءات الحكومية التي سمحت بتسارع التوسّع غير القانوني للمستوطنات والبؤر الاستيطانية. وشمل ذلك مراجعة شاملة للخرائط ووثائق المحاكم والقرارات الحكومية والأوامر العسكرية والعقود والمراسلات ما بين منظمات المجتمع المدني والسلطات الإسرائيلية والمسؤولين الإسرائيليين، بالإضافة إلى التقارير الصادرة عن وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الفلسطينية والإسرائيلية.

وبينما يركز هذا التقرير أساسًا على أثر الإجراءات والسياسات الإسرائيلية في الأحداث الموثّقة خلال الفترة الممتدة من نهاية ديسمبر/كانون الأول 2022 إلى ديسمبر/كانون الأول 2025، فإنه يتضمن أيضًا تحليل منظمة العفو الدولية للتطورات الميدانية حتى نهاية أبريل/نيسان 2026. وبناءً على ذلك، حُدّثت المعطيات والبيانات الأساسية حول التهجير القسري وهجمات المستوطنين، وأعمال القتل والإصابات، والتوسع الاستيطاني، ونمو البؤر الاستيطانية، حتى ذلك التاريخ.

ومع أن النطاق الزمني للتقرير اقتصر إلى حدٍ كبير على السنوات الثلاث الأولى من تولّي الحكومة السابعة والثلاثين مقاليد الحكم، يخلُص التقرير إلى أن الممارسات والسياسات المنفّذة خلال هذه الفترة تشكّل استكمالًا وتصعيدًا لتلك التي انتهجتها حكومات سابقة، لا خروجًا عنها أو قطيعة معها. لذلك يشير التقرير، متى اقتضى الأمر، إلى خططٍ وسياسات سابقة موجّهة نحو الضم.

وقيّمت منظمة العفو الدولية أثر هذه السياسات على الفلسطينيين من سكان التجمّعات البدوية والرعوية، مع التركيز على الإجراءات الإسرائيلية التي مكّنت عنف المستوطنين الإسرائيليين واستخدمته عمدًا كسلاح للدفع نحو التهجير القسري. ولإجراء هذا التقييم، اختارت المنظمة ثلاث مناطق تمثيلية في المنطقة (ج) إمّا تعرضت للتهجير القسري أو واجهت خطر التهجير بسبب عنف المستوطنين في الفترة ما بين عامي 2023 و2025، وهي: خربة زنوتا في تلال جنوب الخليل (محافظة الخليل)؛ وعين سامية في الأغوار الوسطى (محافظة رام الله والبيرة)؛ ومجموعة من التجمّعات الصغيرة في الأغوار الشمالية وهي الفارسية وعين الحلوة وخربة مكحول (محافظة طوباس). كما استند التقرير إلى أبحاث مكتبية بشأن أحداث وقعت في 22 تجمعًا بدويًا ورعويًا آخر، بهدف تحديد وتحليل أساليب الطرد التي يستخدمها المستوطنون، برعاية الدولة وبدعمها الفعال، لإخراج الفلسطينيين من المنطقة (ج).

خلال تلك الفترة، كثّفت السلطات الإسرائيلية أيضًا من التوسع الاستيطاني غير القانوني في القدس الشرقية المحتلة وعمليات التهجير القسري للفلسطينيين منها، لكن هذه الانتهاكات تخرج عن نطاق هذا التقرير.

المنهجية

في الفترة ما بين فبراير/شباط 2024 وسبتمبر/أيلول 2025، أجرى باحثو منظمة العفو الدولية 10 زيارات ميدانية إلى 10 تجمّعات في المنطقة (ج) كان سكّانها قد هُجرّوا بالكامل أو كانوا يواجهون خطر التهجير القسري. وشملت هذه التجمّعات: الفارسية والحديدية وعين الحلوة ومكحول في الأغوار الشمالية؛ وعين سامية وراس المعرجات وراس عين العوجا في الأغوار الوسطى؛ وشِعب البطم وسوسيا وزنوتا في تلال جنوب الخليل. بالإضافة إلى ذلك، زارت المنظمة ثلاثة مواقع انتقلت إليها العائلات المهجّرة، وهي خربة أبو فلاح، شرق الطيبة، وقرية كفر مالك، وكلاهما في محافظة رام الله والبيرة، والظاهرية في محافظة الخليل. وأُجريت بعض المقابلات في قرية بردلة في الأغوار الشمالية، والتي تقع بالقرب من تجمّعات تواجه خطر التهجير القسري.   

وبالمجمل، أجرى الفريق البحثي مقابلات مع 45 فلسطينيًا، إما هُجّروا قسرًا أو يواجهون خطر التهجير القسري (27 رجلًا و18 امرأة). ركّزت المقابلات على أثر إجراءات الضم التي اتخذتها إسرائيل، وسياسات التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين والاستيلاء على الأراضي. وأجريت مقابلات مع بعض الأشخاص مرتين. وما بين أكتوبر/تشرين الأول 2025 وفبراير/شباط 2026، أجرى الباحثون مقابلات متابعة عبر الهاتف مع بعض الأفراد الذين التقوا بهم خلال الزيارات الميدانية، وذلك لاستكمال بعض المعلومات الناقصة. وأُجريت جميع المقابلات مع الضحايا والشهود الفلسطينيين باللغة العربية، وبدون ترجمة شفهية. وحُجبت بعض أسماء الفلسطينيين المهجّرين الذين أُجريت معهم مقابلات لهذا التقرير لأسباب أمنية، أو احترامًا لرغباتهم؛ ويُشار إليهم بأسماء مستعارة. وعند ورود الاسم المستعار لأول مرة، يُشار إليه بالصيغة الآتية: “اسم مستعار” (غُيّر الاسم لأسباب أمنية). وحُذفت بعض التفاصيل المعرّفة أيضًا للحفاظ على إخفاء الهوية.

كما أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع تسعة محامين وخبراء وصحفيين ونشطاء وعاملين في منظمات غير حكومية ومسؤولين فلسطينيين بغرض جمع أدلة إضافية، والحصول على رؤىً تحليلية، والمزيد من السياق. وأجريت هذه المقابلات وجهًا لوجه أو عبر الهاتف. بالإضافة إلى ذلك، أجرت المنظمة مقابلات شخصية وهاتفية مع 10 متطوعين أجانب وإسرائيليين يحضرون بهدف الحماية، ويسعون إلى حماية الفلسطينيين في المنطقة (ج) من خلال وجودهم الميداني ورصدهم للأوضاع. وشمل ذلك مقابلات مع خمسة متطوعين في حركة التضامن الدولية (ISM)، ومتطوعَين اثنين من مجموعة نشطاء غور الأردن، وثلاثة متطوعين مستقلين. وقد قدّموا معلومات حول حوادث عنف المستوطنين، ولجوء القوات الإسرائيلية إلى الاستخدام غير المشروع للقوة، وغير ذلك من الانتهاكات بحق الفلسطينيين التي شهدوها مباشرةً في مسافر يطّا في تلال جنوب الخليل وفي الأغوار الشمالية. كما شارك المتطوعون عشرات مقاطع الفيديو التي صورّوها بأنفسهم أو صوّرها غيرهم من النشطاء، وتظهر فيها العديد من الحوادث التي وُصفت في المقابلات. وأفاد بعضهم بأنهم تعرّضوا للعنف الجسدي أو تلقّوا تهديدات مباشرة من المستوطنين، ولكن هذه الانتهاكات تقع خارج نطاق هذا البحث، لذا لا يُشار إليها في هذا التقرير.

وحلّلت منظمة العفو الدولية 423 مقطع فيديو وصورة أُرسِلت إليها مباشرة أو جرى تحديدها وجمعها من منصات فيسبوك وانستغرام وتيليجرام وتيك توك، وإكس ويوتيوب. وشمل التحليل مقاطع فيديو صادرة عن منظمات ومجموعات تطوعية مثل حركة التضامن الدولية، ومنظمة بتسيلم (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة)، ونشطاء غور الأردن، ومؤسسة الحق (منظمة فلسطينية لحقوق الإنسان)، ومحسوم ووتش (Machsom Watch) (وهي مجموعة من النساء الإسرائيليات يتطوعن لتوثيق الانتهاكات الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين). وراجعت المنظمة صورًا ومقاطع فيديو توثق حوادث عنف المستوطنين وانتهاكات القوات الإسرائيلية في التجمّعات المذكورة أعلاه، وفي 15 تجمّعًا آخر في المنطقة (ج)، وتتضمن: القبون، وعين شبلي، وحمّامات الميتة، وأحد التجمعات القريبة من حاجز حمرا، وخربة الصافي، وخربة بيت حسن، وقريوت، وقواويس، وراس العين، وأم الخير، ووادي الفارعة، ووادي الرخيم، ووادي فوكين، ووادي تيران، وودادي التحتا. كما أسهمت في التحقق من صحة مقاطع الفيديو “شبكة التحقق الرقمي” وهي شبكة جامعية تابعة لمنظمة العفو الدولية تجري تحقيقات رقمية في انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم. وساهم طلاب من جامعة إسكس، وكلية بارد برلين، وجامعة كاليفورنيا في بيركلي في إعداد هذا البحث. وفُهرست جميع المواد التي جُمعت وحُفظت لأغراض التحليل وإتاحة الوصول إليها مستقبلًا.

وخضع كل مقطع فيديو وصورة لعملية تحقّق دقيقة. وكخطوة تمهيدية، استخدم الباحثون أدوات البحث العكسي عن الصور ومقاطع الفيديو لتحديد ما إذا كانت المواد قد ظهرت على الإنترنت قبل وقوع الحوادث الخاضعة للتحقيق، ولتقييم احتمال نسبها خطأً أو إعادة استخدامها في سياقات غير ذات صلة. ولم تدّخر منظمة العفو الدولية جهدًا في تتبع المصدر الأصلي لكل مقطع فيديو وصورة وذكره مرجعًا. وفي معظم الحالات، يذكر هذا التقرير المصدر الأصلي؛ وفي حال كان المصدر الأصلي غير متاح، يشير إلى أقدم منشور أمكن الوصول إليه. ثم سعى الفريق لتحديد مكان تصوير الفيديو أو الصورة، وهو إجراء تحققي يُعرف بتحديد الموقع الجغرافي. وشمل ذلك مقارنة المعالم الظاهرة والتضاريس والعمارة ولافتات الشوارع وغيرها من السمات، ومطابقتها باستخدام صور الأقمار الصناعية والصور الملتقطة من الأرض المتاحة علنًا. وقد ضمنت هذه العملية التحقق من وقوع الحوادث الموثّقة في الضفة الغربية المحتلة، كما مكّنت الباحثين من تحديد مواقع بعينها.

كما سعت منظمة العفو الدولية إلى تحديد وقت أو الإطار الزمني الذي صُوِّر فيه كل مقطع فيديو، وهي عملية تُعرف باسم التحديد الزمني. وشمل ذلك تحليل الطوابع الزمنية، وموضع الشمس، وزوايا الظلال. وحيثما أمكن، أيّدت هذه النتائج مصادر أخرى، بما في ذلك شهادات من شهود عيان كانوا متواجدين أثناء أحداث معينة، وذلك للتحقق من تسلسل الأحداث. كما حلّلت المنظمة صور الأقمار الصناعية لدراسة عمليات بناء المستوطنات والبؤر الاستيطانية وتوسّعها، والطرق وغيرها من البنى التحتية ذات الصلة في عين سامية وزنوتا والأغوار الشمالية وحولها، ولتأكيد ما ورد في المقابلات من شهادات وصفت تدمير المنازل وغيرها من المنشآت الفلسطينية. وقُورنت صور أقمار صناعية عالية الدقّة التُقطت بين عامي 2022 و2023 بصورٍ أخرى التُقطت عام 2025، وذلك للتحقق من التغييرات التي طرأت على الأرض. كما استُخدمت صور أقل دقّة لتحديد التغييرات الكبرى التي حدثت منذ تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين.

إضافةً إلى ذلك، حلّلت منظمة العفو الدولية محتوىً مرئيًا لتحديد ما إذا كانت الانتهاكات بحق الفلسطينيين قد ارتكبها مستوطنون إسرائيليون أم جهات تابعة للدولة. وفي كثيرٍ من مقاطع الفيديو، كان من السهل التعرّف على المستوطنين: حيث ظهروا بملابس مدنية، حملت أحيانًا شعارات منظمات استيطانية؛ أو عرّفوا أنفسهم بأنهم ينتمون إلى مستوطنات أو بؤر استيطانية معينة؛ أو تعرّف عليهم النشطاء أو السكان الذين صوّروهم أو الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات. وحُدّد وجود الشرطة والجيش الإسرائيليين من خلال مقارنة الزي الرسمي والشارات والمعدّات الظاهرة في اللقطات‎ ومطابقتها مع صور مرجعية موثوقة ومصادر رسمية. غير أن منظمة العفو الدولية لم تتمكّن من التحقق بشكلٍ مستقل من الادّعاءات الواردة في بعض مقاطع الفيديو بأن رجالًا يرتدون زيًا عسكريًا كاملًا أو جزئيًا كانوا مستوطنين. وفي هذه الحالات، اعتمدت المنظمة على معرفة السكان أو النشطاء الذين سجّلوا المقاطع، وسعت إلى تأييد هذه المعلومات من خلال المقابلات، مع الإشارة إلى الحالات التي تعذّر فيها إسناد مسؤولية أفعال محددة إلى جهة معينة.

وأُيّدت جميع الأدلة المرئية بإفادات شهود العيان، أو قورنت بمواد من مصادر مفتوحة، كما جرى التحقق من صحتها بمقارنتها بتقارير موثوقة صادرة عن منظمات مجتمع مدني ووسائل إعلامية، وذلك تحرّيًا للدقة والموثوقية. وبعد الاطلاع على منهجياتها البحثية، استندت منظمة العفو الدولية إلى عمل عددٍ من المنظمات بهدف تقديم صورة أوسع للممارسات وأنماط الانتهاكات الإسرائيلية. وفيما يتعلق بجمع المعلومات حول البؤر الاستيطانية والمستوطنات، اعتمد التقرير على التقارير العامة والمعلومات التي قُدّمت مباشرةً لمنظمة العفو الدولية من كلّ من منظمة السلام الآن، وهي منظمة إسرائيلية تعمل على مراقبة أعمال بناء المستوطنات وتوسعها، وكذلك منظمة كِرم نابوت، وهي منظمة إسرائيلية تُعنى بالبحث في سياسة الأراضي التي تنتهجها إسرائيل في الضفة الغربية. أمّا فيما يتعلّق بأعداد الضحايا وهجمات المستوطنين، فيعتمد التقرير على مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، والذي يتابع الوفيات والإصابات في صفوف الإسرائيليين والفلسطينيين في سياق الاحتلال منذ عام 2008. وقد استمد التقرير المعلومات بشأن التحقيقات الإسرائيلية في عنف المستوطنين من التقارير العامة الصادرة عن ييش دين، وهي منظمة حقوقية إسرائيلية تراقب التحقيقات المفتوحة في مثل هذه الأفعال منذ عام 2005.

حُوّلت جميع المبالغ من عملة الشيكل الإسرائيلي الجديد إلى الدولار الأمريكي باستخدام سعر الصرف وقت كتابة التقرير، ولذلك فهي تعكس التقلبات في أسعار الصرف منذ عام 2023.  

وفي 13 مايو/أيار 2026، شاركت منظمة العفو الدولية نتائجها مع السلطات الإسرائيلية بما في ذلك وزارة الأمن القومي ووزارة الدفاع والمستشارة القضائية للحكومة، وأرسلت نسخًا من رسائلها إلى وزارة العدل ووزارة الشؤون المالية. وحتى وقت نشر هذا التقرير، لم تتلقّ المنظمة أي ردّ سوى من وزارة الدفاع. وقد أُدرجت النقاط الرئيسية المتعلقة بحالات معينة في الأقسام ذات الصلة. وأُرفقت نسخة من الرسالة التي وجّهتها المنظمة إلى وزارة العدل، وكذلك الرد الكامل من وحدة المتحدث العسكري في ملحق بهذا التقرير.

شكر وعرفان

تُعرب منظمة العفو الدولية عن عميق امتنانها لكل من شاركوا في هذا البحث أو ساعدوا في إعداده، وقدّموا لها المعلومات.

وبشكلٍ خاص، تودّ منظمة العفو الدولية شكر جميع الفلسطينيين الذين شاركوا تجاربهم رغم ما يكابدونه من مستوياتٍ قاسية من العنف والمضايقات اليومية، والتهجير القسري أو التهديد به، وحالة انعدام اليقين الشديد حيال مستقبلهم. وتدرك المنظمة مدى صعوبة أن يؤمن الفلسطينيون، الذين يعيشون تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع ونظام الأبارتهايد، بأن التقارير الصادرة عن منظمات حقوق الإنسان يمكن أن تحدث تغييرًا ملموسًا. ومع ذلك، فإنهم يواصلون توثيق الانتهاكات المرتكبة بحقهم، بما في ذلك تهجيرهم القسري. فقد استقبلوا فريق منظمة العفو الدولية في منازلهم، وأروها أراضيهم الآخذة في التقلّص رغم المخاطر التي شكّلها المستوطنون والجيش الإسرائيلي، كما استجابوا لطلباتٍ متكررة لتقديم معلومات وتوضيحات.

كما تعرب المنظمة عن امتنانها للمدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين الذين شاركوا معها المعلومات ومقاطع الفيديو والصور. وكانت العديد من المناطق التي زُرناها جزءًا من حملات منظمة العفو الدولية وأنشطتها التوثيقية على مدى أعوام، ومع ذلك، لا يزال حجم الانتهاكات التي يواجهها الفلسطينيون ووحشيتها صادمًا.

خريطة رمادية للضفة الغربية، تظهر عليها مناطق مظلّلة باللونين الأصفر والبني.
تستخدم الخريطة مربعات صفراء لتحديد مواقع التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية المشار إليها في هذا التقرير. كما تظهر عليها المدن الفلسطينية الرئيسية في الضفة الغربية المحتلة، فضلًا عن المناطق الإدارية التي أُنشئت بموجب اتفاقيات أوسلو: المنطقة (أ) والمنطقة (ب) والمنطقة (ج). مصادر البيانات: معهد بحوث النظم البيئية (Esri)، والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS)، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.

خلفية: السياسات الإسرائيلية

يريدون أن يخسر أصحاب الثروة الحيوانية قطعانهم ليصبحوا عمّالًا لديهم. يريدون تدمير الاقتصاد الفلسطيني كي نصبح عبئًا على المجتمع.

رشيد الخضيري، الأغوار الشمالية

منذ أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وقطاع غزة في يونيو/حزيران 1967، وأخضعت الفلسطينيين لاحتلالٍ عسكري وحشي، دأبت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، على اختلاف توجّهاتها السياسية، على انتهاج سياسة إقامة المستوطنات اليهودية وتوسيعها، وتوفير سبل تمكينها. وبحلول نهاية عام 2023، وصل عدد المستوطنين الإسرائيليين في القدس الشرقية، التي ضمّتها إسرائيل بصورة غير قانونية عام 1967، وفي سائر الضفة الغربية المحتلة[3] إلى نحو 773,000 مستوطن[4] مقارنةً بما يقارب 3,3 مليون فلسطيني يعيشون في نفس المنطقة.[5]

يشكّل المستوطنون الآن نحو 18% من إجمالي سكان الضفة الغربية. وبنهاية أبريل/نيسان 2026، كانت هناك 163 مستوطنة رسمية مُقامة في الضفة الغربية، بما في ذلك في القدس الشرقية،[6] بالإضافة إلى 363 بؤرة استيطانية غير مرخصة، من بينها بؤر رعوية.[7]

تجمّع سكاني مُقام على تلة
مستوطنة معاليه أدوميم الإسرائيلية غير القانونية المُقامة في الضفة الغربية المحتلة على مشارف القدس الشرقية المحتلة، ويسكنها أكثر من 38,000 مستوطن إسرائيلي، 23 يوليو/تموز 2025.

تبلغ كثير من المستوطنات حجم بلدات أو مدن، وتبنيها الدولة حصرًا للإسرائيليين اليهود، وتكون لها مخططاتها الهيكلية الخاصة وميزانيات حكومية مخصصة. وتتولى إدارتها البلديات، أو المجالس المحلية أو الإقليمية، بحسب حجم المستوطنة.

أما البؤر الاستيطانية فهي مستوطنات أقامها مواطنون إسرائيليون، غالبًا باستخدام العنف، وتكون في بادئ الأمر غير مرخّصة رسميًا، في مخالفة للقانون الإسرائيلي. غير أنها عمليًا تحظى بدعم من كبار المسؤولين الحكوميين والعسكريين، وغالبًا ما تمدّها السلطات الإسرائيلية بالخدمات مثل خطوط المياه والكهرباء.[8] وقد بدأت كثير من المستوطنات الإسرائيلية الرسمية في الضفة الغربية كبؤر استيطانية غير مرخصة، ثم أُضفيت عليها الصفة القانونية بأثرٍ رجعي.

بغض النظر عن وضعها القانوني بموجب القانون الإسرائيلي، تنتهك جميع المستوطنات والبؤر الاستيطانية القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني، والذي يحظر “نقل القوّة المحتلة أجزاءً من سكانها المدنيين إلى الأرض التي تحتلها”[9] ويحظر “التدمير واسع النطاق للممتلكات والاستيلاء عليها، في إطار لا تبرره الضرورة العسكرية، والذي يُنفّذ بشكلٍ غير مشروع وتعسفي”.[10] وتشكّل هذه الأفعال جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية.[11]

الأهمية الاستراتيجية للمنطقة (ج)

تعيش الغالبية العظمى من المستوطنين في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، ويُقدّر عددهم بنحو 540,327 مستوطنًا[12] في مستوطنات وبؤر استيطانية غير قانونية في المنطقة (ج)، وهي منطقة ريفية في معظمها، وظلّت تحت السيطرة الإدارية والعسكرية الإسرائيلية الكاملة عقب توقيع اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل بين عامي 1993 و1995.[13]

وتشكّل المنطقة (ج) أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية. [14] وتقع في معظمها في جزئها الشرقي، على امتداد غور الأردن، وكذلك حول البلدات والمدن الفلسطينية في الأجزاء الغربية والوسطى والجنوبية. وتحظى المنطقة بأهمية بالغة للحفاظ على الترابط الجغرافي في الضفة الغربية ولتنمية المراكز الحضرية فيها. كما تقع فيها معظم أراضي المنطقة الزراعية والرعوية.[15]

تُظهِر منطقة الأغوار الأهمية الاستراتيجية للمنطقة (ج) في إطار الأطماع الإقليمية الإسرائيلية، حيث تتميّز بانخفاض كثافتها السكانية، وبخصوبة أراضيها الزراعية ووفرة ينابيع المياه فيها، وتغطي نحو 30% من مساحة الضفة الغربية؛ وتُصنّف نحو 90% من مساحتها ضمن المنطقة (ج).[16]

في عام 1967، اقترح يغآل آلون، وزير العمل آنذاك، ضمّ منطقة الأغوار إلى إسرائيل، إلى جانب مناطق في جنوب مدينة أريحا، وأراضٍ محيطة بالقدس الكبرى. وقد صُمّمت “خطّة آلون”، كما باتت تُعرف، لاستبعاد المناطق ذات الكثافة السكانية الفلسطينية المرتفعة من المنطقة التي تنوي إسرائيل ضمّها، مع ضمان الوجود اليهودي في تلك المناطق عبر بناء المستوطنات والقواعد العسكرية. ورغم أن الخطة لم تحظَ بموافقة رسمية، فإنها شكّلت أساس السياسة الاستيطانية الإسرائيلية عمومًا، ولا سيما في منطقة الأغوار.[17]

التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية

يعيش نحو 300,000 فلسطيني في المنطقة (ج).[18] وعلى مدى عقود، أدّى استفراد إسرائيل الحصري بإنفاذ القانون في المنطقة، إلى جانب سياسات التخطيط والبناء التمييزية التي تنتهجها، إلى إخضاع السكان الفلسطينيين للتمييز الممنهج.[19]  

ويُعدّ الفلسطينيون من التجمعات البدوية والرعوية، الذين يقدّر عددهم بنحو 35,000 شخص،[20] من أكثر المتضررين، حيث تنتهك إسرائيل بصورة منتظمة حقوقهم في مستوى معيشي ملائم، وفي الصحة، والتعليم، والمياه، والمرافق الصحية.[21] وتعود أصول كثير منهم إلى النقب/صحراء النقب في الجنوب، التي هُجّروا منها خلال حرب عام 1948 التي أدت إلى إقامة دولة إسرائيل، فأصبحوا لاجئين في الضفة الغربية.[22]

وعقب الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، واجهت هذه التجمّعات الفلسطينية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأرض والتي تعتمد في سبل عيشها على تربية المواشي وإنتاج الألبان، موجاتٍ متكررة من الاقتلاع من الأرض، وعمليات التمدّن العمراني القسري، والقيود الإسرائيلية غير المشروعة على الوصول إلى المراعي وحرية التنقل. وقد حالت هذه العوامل، إلى جانب رفض إسرائيل الاعتراف بمفهوم الملكية الجماعية والقَبلية للأراضي المتوارث منذ أجيال، واحترامه، فضلًا عن فصل التجمّعات البدوية عن قبائلها الممتدة في النقب، دون تمكّنها من ممارسة نمط حياتها شبه البدوي. واليوم، يتعرّض نمط الحياة هذا بأكمله للتهديد.

يُظهر هذا الفيديو، المصوّر عام 2017، مشاهد من الحياة في أم الخير، وهو تجمّع في تلال جنوب الخليل عانى من مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني منذ ثمانينات القرن الماضي. ويواجه السكان أوامر هدم معلّقة صادرة عن السلطات الإسرائيلية، ويعيشون في خوفٍ دائم من فقدان منازلهم..

نظام الأبارتهايد

في عام 2022، نشرت منظمة العفو الدولية تقريرًا يبيّن أن استيلاء إسرائيل على مساحات شاسعة من الأراضي والممتلكات الفلسطينية في أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل لصالح السكان اليهود في إسرائيل، كان عنصرًا أساسيًا يقوم عليه نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين الذين تسيطر على حقوقهم.[23] وفي المنطقة (ج)، تصبح عمليات الاستيلاء ممكنة من خلال: تصنيف الأراضي باعتبارها “أراضي دولة” وتخصيصها فعليًا وحصريًا لإقامة المستوطنات اليهودية وتوسيعها؛ وعمليات الاستيلاء لأغراضٍ عسكرية أو “أمنية” مزعومة؛ وأوامر الاستيلاء للاستخدام “العام”؛ والاستحواذ بموجب أوامر أملاك الغائبين على أراضٍ هُجّر ملاكها قسرًا نتيجة نزاع عام 1967؛ فضلًا عن نظام التقسيم والتخطيط العمراني الإسرائيلي التمييزي بالعموم. ويظل هذا النظام قائمًا بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم يشملها القانون الدولي بحق الفلسطينيين، بما في ذلك النقل (التهجير) القسري، والتي وجدت منظمة العفو الدولية أنه يرقى إلى الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في جريمة الأبارتهايد، كما هي معرفّة في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والاتفاقية الدولية لقمع جريمة الفصل العنصري والمعاقبة عليها (اتفاقية الفصل العنصري (الأبارتهايد)).[24]

وسلّط التقرير الضوء على السياسات والممارسات الإسرائيلية التي نُفّذت على نحوٍ ممنهج وواسع النطاق لفرض الهيمنة والسيطرة اليهوديتين، وخلقت ظروفًا لا تُطاق للتجمّعات الفلسطينية في المنطقة (ج) إما بإرغامها على التهجير أو بتعريضها لخطر التهجير القسري، وهو ما يرقى إلى سياسة حكومية منظمة للنقل القسري. وتشمل العناصر الأساسية لهذه السياسة: أنظمة التقسيم والبناء التمييزية والتي تجبر الفلسطينيين في المنطقة (ج) على البناء من دون تصاريح (إذ يكاد يستحيل الحصول عليها بسبب سياسات إسرائيل التمييزية)، ما يؤدي تبعًا لذلك إلى هدم السلطات الإسرائيلية منازلهم بشكلٍ متكرّر؛ وسياسات الاستيلاء على الأراضي بدعمٍ من الجهاز القضائي؛ والحرمان المتعمّد من الخدمات مثل خطوط الكهرباء والمياه والصرف الصحي، ومن الوصول إلى المدارس ومراكز الرعاية الصحية. وتتفاقم هذه الأنماط بفعل مضايقات وهجمات المستوطنين وقوات الأمن الإسرائيلية، في ظل إفلاتٍ شبه تام من العقاب.

وأثبتت منظمة العفو الدولية أن هذه السياسات والأفعال تشكّل جريمة ضد الإنسانية تتمثل في الإبعاد أو النقل القسري للسكان، في انتهاكٍ للقانون الدولي، على النحو المنصوص عليه في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما خلصت إلى أن سياسات الإبعاد أو النقل غير المشروعين المنتهجة في المنطقة (ج)، والتي لا تُنفذ لضرورة عسكرية أو لحماية سكان الأرض المحتلة، تشكل جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي.

تصاعد اضطهاد الفلسطينيين

منذ تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2022، كثّفت حملتها القمعية بحقّ الفلسطينيين، وازدادت سياساتها وممارساتها عدوانية على نحوٍ خاص في أعقاب الهجمات التي قادتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. في ذلك اليوم، شنّت حماس وغيرها من الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات استهدفت مواقع مدنية وعسكرية جنوب إسرائيل وقتلت نحو 1,200 شخص معظمهم من المدنيين، واقتادت 251 آخرين قسرًا إلى قطاع غزة حيث احتُجزوا كرهائن وتعرضوا لانتهاكات. وخلصت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر عام 2025 إلى أن هذه الأفعال تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.[25]

الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة

وردًا على هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 التي شنّتها حماس وغيرها من الجماعات الفلسطينية المسلحة، شنّت إسرائيل هجومًا عسكريًا على قطاع غزة المحتل بلغ مستوىً لا نظير له من حيث جسامته ونطاقه ومدته مقارنةً بأي عدوان سابق شنّته على هذا الشريط الساحلي الصغير. وألحقت إسرائيل بالسكان المدنيين مستوياتٍ كارثية من الدمار والتهجير القسري والتجويع، وذلك بارتكاب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.[26] وحتى نهاية أبريل/نيسان 2026، سجّلت وزارة الصحة التابعة لقطاع غزة ما لا يقل عن 72,599 قتيلًا و172,411 مصابًا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.[27] وتشمل هذه الأرقام 818 شخصًا قُتلوا و2,301 آخرين أُصيبوا منذ إعلان وقف إطلاق النار المزعوم في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.[28]

ورغم تراجع حدّة الهجمات الإسرائيلية منذ ذلك الحين، واصلت إسرائيل شنّ الغارات الجوية وإطلاق النار والقصف المدفعي بشكلٍ يومي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أجرت منظمة العفو الدولية تحليلًا وقائعيًا وقانونيًا، ووجدت أن السلطات الإسرائيلية لا تزال ترتكب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة المحتل، بالرغم من وقف إطلاق النار المزعوم، وذلك عبر مواصلة إخضاعهم عمدًا لظروف معيشية يُراد بها تدميرهم المادي، بدون أن تُبدي أي مؤشر على تغيير قصدها.[29]

وبينما انصبّ الانتباه العالمي على الفظائع التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، كثّفت إسرائيل من سياساتها وممارساتها التعسّفية بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.

عمليات القتل غير المشروع، والانتهاكات أثناء الاعتقال، والتهجير القسري في الضفة الغربية

في الفترة ما بين 1 يناير/كانون الثاني 2023 و30 أبريل/نيسان 2026، قتلت القوات الإسرائيلية، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، 1,231 رجلًا وامرأةً وطفلًا فلسطينيًا في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.[30] وقُتل معظمهم بالذخيرة الحية، ووقعت معظم الهجمات بعد الهجمات التي قادتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث كثّف كبار المسؤولين الإسرائيليين والشخصيات العامة الإسرائيلية تحريضهم على العنف ضد الفلسطينيين وأدلوا بتصريحات تدعو إلى ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة وتبرّرها.[31] وبالفعل، أفاد مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأنه في الفترة بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و17 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قُتل 1,001 فلسطيني في الضفة الغربية، بما في ذلك في القدس الشرقية، ويشكل هذا الرقم ما نسبته 43% من الفلسطينيين الذين قتلوا في المنطقة نفسها منذ 2005.[32] وقُتل كثيرون، من بينهم أطفال، في ظروفٍ تشير إلى استخدام القوات الإسرائيلية الممنهج للقوة المميتة غير المشروعة، بينما كانوا “عُزلًا ولم يشاركوا في أي أعمال عنف”؛ ولا يشكّلون أي تهديد؛[33] أو قُتلوا في سياق الاحتجاجات وعمليات الاعتقال.[34] وأثارت ما لا يقل عن 331 حالة “مخاوف جدية من وقوع عمليات إعدام خارج نطاق القضاء”.35

وفي الوقت ذاته، في الفترة بين يناير/كانون الثاني 2023 وأبريل/نيسان 2026، قتل الفلسطينيون 66 رجلًا وامرأة وطفلًا إسرائيليًا في الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية، كان 42 منهم من المدنيين.[35] ووقعت معظم عمليات القتل في هجمات فردية نفّذها فلسطينيون داخل المستوطنات أو خارجها، أو على حواجز تفتيش. وأعلن الجناحان العسكريان لحركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني مسؤوليتهما عن بعض هذه الهجمات المميتة وأشادا مرارًا بمنفذيها. وأفادت القيادة الوسطى في الجيش الإسرائيلي بانخفاض الهجمات الفلسطينية العنيفة بنسبة 78%، وانخفاض الهجمات التي استُخدمت فيها الأسلحة النارية بنسبة 86% في عام 2025 مقارنةً بعام 2024.[36]

وفي السياق نفسه، أحكمت السلطات الإسرائيلية القيود المشدّدة أصلًا المفروضة على التنقل، وزادت استخدامها للاعتقال الإداري والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة بحق آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، ومنعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى أماكن الاعتقال.[37]

وكثّفت السلطات الإسرائيلية أيضًا الممارسات والسياسات غير المشروعة التي تُفضي إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا في الضفة الغربية المحتلة.

ووفقًا لبياناتٍ سجّلها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، هُجّر حوالي 14,890 فلسطينيًا قسرًا في شتى أنحاء المنطقة (ج) والقدس الشرقية بين يناير/كانون الثاني 2023 ونهاية مارس/آذار 2026، بسبب عمليات الهدم والقيود المفروضة على الوصول إلى المراعي وتصاعد عنف المستوطنين.[38]

وفي أجزاءٍ أخرى من الضفة الغربية، كان التهجير القسري ناجمًا بشكلٍ أساسي عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، حيث هُجّر أكثر من 33,000 فلسطيني في عام 2025 بسبب العمليات العسكرية في مخيمات جنين ونور شمس وطولكرم للاجئين.[39] ثم حظر الجيش الإسرائيلي الوصول للمخيمات،[40] وحرم السكان المهجّرين من حق العودة إلى منازلهم حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية، ما تسبّب في أطول موجة تهجير قسري في الضفة الغربية وأشدّها منذ حرب عام 1967.[41]

جرافة وسط الأنقاض في منطقة سكنية
جرافة إسرائيلية تدمّر شارعًا خلال عملية عسكرية في مخيمٍ للاجئين الفلسطينيين في طولكرم في الضفة الغربية المحتلة، 19 فبراير/شباط 2025.

وفي القدس الشرقية، كثّفت السلطات الإسرائيلية التوسع الاستيطاني وأعمال بناء المستوطنات، ونفذّت مستويات قياسية من عمليات هدم المنازل والإخلاء القسري، وعمّقت الفصل بين الفلسطينيين في القدس الشرقية وسائر الضفة الغربية، وسط قمع متنامٍ لحقوق السكان المدنية والسياسية. وفي الفترة ما بين 1 يناير/كانون الثاني 2023 و30 أبريل/نيسان 2026، هدمت السلطات الإسرائيلية 805 منشآت فلسطينية، شملت منازل ومحال تجارية وغيرها من المنشآت، ما أسفر عن تهجير ما لا يقل عن 2,040 شخصًا بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.[42] وكانت عمليات الهدم هذه نتيجة مباشرة لسياسات التخطيط الإسرائيلية التمييزية على نطاقٍ واسع، والتي تحرم الفلسطينيين بشكلٍ ممنهج من الحصول على تصاريح بناء. وكان حي سلوان أكثر الأحياء استهدافًا بعمليات الإخلاء القسري والهدم، حيث أجبرت 28 عائلة فلسطينية على إخلاء أحد أحيائه، وهو بطن الهوى، في الفترة ما بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومارس/آذار 2026.[43]

وعلاوةً على ذلك، دُفع قدمًا بمخططين كبيرين لبناء مستوطنات جديدة: مخطط عطروت الذي يتصور بناء 9,000 وحدة سكنية لليهود المتشددين دينيًا (الحريديم) في مستوطنة تقع بين رام الله والقدس الشرقية، ومخطط الشيخ جراح الرامي إلى هدم حي أم هارون وبناء مستوطنة إسرائيلية على أنقاضه.[44]

احتلال غير مشروع

في يوليو/تموز 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية فتوى استشارية تاريخية أعلنت فيها عن عدم شرعية احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية، واعتبرت المحكمة أن القوانين والسياسات التمييزية التي تنتهجها إسرائيل ضد الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة تشكل انتهاكًا للحظر المفروض على الفصل العرقي والأبارتهايد.45 وأفادت الفتوى الاستشارية بأن إسرائيل ملزمة بإنهاء وجودها غير المشروع في الأرض الفلسطينية المحتلة، وبالوقف الفوري لجميع الأنشطة الاستيطانية الجديدة، وبإخلاء جميع المستوطنين، وبجبر الضرر الناجم عن أفعالها.

كما وجدت المحكمة أن جميع الدول ملزمة بعدم الاعتراف بالوضع الناجم عن الوجود غير المشروع لإسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة على أنه وضع قانوني، كما أنها ملزمة بعدم تقديم العون أو المساعدة في الحفاظ على الوضع غير القانوني الناجم عن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة.[46]

فوفقًا للقانون الدولي الإنساني، فإن احتلال أراضٍ أثناء النزاع يُفترض أن يكون مؤقتًا. ويتعين على سلطة الاحتلال أن تدير الأرض لصالح السكان المحليين أبناء الأرض المحتلة وأن تحافظ قدر الإمكان على الوضع السابق للاحتلال، بما في ذلك عن طريق احترام القوانين القائمة والامتناع عن إدخال تغييرات ديموغرافية والتلاعب بالوحدة الترابية للأرض المحتلة‎.

لم يتماشَ الاحتلال الإسرائيلي مع هذه المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني. ذلك أن طول أمد الاحتلال الإسرائيلي، الممتد لأكثر من نصف قرن، المقترن بضم السلطات الرسمي غير القانوني للقدس الشرقية المحتلة والضم الفعلي لمساحات شاسعة من الضفة الغربية من خلال مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات، كلها تشكل دليلًا واضحًا على أن نية إسرائيل هي جعل الاحتلال دائمًا ولصالح سلطة الاحتلال ومواطنيها‎.

ولا يزال قطاع غزة محتلًا حتى بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منه وإخلاء المستوطنين في 2005، حيث تحتفظ إسرائيل بالسيطرة الفعلية على القطاع وسكانه، بما في ذلك من خلال السيطرة على حدوده ومياهه الإقليمية ومجاله الجوي والسجل السكاني لمواطنيه. ومنذ عام 2007، فرضت إسرائيل حصارًا غير قانوني قيّد بشدة حركة الأشخاص والبضائع من وإلى القطاع ودمّر اقتصاده. وفي الوقت ذاته، قتلت الهجمات العسكرية الإسرائيلية الكبرى على القطاع آلاف المدنيين وأصابتهم، ودمّرت معظم المنازل والبنى التحتية فيه. ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أحكمت إسرائيل سيطرتها الفعلية على القطاع، وذلك بتوسيع “المناطق العازلة” وفرض سيطرتها العملياتية على 55% من مساحته.[47]

وفي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية المحتلة، يواجه الفلسطينيون بانتظام الاستخدام المفرط للقوة وعمليات القتل غير المشروع والاعتقال التعسفي والاعتقال الإداري والتهجير القسري وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والموارد الطبيعية والحرمان من الحقوق والحريات الأساسية. وقد قيّد نظام الإغلاق الإسرائيلي متعدد الطبقات، المعزّز بأنظمة المراقبة الجماعية والحواجز المادية، بما في ذلك السياج/الجدار غير القانوني، ومئات الحواجز ونقاط التفتيش، ونظام التصاريح التعسفي، من حرية تنقل الفلسطينيين، وكرّس حرمانهم من حقوقهم‎.

ضمّ الأرض وإزالة الوجود الفلسطيني

منذ احتلالها الأرض الفلسطينية عام 1967، دأبت إسرائيل على تنفيذ سياسات ترمي إلى فرض السيطرة على الضفة الغربية وإدامتها، وذلك لتسهيل الاستيلاء على الأراضي وطرد الفلسطينيين منها.

وبعد تأسيسها عام 1948، كانت إسرائيل قد استحدثت معظم الأدوات والبنية التحتية القانونية اللازمة للاستيلاء على الأراضي، والتي استُخدمت لتجريد الفلسطينيين الذين فرّوا بسبب النزاع من ممتلكاتهم، وكذلك الفلسطينيين الذين بقوا وحملوا الجنسية الإسرائيلية. وعلى مدار العقود اللاحقة، اعتمدت إسرائيل على البنية التحتية القانونية ذاتها للاستحواذ على الأراضي الفلسطينية في الأرض الفلسطينية المحتلة.[48]  

وعلى اختلاف توجّهاتها السياسية، وبدرجاتٍ متفاوتة من الحدة، دفعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قدمًا بخطط ترمي إلى ضم أجزاء من الأرض الفلسطينية المحتلة، بما يسمح ببسط السلطة الحكومية الإسرائيلية على أكبر مساحة ممكنة من الأرض مع حصر الفلسطينيين في جيوب مكتظة بالسكان، بهدف تقليص وجودهم، وبما ينسجم مع سياسة إسرائيل التهويدية التي تعود جذورها إلى إنشاء دولة إسرائيل عام 1948.[49]

بدأ مشروع الضمّ الإسرائيلي بالقدس الشرقية المحتلة، ثم امتدّ إلى أجزاءٍ أخرى من الضفة الغربية، مع التركيز أساسًا على المنطقة (ج). وفور انتهاء حرب عام 1967، ضمّت إسرائيل القدس الشرقية بصورة غير قانونية وأخضعتها للقوانين المدنية الإسرائيلية، كما أُلحقتها وما مساحته 64 كم2 من القرى الفلسطينية المحيطة بها بحدود البلدية الإسرائيلية في القدس.[50] وقد ترسّخ هذا الضمّ عام 1980 بموجب قانون أساس.[51]

وفي سائر أنحاء الضفة الغربية، ضمّت إسرائيل على مدى سنوات مساحات شاسعة من الأرض بحكم الأمر الواقع، من خلال إقامة المستوطنات وتوسيعها، وإنشاء مناطق عسكرية ومحميات طبيعية، وغير ذلك من الإجراءات. وقد تجذّرت هذه السياسات في رفض إسرائيل الراسخ تطبيق القانون الدولي الإنساني في الأرض الفلسطينية المحتلة، وفي زعمها أن الأرض محل نزاع.[52] ومع ذلك، أرجأت الضمّ الرسمي والقانوني للضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية) سواء جزئيًا أو كليًا بسبب الضغط الدولي والانقسامات السياسية الداخلية، فضلًا عن المخاوف الأمنية والاعتبارات الديموغرافية.

سيارات تمرّ بمحاذاة أعلام إسرائيلية على طول الطريق
أعلام إسرائيلية مرفوعة بمحاذاة إحدى الطرق الرئيسية في الضفة الغربية المحتلة، بينما تمر مركبات تحمل لوحات تسجيل فلسطينية، 28 أغسطس/آب 2025.

مثّل تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين في ديسمبر/كانون الأول 2022 تحولًا كبيرًا في سرعة إجراءات الضمّ الرسمية ونطاقها.

وكانت الحكومة السابقة، بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد بين عامي 2021 و2022، قد كثّفت سياساتها الرامية إلى إعادة تشكيل ديموغرافية الضفة الغربية، بما يضمن الهيمنة اليهودية وتجريد الفلسطينيين من أراضيهم. ومع ذلك، ظلّت، في خطابها على الأقل، ملتزمة بالوضع الراهن.

لكن الحكومة التي شُكّلت بقيادة بنيامين نتنياهو، وإيتمار بن غفير، وبتسلئيل سموتريتش، جعلت من توسيع الضمّ الرسمي بموجب القانون الإسرائيلي لمناطق أخرى في الضفة الغربية المحتلة علاوةً على القدس الشرقية، هدفًا سياسيًا معلنًا.

وتبنّت الحكومة علنًا رؤية الحركة الاستيطانية لـ”إسرائيل الكبرى”، التي تعتبر الضفة الغربية جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل،[53] بدعوى حقوق دينية وتاريخية.[54]

كما كثّفت من انتهاج سياسات التهويد، وسرّعت من عمليات الاستيلاء على الأراضي، ولا سيّما عبر إعلانها أراضٍ تابعة للدولة، والتي وصلت إلى مستويات لا نظير لها منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، وأشرفت على زيادة حادة في التوسع الاستيطاني،[55] وزادت من دعمها المالي واللوجستي للمستوطنات، وحرّضت فعليًا ومكّنت حملة عنف المستوطنين الوحشية لتهجير الفلسطينيين قسرًا من المنطقة (ج).[56] كما كرّست نظام الإفلات من العقاب القائم منذ أمد طويل، الذي يتمتع به المستوطنون الذين يرتكبون جرائم بحق الفلسطينيين، وحوّلته إلى سياسة دولة.[57] وترمي جميع هذه الإجراءات إلى تغيير التكوين الديموغرافي للضفة الغربية لصالح الاستيلاء على المزيد من الأراضي.

حظر الضمّ بموجب القانون الدولي

الضمّ هو فعل أحادي الجانب تعلن فيه الدولة فرض سيادتها على أرض تابعة لدولة أخرى، بقصد بسط سيطرة دائمة عليها.[58] وينطوي بالغالب على الاستيلاء على الأرض باستخدام القوة أو بالتهديد باستخدامها، ويشكّل انتهاكًا سافرًا للقانون الدولي.[59] ويتعارض ضم أرض محتلة سواء بشكلٍ جزئي أو كلي مع الطبيعة المؤقتة للاحتلال[60] ولا يترتب عليه أي أثر قانوني بموجب القانون الدولي.[61] وبالتالي، لا يؤثر على الحقوق وأوجه الحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني “للأشخاص المحميين” في الأرض المحتلة.[62]

وفي الفتوى الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024 حول شرعية احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية، أدرجت المحكمة عدة سياسات وممارسات إسرائيلية في القدس الشرقية المحتلة والمنطقة (ج) في الضفة الغربية “ترقى إلى ضمّ أجزاء كبيرة” من الأرض الفلسطينية المحتلة، لأنها صُمّمت لكي “تبقى قائمة إلى أجلٍ غير مسمّى ولتحدث آثارًا لا رجعة فيها على الأرض” وترمي إلى بسط مزاعم إسرائيل بالسيادة. وتشمل، في جملة سياسات وممارسات أخرى، أعمال بناء وتوسيع المستوطنات وما يتصل بها من بنىً تحتية؛ واستغلال الموارد الطبيعية؛ والتطبيق واسع النطاق للقانون الإسرائيلي المحلي في الضفة الغربية.[63] واعتبرت المحكمة أن سياسات وممارسات غير مشروعة أخرى مثل نقل إسرائيل مواطنيها إلى المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، غيّرت أيضًا من “الطابع المادي للأرض، وصفتها القانونية، وتكوينها الديموغرافي، ووحدتها الترابية”.[64]

اتفاقيات الحكومة السابعة والثلاثين: تبنّي رؤية الحركة الاستيطانية

في 29 ديسمبر/كانون الأول 2022، وقّع حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو اتفاقيات ائتلاف حكومي مع حزبي القوة اليهودية والصهيونية الدينية.[65] ولا تقتصر هذه الاتفاقيات على دمج أولويات المستوطنين في سياسة الدولة، بل توجّه أيضًا مزيدًا من الموارد نحو المشروع الاستيطاني بمستوىً يفوق ما شهدته الحكومات السابقة، في تسارعٍ نحو تحقيق رؤية الحركة الاستيطانية.

وقد عُبّر عن ذلك بوضوح في المبادئ التوجيهية التي تبنّتها الحكومة في اليوم ذاته، والتي تؤكد أن الضفة الغربية، والمُشار إليها باسم “يهودا والسامرة”، جزء لا يتجزأ من “أرض إسرائيل” وأن الحكومة ستعمل على “تعزيز المستوطنات وتطويرها”.

وبالاعتراف “بحق الشعب اليهودي الحصري الذي لا جدال فيه بجميع مناطق أرض إسرائيل”، تزيد المبادئ التوجيهية بذلك[66] من ترسيخ الهيمنة اليهودية الإسرائيلية على الفلسطينيين.[67]

ويضع الاتفاق الائتلافي ما بين حزبي الليكود والصهيونية الدينية[68] استراتيجية شاملة لتوسيع المستوطنات الإسرائيلية وترسيخها في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية. وتقوم هذه الرؤية في جوهرها على تكثيف وتسريع عملية الضمّ الرسمي بموجب القانون الإسرائيلي، وإضفاء الصفة القانونية على البؤر الاستيطانية غير المرخصة، وإنشاء هيئة حكومية جديدة باسم وحدة إدارة الاستيطان[69] تابعة لوزارة الدفاع، لإضفاء الطابع المؤسسي على تقديم الخدمات للمستوطنات وتبسيط آلياتها.

كما تدعو الاتفاقية إلى التراجع عن سياسات فك الارتباط السابقة التي أدّت إلى إخلاء أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية عام 2005،[70] بما يشير إلى وجود نية واضحة لإعادة الوجود الإسرائيلي وتعزيزه في مناطق أُخرج منها المستوطنون. ورغم أن لغة الاتفاقيات تُلمّح أحيانًا إلى تحسين ظروف التجمّعات الفلسطينية واليهودية على حدٍ سواء، فإن التدابير المعتمدة عمليًا تمنح مصالح المستوطنين أولوية طاغية، بما في ذلك تطوير البنية التحتية، وتقديم الحوافز المالية، وإقرار أنظمة استخدام الأراضي ترمي إلى تقييد وصول الفلسطينيين والحدّ من توسعهم.

وتركّز اتفاقية حزب الليكود مع حزب القوة اليهودية[71] على الأمن وتطوير البنية التحتية مثل الطرقات ومطالبات السيادة، باعتبارها أدوات لتعزيز السيطرة على أجزاء من الضفة الغربية. كما تتضمن بنودًا تقضي بتعديل قانون فك الارتباط، بما يسمح للمستوطنين بدخول منطقة في شمال الضفة الغربية والبقاء فيها بعدما كانوا قد أُخلوا منها في عام 2005، وإضفاء الصفة القانونية على البؤر الاستيطانية القائمة منذ فترة طويلة، ودعم مبادرات المستوطنين الزراعية ماديًا وسياسيًا، وتطبيق استراتيجيات زراعية مثل زراعة أشجار الزيتون في المنطقة (ج)، لمنع الفلسطينيين من استخدام الأرض.

كما تقترح الاتفاقية، على نحوٍ لافت، توسيع نطاق تعديل أُدخل عام 2008 على قانون العقوبات[72] والمعروف باسم “قانون درومي”[73] والذي يحمي الأفراد الذين يستخدمون الأسلحة النارية ضد المتسللين من الملاحقة الجنائية، ليشمل مراكز الشرطة والقواعد العسكرية وغيرها من المناطق العسكرية في المنطقة (ج)، ما يجيز فعليًا استخدام القوة المميتة ضد الفلسطينيين في المناطق التي يعلنها الجيش الإسرائيلي محظورة.

في ديسمبر/كانون الأول 2022، وكجزء من هذه الاتفاقية، عيّن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو زعيم حزب القوة اليهودية إيتمار بن غفير، وزيرًا للأمن القومي، ما يمنحه صلاحيات على شرطة حرس الحدود الإسرائيلية التي تعمل في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية.

وعُين بتسلئيل سموتريتش وزيرًا للمالية، وهو زعيم حزب الصهيونية الدينية، وأحد مؤسسي منظمة ريغافيم الاستيطانية التي تسعى علنًا إلى طرد الفلسطينيين من المنطقة (ج) بالضغط على السلطات الإسرائيلية لهدم المنازل الفلسطينية.[74] كما مُنح منصبًا إضافيًا استُحدث خصيصًا له تحت مسمى “وزير في وزارة الدفاع”، وكُلّف بالإشراف على وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق (COGAT) [75] والإدارة المدنية.[76]

والوزيران كلاهما من المستوطنين أيضًا، ولهما سجل راسخ وطويل في الدعوة العلنية إلى توسيع المستوطنات وضم الأراضي الفلسطينية وبسط السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة.[77]

ولم يعد الاثنان يقتصران على أدوار هامشية في المشهد السياسي، حيث مُنحا بموجب هاتين الحقيبتين الجديدتين صلاحيات لصنع القرار تتيح لهما الدفع بأجندة الحركة الاستيطانية قدمًا بموجب هذه الاتفاقيات السياسية، وترجمتها إلى سياسة رسمية؛ واتخاذ خطوات لإضفاء الصفة الرسمية على الضمّ، وتوسيع المستوطنات، وتكثيف التغييرات الديموغرافية والإقليمية على أرض الضفة الغربية المحتلة، بما يتماشى مع سياسات التهويد، وفي انتهاكٍ للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني السارية على حالات الاحتلال العسكري.

مسؤولون يدعون إلى الضمّ وضمان الأغلبية اليهودية

تعكس التصريحات الصادرة عن المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية منذ يناير/كانون الثاني 2023 توجّهًا منسقًا واندفاعًا سافرًا نحو ضم المزيد من المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، بالتوازي مع السعي إلى فرض هيمنة ديموغرافية يهودية.

وقد حلّلت منظمة العفو الدولية أدناه أمثلة على تلك التصريحات الصادرة عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، ووزيرة الاستيطان والمهام الوطنية أوريت ستروك، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، وغيرهم.

وتدعو هذه التصريحات صراحةً إلى توسيع المستوطنات، وإضفاء الصفة القانونية على البؤر الاستيطانية غير المرخصة، وتوفير الدعم المالي للمستوطنين، وتشديد رصد أعمال البناء الفلسطينية “غير المرخصة” ومراقبتها، وإحداث تغييرات ديموغرافية في الضفة الغربية، والسعي إلى توسيع نطاق السيادة الإسرائيلية على الأرض المحتلة.

وتؤكد هذه التصريحات مجتمعةً نية إسرائيل ضم أراضٍ فلسطينية في المنطقة (ج) بشكلٍ رسمي، مع إدماج المستوطنات اليهودية، وزيادة الكثافة السكانية الإسرائيلية اليهودية في الضفة الغربية، وتقليص الوجود الفلسطيني. وتؤطر اللغة التي يستخدمها صانعو القرار هذه الأفعال باعتبارها ضرورات أيديولوجية وأمنية، وغالبًا ما تستحضر مزاعم دينية وتاريخية لتبرير سياسات تنتهك القانون الدولي.

وبالفعل في فبراير/شباط 2023، تعهّد كل من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بعدم تجميد أعمال بناء المستوطنات وتوسيعها في أي مرحلة.[78] وفي الشهر نفسه، قالت وزيرة الاستيطان والمهام الوطنية أوريت ستروك، وهي مستوطِنة وعضوة في حزب الصهيونية الدينية، إن الحكومة ستقدم الدعم للإسرائيليين الذين يقيمون بؤرًا استيطانية: “عندما تبعث الحكومة المستوطنين للاستيطان في الأرض، ويتشبثون بها في ظروفٍ لا تليق بدولة إسرائيل، يجب على الحكومة أن تدعمهم”.[79] كما أعلنت الوزيرة أن الحكومة ستضاعف الميزانيات المخصصة للمجالس الإقليمية للمستوطنات من أجل مراقبة أعمال البناء الفلسطينية في المنطقة (ج). ووصفت ذلك باعتباره جزءًا من “المعركة على المنطقة (ج)” وذلك “لحماية” إسرائيل “من استحواذ عدائي”.[80]

ويعكس ذلك سياسة راسخة منذ أمد طويل تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني والترابط الجغرافي الفلسطيني في المنطقة، من خلال منع البناء بأي طريقة ممكنة، بما في ذلك سياسات التخطيط والبناء التمييزية، والمراقبة وإنفاذ أوامر الهدم بحق الممتلكات الفلسطينية المُشيّدة من دون تصاريح. وفي ظلّ نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، يكاد يكون الحصول على هذه التصاريح مستحيلًا، ما يجعل معظم المنشآت الفلسطينية عرضةً للهدم. وفي هذا السياق، غالبًا ما يعقب توسيع نطاق رصد أعمال البناء الفلسطينية في المنطقة (ج) ومراقبتها، بما في ذلك من خلال تسيير طائرات مسيرة فوق القرى الفلسطينية ونشر دوريات يقودها المستوطنون، تقديمُ التماسات للمحاكم والضغط على الإدارة المدنية لإصدار أوامر الهدم أو إنفاذها. ومن خلال استغلال نظام إنفاذ تمييزي من الدرجة الأولى، يشير تكثيف الرصد والمراقبة والضغط القانوني إلى وجود نية لزيادة عمليات الهدم للمنشآت الفلسطينية، كطريقة لإكراه الفلسطينيين على الرحيل وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

أشخاص يجلسون على صخور وينظرون نحو حفّارتين تهدمان منشأة
فلسطينيون يشاهدون قوات الأمن الإسرائيلية وهم يقفون للحراسة بينما تهدم حفّارات منزلًا فلسطينيًا في قرية الديرات في مسافر يطّا، في الضفة الغربية المحتلة، بتاريخ 4 مايو/أيار 2026.

شجّع انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 عددًا من المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية على الإشارة إلى أنهم سيدفعون باتجاه الضمّ الرسمي للضفة الغربية في 2025.[81] وبعد ذلك بوقتٍ قصير، صرّح بتسلئيل سموتريتش بأن عام 2025 سيكون “عام السيادة في يهودا والسامرة،”[82] فيما أقرّ وزير الزراعة آفي ديختر بأن انتخاب دونالد ترامب أتاح اللحظة المناسبة “لفرض السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة”.[83] وقال وزير الطاقة والبنية التحتية إيلي كوهين إن إسرائيل كانت بالفعل “تمهّد الطريق للضمّ”.[84]

في مايو/أيار 2025، زار وزير الدفاع يسرائيل كاتس سانور، وهي منطقة في شمال الضفة الغربية كانت تضم مستوطنة فُكّكت عام 2005 في إطار خطة فك الارتباط أحادي الجانب في قطاع غزة.[85] وجاءت الزيارة عقب قرار المجلس الوزاري المصادقة على بناء 22 مستوطنة جديدة، من بينها إعادة بناء سانور، التي خدم فيها يسرائيل كاتس كجندي مظلي وعارض إخلاءها في 2005. [86] كما تحدّى التهديدات بفرض عقوبات دولية قائلًا: “هذه رسالة واضحة إلى [الرئيس الفرنسي إيمانويل] ماكرون وأصدقائه، سيعترفون بدولة فلسطينية على الورق، أما نحن فسنبني الدولة الإسرائيلية اليهودية هنا على الأرض،” مؤكدًا أن الحكومة ستواصل بناء دولة إسرائيلية في المنطقة (ج).  

وفي أغسطس/آب 2025، حضر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حفلًا نظمه مجلس بنيامين الإقليمي احتفالًا بإنشاء 17 مستوطنة جديدة ضمن نطاق المجلس، في وسط الضفة الغربية، والذي كان يضم حينها 36 مستوطنة أصلًا.[87] وصرّح بأن الحكومة “تبني وتتمسك بأجزاءٍ من الوطن،” في إشارة إلى نية الاحتفاظ بسيطرة دائمة على أجزاء من الضفة الغربية.[88] بعد ذلك بأسبوعين، وفي مراسم للاحتفال بالمصادقة على خطة بناء 3,401 وحدة سكنية في مستوطنة معاليه أدوميم كجزءٍ من مشروع (E1) في الضفة الغربية المحتلة بالقرب من القدس الشرقية، أضاف بنيامين نتنياهو قائلًا: “معاليه أدوميم جزء لا يتجزأ من وطننا، وسيكون هناك المزيد من أمثال معاليه أدوميم في وطننا”.[89]

وفي سبتمبر/أيلول 2025، حضر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير “مؤتمر السيادة” الذي نظمته شبكة أخبار إسرائيل الوطنية (عروتس شيفع)، ومجلس شومرون الإقليمي في مستوطنة في شمال الضفة الغربية. وفي مقابلة أجراها مع القناة الإعلامية، أوضح بلا مواربة أجندته السياسية الرامية إلى إضفاء الصفة الرسمية على الضمّ، أي بعبارةٍ أخرى، فرض السيادة الإسرائيلية رسميًا على الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية، والعمل على دفع الفلسطينيين إلى مغادرة الأرض:

“نحن بحاجة إلى فرض السيادة… نحن حكومة يمينية، وقد انتُخبنا من بين أمور أخرى، من أجل ذلك… نحن بحاجة إلى فرض السيادة…لأن هذا وطننا، ولأن هذه أرضنا، ولأن علينا أنا نقول للعالم بأسره: ’هذه لنا إلى أبد الآبدين‘. أمام هذه الحكومة عام واحد، وحان الوقت الآن. السيادة، وكذلك تشجيع الهجرة الطوعية [للفلسطينيين]، وهو ما علينا أن نفعله في يهودا والسامرة أيضًا… إذا غيرنا المفهوم وفهمنا أن هذه دولتنا وأرضنا، فسيصبح كل شيء أبسط. فعلنا ذلك في السجون، وعند إنشاء فرق الاستجابة للطوارئ، وهدم المنازل في النقب، وتأسيس الحرس الوطني، وتعديل قوانين السلاح، والآن أريد من نتنياهو أن يفعل الشيء نفسه بشأن فرض السيادة وتشجيع الهجرة”.[90]

وكذلك في سبتمبر/أيلول 2025، كشف وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش عن خطط لضم 82% من الضفة الغربية بهدف منع إقامة دولة فلسطينية ولتعزيز الهيمنة الديموغرافية اليهودية.[91] وفي مقطع فيديو نشره مراسل في القناة 14 الإسرائيلية حضر الفعالية، قال سموتريتش إنه يرفض “السيادة الجزئية” ويدعو إلى “فرض السيادة [الإسرائيلية] على كل الأرض [في الضفة الغربية التي تُبنى عليها الكتل الاستيطانية الإسرائيلية]، باستثناء التجمّعات السكانية العربية،” بما يتماشى مع سياسة إسرائيل الراسخة المتمثلة في تحقيق الهيمنة اليهودية الديموغرافية والحفاظ عليها في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وتداولت وسائل الإعلام خريطة رسمية تحمل شعار إدارة الاستيطان، وتتضمن التعهد: “أراضٍ أكثر، عرب أقل”.[92] وقبل ذلك بعام كان قد تعهّد علنًا بـ”إحضار مليون مستوطن” إلى الضفة الغربية ردًا على جهود دولة فلسطين لتعزيز الاعتراف الدولي بها.[93]

قد تكون بعض هذه التصريحات قد أُدلي بها لزيادة الشعبية، أو كسب أصوات سياسية، أو استرضاء القاعدة السياسية لأحزاب الائتلاف. ويعكس بعضها الآخر بعض الاختلافات بين أحزاب الائتلاف. غير أن الثابت فيها هو التوجه العام نحو الضمّ، والذي تُرجم إلى حدٍ كبير في قرارات المجلس الوزاري والإجراءات الملموسة على الأرض.

ولا ينفي وجود دوافع أخرى وراء توقيت بعض هذه التصريحات أو نبرتها ما تنطوي عليه من النية الرامية إلى الضمّ. بل أُدلي ببعض التصريحات أثناء فعاليات أقيمت للاحتفال بمستوطنات جديدة.

قوانين ومشاريع قوانين موجّهة نحو الضمّ

ما بين يناير/كانون الثاني 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، طرحت أحزاب الائتلاف وغيرها من الأحزاب القومية المتطرفة 43 مشروع قانون يهدف إلى الضمّ، شملت قوانين جديدة أو تعديلات على قوانين سابقة.[94]

تسعى المقترحات إلى توسيع نطاق تطبيق القوانين المدنية الإسرائيلية على المستوطنين في الضفة الغربية، وضم أراضٍ، وإضفاء الصفة القانونية على البؤر الاستيطانية بأثرٍ رجعي، ونقل الصلاحيات الإدارية أو إعادة هيكلة نظام الحوكمة بعيدًا عن الإطار العسكري القائم. وهي تعكس أجندة سياسية أوسع ترمي إلى ترسيخ الوجود الإسرائيلي وممارسة الصلاحيات الحكومية في الضفة الغربية المحتلة، في انتهاك مباشر للقانون الدولي، وقواعد الاحتلال العسكري، لا سيما فيما يخص طبيعته المؤقتة.

ويسعى أربعة وعشرون مشروع قانون صراحةً إلى إضفاء الطابع القانوني على ضم أجزاء من الضفة الغربية بموجب القانون الإسرائيلي، من خلال توسيع نطاق القانون المدني الإسرائيلي والولاية القضائية الإسرائيلية ليشملا “الكتل” الاستيطانية أو الضفة الغربية بأكملها. وتشمل هذه الكتل مركز بنيامين[95] و”قلب السامرة”[96] و”غرب السامرة”[97] و”موديعين”[98] والخليل الكبرى[99] ومعاليه أدوميم[100] وأريئيل،[101] إلى جانب البؤر الاستيطانية المجاورة والمناطق الصناعية والتجارية والمواقع الأثرية والطرق وجميع أراضي الدولة الواقعة بينها. كما تقترح عدة مشاريع قوانين ضم أجزاء من الضفة الغربية مثل جنوب الضفة الغربية،[102] والقدس الكبرى،[103] ومنطقة الأغوار،[104] فيما يدعو أحدها إلى ضم الضفة الغربية بأكملها.[105]

وتهدف ثمانية مشاريع قوانين أخرى على الأقل إلى توسيع نطاق المطالبات الإسرائيلية بالسيادة أو ولايتها القضائية القانونية على الضفة الغربية، بدون الإشارة صراحةً إلى الضمّ. وتشمل مشروعَي قانون لتعديل قانون أنظمة الحوكمة والقانون، يقترحان تطبيق جميع تشريعات الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) تلقائيًا على الضفة الغربية من خلال الأوامر العسكرية.[106] وحاليًا، يُطبق القانونان المدني والجنائي الإسرائيليان على المستوطنين والمستوطنات في الضفة الغربية بموجب نظام طوارئ اعتُمد بعد فترة وجيزة من احتلال عام 1967، ويتعيّن على الكنيست تجديده كل خمس سنوات.[107] ويجري تطبيقه على أساس شخصي لا إقليمي، بمعنى أنه يُطبق على المستوطنين كأفراد، لا على الضفة الغربية بأكملها. وحتّى قبل تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين، كانت هناك محاولات فاشلة لتعديل التشريعات على نحوٍ يسمح بالتطبيق التلقائي للقانونين المدني والجنائي الإسرائيليين في جميع أنحاء الضفة الغربية.

وتقترح مشاريع قوانين أخرى إضفاء الصفة القانونية على جميع البؤر الاستيطانية غير المرخّصة،[108] وتغيير اسم الضفة الغربية الرسمي وإطلاق اسم “يهودا والسامرة” عليها،[109] وتصنيف مناطق في الأراضي المحتلة باعتبارها حدائق وطنية،[110] ما يمنح الوزارات الإسرائيلية صلاحيات في إدارة الأراضي. ويسعى مشروعان إضافيان[111] إلى توسيع نطاق قانون مدني بمرجعية دينية يستند على المبادئ الدينية اليهودية، ليشمل الضفة الغربية المحتلة.

وتركّز ستة مشاريع قوانين على نقل الصلاحيات الإدارية إلى مؤسسات إسرائيلية أو منحها نفوذًا سياسيًا. يقترح مشروع قانون شُعبة الاستيطان على سبيل المثال، نقل صلاحية إدارة الأراضي من الإدارة المدنية إلى شُعبة الاستيطان، المعروفة بدورها في تعزيز التوسع الاستيطاني.[112] ويفرض مشروع قانون شبكة الكهرباء ربط البؤر الاستيطانية غير المرخصة بالبنية التحتية الإسرائيلية، بما يضفي عليها شرعية فعلية.[113] أما مسودة القانون المتعلق بـ”منع سكان السلطة الوطنية الفلسطينية من السيطرة على المنطقة (ج)” فتسعى إلى ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على المنطقة (ج) عن طريق منع أعمال البناء الفلسطينية هناك.[114] ويقترح مشروع القانون حرمان أي فلسطيني يشارك في أعمال بناء غير مرخّصة أو يعيش في منزل شُيّد بدون تصريح من الحصول على تصاريح دخول إلى إسرائيل أو تصاريح عمل فيها. وبما أن الحصول على تصاريح البناء يكاد يكون مستحيلًا، سينطبق هذا البند على معظم سكان المنطقة (ج). وتقترح ثلاثة مشاريع قوانين أخرى توسيع نطاق صلاحيات سلطة الآثار الإسرائيلية، والمجالس المحلية، والمحاكم المدنية لتشمل الضفة الغربية المحتلة.[115]

في مارس/آذار 2023، أقرّ الكنيست تعديلًا ألغى أحكامًا في قانون فك الارتباط،[116] بما يسمح للمستوطنين بالعودة إلى مناطق في شمال الضفة الغربية أُخليت عام 2005.[117] وقد اتّضح الأثر المباشر لاعتماد مشروع القانون بعد شهرين فقط عندما منح مفوّض الممتلكات الحكومية والمتروكة، وهو هيئة تابعة للإدارة المدنية مكلّفة بالإشراف على أراضي الدولة، تصاريح تخطيط على أراضٍ تعود ملكيتها إلى بلدة برقة الفلسطينية بالقرب من نابلس في شمال الضفة الغربية، مجيزةً بذلك إنشاء بؤرة استيطانية في الموقع الذي كانت تقوم عليه مستوطنة حومش قبل عام 2005.[118] وفي مايو/أيار وديسمبر/كانون الأول 2025، صادق المجلس الوزاري على إنشاء 22 مستوطنة جديدة، ثم 19 مستوطنة أخرى على التوالي، أربع منها في مواقع مستوطنات أُخليت في إطار خطة فك الارتباط عام 2005، من بينها حومش.[119]

وبحلول أبريل/نيسان 2026، كان تعديل قانون فك الارتباط المقترح الحكومي الوحيد الذي سُنّ قانونًا. غير أن سيل مشاريع القوانين التي قُدّمت خلال هذه الفترة يعكس نهج الحكومة ونيتها في تسريع الضمّ الرسمي.

ولأن العمليات التشريعية غالبًا ما تطول، وتنطوي على رقابة برلمانية وتتيح مشاركة المجتمع المدني أثناء مداولات اللجان، لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى تمرير تغييرات أساسية في السياسات عبر قرارات صادرة عن المجلس الوزاري الأمني. وتشمل هذه القرارات على سبيل المثال الإعلان عن عملية تسوية ملكية الأراضي، وإقامة مستوطنات جديدة، وتدابير تتعلق بشراء الأراضي الفلسطينية.[120] ولا يُنشر من هذه القرارات سوى ملخص موجز، مع الحفاظ على سرية القضايا الرئيسية بذريعة حماية الأمن القومي، ما يثير مخاوف جدية حيال غياب الشفافية وأي شكل من أشكال الرقابة.[121]

تنفيذ رؤية الحركة الاستيطانية: تدابير حكومية جديدة باتجاه الضمّ والتوسع الاستيطاني

منذ البداية، عملت الحكومة السابعة والثلاثون بما يتّسق مع رؤية الحركة الاستيطانية، التي تسعى إلى إضفاء الصفة الرسمية على ضم الضفة الغربية وتوسيع المستوطنات لفرض الهيمنة الديموغرافية اليهودية والحفاظ عليها، على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات الائتلاف الحكومي والمنعكس في التصريحات الرسمية.

وسرعان ما تحرّكت الحكومة نحو تنفيذ هذه الأجندة وكثّفت بحدة من عمليات الضمّ من خلال إعادة هيكلة أطر إدارية وقانونية رئيسية لإنشاء وحدة إدارة الاستيطان، ونقل السلطة إلى مسؤولين متوافقين أيديولوجيًا مع رؤية الحركة الاستيطانية، ما جعل تسجيل الفلسطينيين لأراضيهم مهمة شبه مستحيلة، وزيادة تمويل المستوطنات والبؤر الاستيطانية على نحوٍ هائل، وإزالة الضوابط على تخطيط المستوطنات المعمول بها منذ مدة طويلة، وإنهاء تفكيك البؤر الاستيطانية عمليًا.

شكّلت جميع هذه الخطوات مجتمعة تسريعًا كبيرًا لعملية ضم إسرائيل الفعلي للضفة الغربية المحتلة في انتهاكٍ للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني، الذي يُلزم قوة الاحتلال باحترام القوانين القائمة، ما لم تُمنع من ذلك منعًا مطلقًا.[122]

حصر الصلاحيات في يد وحدة إدارة الاستيطان التي تكرّس جهودها لعملية الضمّ

منذ عام 1981، كانت الإدارة المدنية، وهي وحدة عسكرية تابعة لوحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، تتولى الإشراف على جميع الشؤون المدنية الخاصة بالمستوطنين اليهود والفلسطينيين في الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية المحتلة).[123] وتتمتع الإدارة المدنية التي أُنشئت بهدف الفصل بين العمليات المدنية والأمنية في الأرض المحتلة، بصلاحيات تتعلق بالمسائل الإدارية الخاصة بالفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك سجل السكان؛ وتصاريح السفر والعمل؛ والآثار والمحميات الطبيعية؛ وإدارة الموارد الطبيعية؛ والزراعة؛ والتجارة والصناعة؛ وحماية البيئة.[124]

وفي فبراير/شباط 2023، وقّع وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت وبتسلئيل سموتريتش، بصفته وزيرًا إضافيًا، مذكرة تفاهم منحت سموتريتش صلاحيات تتعلق بجميع الشؤون المدنية في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك تصنيف وتخطيط الأراضي، بينما احتفظ غالانت بالسيطرة على القضايا الأمنية.[125]   

وأنشأت المذكرة وحدة إدارة الاستيطان، وهي هيئة تخضع لإشراف بتسلئيل سموتريتش المباشر، ويعمل فيها مدنيون مكلّفون بإدارة جميع مناحي الحياة في المستوطنات اليهودية.[126]

وعُيّن يهودا إلياهو، المؤسس المشارك لمنظمة ريغافيم وأحد أقرب حلفاء بتسلئيل سموتريتش، رئيسًا للهيئة الجديدة.[127] وعلى الرغم من أن الإدارة المدنية ظلت مسؤولة عن الشؤون المدنية الخاصة بالفلسطينيين في الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية)، مُنحت وحدة إدارة الاستيطان صلاحية إضفاء الصفة القانونية على البؤر الاستيطانية وتطبيق قوانين التخطيط والبناء على كلّ من الفلسطينيين والإسرائيليين في المنطقة (ج)، الأمر الذي أدّى إلى وقفٍ فعلي لعمليات إزالة المباني غير القانونية التي أنشأها المستوطنون دون ترخيص إسرائيلي رسمي.[128] وقد حدّد ذلك السياسات المتعلقة بالبؤر الاستيطانية الرعوية، وبتحسين حصول المستوطنين وحدهم على الخدمات والبنى التحتية الحكومية.

وتقدّم مسار تنفيذ رؤية الحركة الاستيطانية إلى الأمام في 29 مايو/أيار 2024، حين وقّع القائد العسكري للضفة الغربية أمرًا عسكريًا يُتيح لرئيس الإدارة المدنية، وهو ضابط عسكري، تعيين نائب مدني لتولي الشؤون المدنية وتفويض الصلاحيات له.[129] وفي اليوم نفسه، عُيّن هيلل روت، وهو مقرّب من بتسلئيل سموتريتش، في هذا المنصب، ومُنح صلاحيات إدارية واسعة تمتد من إدارة الأراضي والتخطيط والبناء إلى إدارة المواقع الأثرية والمحميات الطبيعية.[130] والأهم من ذلك هو أنه أصبح يعمل تحت إشراف وحدة إدارة الاستيطان بدلًا من أن يكون تابعًا لرئيس الإدارة المدنية. ونظرًا إلى أن رئيس وحدة إدارة الاستيطان يعمل تحت إشراف وزارة الدفاع ويرفع تقاريره إليها وإلى بتسلئيل سموتريتش بصفته الوزير الإضافي فيها، فقد أحكمت هذه الخطوة قبضة سموتريتش على المنطقة (ج).[131] وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، ظهر بتسلئيل سموتريتش في تسجيل وهو يتحدث إلى مسؤولين في الإدارة المدنية عن خططه لإيقاف عمل الإدارة المدنية نهائيًا تمهيدًا للضم الرسمي.[132]

نظام لتسجيل الأراضي وتسهيل صفقات الاستحواذ عليها لتسريع تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم  

في مايو/أيار 2025، أعلن المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي استئناف تسجيل الأراضي في المنطقة (ج)، وهي عملية تُعرف باسم “تسوية ملكية الأراضي”، بغرض الالتفاف حول محاولات السلطة الفلسطينية إجراء عملية تسجيل أراضٍ خاصة بها. وبالنظر إلى السياق الأوسع لنظام الأبارتهايد الإسرائيلي، وإلى التجربة السابقة في القدس الشرقية المحتلة، حيث لم تُسجّل أي أراضٍ تقريبًا باسم الفلسطينيين منذ بدء العملية عام 2018،[133] أثار القرار مخاوف من أن يكون المقصود منه أساسًا خدمة مصالح المستوطنين اليهود الإسرائيليين.[134]

وتفرض عملية تسجيل الأراضي متطلبات إثبات ملكية شبه مستحيلة على الفلسطينيين، إذ تشترط تقديم أدلة على الملكية، مثل سجلات الميراث التي قد يعود بعضها إلى العهد العثماني، وسجلات الملكية الكاملة، وخرائط المسح، وإثبات استمرار زراعة الأرض على مدى عقود. وعمليًا، يتعامل النظام مع جميع الأراضي غير المسجلة في الضفة الغربية باعتبارها أراضي دولة، أي أراضٍ خاضعة للسيطرة الإسرائيلية، ما لم يُثبت الملّاك الفلسطينيون خلاف ذلك.[135]

وحتى في الحالات النادرة للغاية التي تتوفر فيها هذه الوثائق، قد تقرر الإدارة المدنية مصادرة الأرض، بموجب أمرٍ عسكري يتعلق بـ”الأملاك المتروكة”، بدعوى أنها “أملاك غائبين” إذا كان بعض مالكيها يقيمون خارج الأرض الفلسطينية المحتلة.[136]

واستنادًا إلى هذا القرار، خصصت الحكومة الإسرائيلية في فبراير/شباط 2026، أكثر من 244 مليون شيكل إسرائيلي (حوالي 78,72 مليون دولار أمريكي) لإنشاء آلية جديدة لتسجيل الأراضي في المنطقة (ج)، ونقلت صلاحية تسجيل الأراضي من الإدارة المدنية إلى وزارة العدل.[137]

وبموجب هذه الآلية، تُنقل صلاحية رسم الخرائط والقياسات في المناطق غير المسجلة إلى وزارة البناء والإسكان الإسرائيلية، بما يوسع نطاق صلاحيات هذه السلطة المدنية لتشمل المنطقة (ج).[138] وتبلغ نسبة الأراضي غير المسجلة في المنطقة (ج) 58%، وحتى شهر فبراير/شباط 2026، كانت السلطات الإسرائيلية قد استولت بالفعل على نصف هذه الأراضي غير المسجلة من خلال إعلانها أراضٍ تابعة للدولة.[139]

وفي فبراير/شباط 2026، ألغى المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي قانونًا يعود لفترة الحكم الأردني كان يقيّد شراء الأجانب للأراضي في الأرض المحتلة، ما يسمح لغير الفلسطينيين، بمن فيهم المستوطنون والشركات الأجنبية، بشراء الأراضي مباشرةً من دون الحصول على موافقة مسبقة من السلطات الفلسطينية المختصة على إتمام المعاملة. كما أعاد تفعيل آلية حكومية إسرائيلية تتيح للدولة شراء الأراضي مباشرةً من الفلسطينيين عن طريق مفوّض الممتلكات الحكومية والمتروكة، ومن دون طلب أي موافقة من السلطات المختصة. وأجازت التدابير أيضًا توسيع نطاق إنفاذ القانون الإسرائيلي على المنطقتين (أ) و (ب)، الخاضعتين للسيطرة الإدارية للسلطات الفلسطينية.[140]

إجراءات مبسّطة للمصادقة على المستوطنات

في يونيو/حزيران 2023، نقلت الحكومة الإسرائيلية رسميًا مسؤولية تخطيط المستوطنات ومنح المصادقات من وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت إلى بتسلئيل سموتريتش في منصبه الجديد كوزير إضافي في وزارة الدفاع.[141]

وأزال القرار مستويات متعددة من المصادقات السياسية والعسكرية اللازمة لبناء أي مستوطنة جديدة والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية المحتلة، بحيث لم تعد موافقة الحكومة مطلوبة إلا في مرحلة التخطيط الأولية. كما ألغى الحاجة إلى مصادقة وزير الدفاع وموافقة رئيس الوزراء على التوسع الاستيطاني، ومنح بتسلئيل سموتريتش السيطرة الكاملة على المصادقات اللاحقة، ما سهّل بصورة كبيرة أعمال بناء المستوطنات وتوسيعها في الضفة الغربية.

وبعد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية في عام 2024، بدأت اجتماعات المصادقة على بناء المستوطنات تنعقد أسبوعيًا، بعدما كانت تُعقد كحد أقصى كل ثلاثة أشهر، ما أدّى إلى تسارع معدّل المصادقة.[142]

زيادة التمويل المخصّص للمستوطنات

مهّدت اتفاقيات الائتلاف، التي وُقّعت قبيل تشكيل الحكومة، الطريق لزيادة التمويل اللازم لتحقيق رؤية الحركة الاستيطانية في الضفة الغربية. ففي عام 2023، خصّصت الحكومة موارد مالية كبيرة لشُعبة الاستيطان، وهي الهيئة المكلّفة بتخطيط إنشاء المستوطنات وتوسيعها والإشراف عليهما.[143] كما صادقت على تمويل مشاريع بنى تحتية ضخمة لصالح المستوطنات، وأدرجت مستوطنات معينة كمناطق ذات أولوية قومية[144] في برامج الدعم المالي الحكومية.

ونفّذت السلطات الإسرائيلية هذه التدابير على الفور. وما بين 2023 و2025، ازداد التمويل الحكومي للمستوطنات في الضفة الغربية بدرجة كبيرة، سواء ضمن مخصصات الميزانية الأساسية أو خلال المخصصات الائتلافية (الصناديق الائتلافية) التي صادقت عليها الحكومة مباشرة، لا الكنيست.[145]

وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، صادقت اللجنة المالية للكنيست على تحويل 110 ملايين شيكل إسرائيلي (37,8 مليون دولار أمريكي) إلى وزارة الاستيطان والمهام الوطنية كجزءٍ من الميزانية الإضافية لعام 2023. ومن هذا المبلغ، خُصّص 75 مليون شيكل إسرائيلي (23 مليون دولار أمريكي) لتطوير البنية التحتية الأمنية لـ”المستوطنات الناشئة”، وهو مصطلح تستخدمه السلطات الإسرائيلية للإشارة إلى البؤر الاستيطانية غير المرخّصة.[146]

كما صادقت اللجنة على تخصيص 32 مليون شيكل إسرائيلي لتمويل أنشطة وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، الرامية إلى الحفاظ على المواقع الأثرية، وإعادة تأهيل حديقة وطنية، وتدابير أخرى لمراقبة أعمال البناء الفلسطينية غير المرخصة في المنطقة (ج)، وهدم المنشآت، وطرد السكان الفلسطينيين.[147]

وفي مطلع عام 2025، حصلت وزارة الاستيطان والمهام الوطنية على ميزانية أساسية قدرها حوالي 123 مليون شيكل إسرائيلي (37,6 مليون دولار أمريكي)، عقب القراءة الأولى لقانون ميزانية عام 2025 في ديسمبر/كانون الأول 2024.[148] وارتفع هذا التخصيص بشكلٍ كبير في مارس/آذار 2026 حين وافقت اللجنة المالية على تحويل 268 مليون شيكل إسرائيلي (82 مليون دولار أمريكي) إلى الوزارة من الصناديق الائتلافية، ما يؤكد الدور المتنامي للاتفاقيات السياسية في توجيه المزيد من الموارد نحو الأنشطة الاستيطانية، غالبًا في ظل قدر محدود من الشفافية أو الرقابة.[149]

وبذلك وصل إجمالي الميزانية المخصصة لوزارة الاستيطان والمهام الوطنية لعام 2025 إلى ما يقرب من 391 مليون شيكل إسرائيلي (نحو 135 مليون دولار أمريكي) عند المصادقة النهائية على قانون الميزانية.[150]   

وفي مارس/آذار 2026، أفادت منصة “كالكاليست” الإخبارية الإسرائيلية بأنه طُلب من وزارة المالية الكشف عن قائمة كاملة بالميزانيات التي حُوّلت إلى وزارة الاستيطان والمهام الوطنية، وذلك عقب طلب رسمي تقدّمت به عضو الكنيست أوريت فركش-هاكوهين.[151] ووفقًا للتقرير، أظهرت البيانات التي شاركتها وزارة المالية أن ميزانية وزارة الاستيطان والمهام الوطنية وصلت إلى 764 مليون شيكل إسرائيلي (254,5 مليون دولار أمريكي) بحلول عام 2026، ما يعكس زيادة بنسبة 122% في ميزانيتها السنوية خلال ثلاث سنوات من ولاية الحكومة.[152]

وعلاوةً على ذلك، شهدت الاستثمارات الأوسع نطاقًا في البنى التحتية ارتفاعًا حادًا. ففي عام 2023، خصّصت الحكومة أكثر من 3,5 مليار شيكل إسرائيلي (حوالي 1,2 مليار دولار أمريكي) لوزارة المواصلات والأمان على الطرق لتنفيذ خطة خمسية بهدف توسيع الطرق وتطويرها لخدمة المستوطنين في الضفة الغربية، بما في ذلك الطرق الالتفافية.[153] وفي أغسطس/آب 2023، قالت وزيرة المواصلات إن الخطة عكست أولويات الحكومة، والتي ترى “يهودا والسامرة قلب دولة إسرائيل، حيث يجب الاستثمار فيها كما في أي مكان آخر في البلاد”.[154]

وبناءً على ذلك، ووفقًا لتقارير إعلامية، جرت المصادقة في عام 2025 على نحو 918 مليون شيكل إسرائيلي (281 مليون دولار أمريكي) لمشاريع الطرق والبنى التحتية الرامية إلى ربط المستوطنات والبؤر الاستيطانية ببعضها وبالمدن الإسرائيلية.[155] وفي ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام، اعتمدت الحكومة خطة خمسية لتعزيز المستوطنات وتطويرها وما يتصل بها من بنى تحتية، حيث خصّصت 2,75 مليار شيكل إسرائيلي (919 مليون دولار أمريكي) لتنفيذ هذا البرنامج.[156]

زيادة التمويل المخصّص للبؤر الاستيطانية غير المرخصة

نادرًا ما تقدم الحكومة الإسرائيلية تفصيلًا دقيقًا يميّز بوضوح بين التمويل المخصص للمستوطنات وذلك المخصص للبؤر الاستيطانية، أو يصنّف الإنفاق بحسب الغرض منه. ويأتي قدر كبير من المعلومات المتاحة للجمهور من منظمات رقابية مثل منظمة السلام الآن، أو من تقارير إعلامية تعتمد على تسريبات، أو من إفصاحات لجان الكنيست.[157] كما غالبًا ما تكون هناك فجوة زمنية بين إقرار الميزانية، والصرف الفعلي، وإضفاء الصفة القانونية على البؤر الاستيطانية بأثرٍ رجعي، ما يجعل من الصعب تحديد التمويل الحكومي الفعلي للبؤر الاستيطانية. كما أن بعض أوجه الإنفاق غير مباشرة. ويشمل ذلك المنح المقدّمة إلى السلطات المحلية، ومشاريع البنية التحتية التي تخدم المستوطنات المعترف بها والبؤر الاستيطانية على حدٍ سواء، أو المخصصات التي تمرّ عبر شُعبة الاستيطان التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية.[158]

وعلى الرغم من غياب الشفافية، تشير الأدلة المتاحة إلى أن وزارات الحكومة واصلت منذ 2023 تقديم الدعم المالي والمادي المباشر لتلك البؤر الاستيطانية، رغم أن تقارير موسعة متاحة للجمهور تظهر أن كثيرًا منها يُستخدم كقواعد ينطلق منها المستوطنون لتنفيذ هجمات عنيفة ضد الفلسطينيين. فعلى سبيل المثال، كشفت منظمة “السلام الآن” عن أدلة تثبت أن الحكومة قدمت في عام 2023 تمويلًا لـ101 بؤرة استيطانية، من بينها 68 بؤرة استيطانية رعوية، بإجمالي 28 مليون شيكل إسرائيلي (8 ملايين دولار أمريكي).[159] وقد استخُدم المبلغ لشراء طائرات مسيّرة ومركبات وكاميرات وألواح شمسية وبوابات كهربائية، وفقًا لما ذكرته المنظمة. وكما ذُكِر أعلاه،[160] في ديسمبر/كانون الأول 2023، صادق الكنيست على تحويل 75 مليون شيكل إسرائيلي (23 مليون دولار أمريكي) لـ”مكونات أمنية” خاصة بالبؤر الاستيطانية، ضمن الصناديق الائتلافية لعام 2024.[161] وفي يوليو/تموز 2024، أكدت وزيرة الاستيطان والمهام الوطنية أن الأموال كانت قد خُصّصت بالفعل[162] لتطوير أمن “المستوطنات الناشئة” بالتنسيق مع وزارة الدفاع. وقد وُزعت الأموال على البؤر الرعوية (38,78 مليون شيكل إسرائيلي أي 11,65 مليون دولار أمريكي)، والبؤر الاستيطانية (24,79 مليون شيكل إسرائيلي أي 7,37 مليون دولار أمريكي)، والطرق (7,7 مليون شيكل إسرائيلي أي 2,36 مليون دولار أمريكي) والمباني العامة (4,55 مليون شيكل إسرائيلي أي 1,521 دولار أمريكي).[163]

وفي الفترة ما بين أبريل/نيسان ويوليو/تموز 2025، نقلت الحكومة ما لا يقل عن 48 مركبة دفع رباعي إلى البؤر الاستيطانية غير المرخصة، كما زوّدت سكّانها بنظارات الرؤية الليلية، والمسيّرات، ومعدّات الاتصال، والمولدات الكهربائية، من بين أشياء أخرى، وذلك خلال مراسم احتفالية أُقيمت في مستوطنة وبؤرة استيطانية، وحضرها الوزيران بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك.[164]

وتظهر المعلومات الرسمية المنشورة على “غايدستار”، المنصة الإلكترونية التابعة لوزارة العدل التي تعرض بيانات منظمات المجتمع المدني المسجلة، أن وزارات مختلفة قدّمت تمويلًا مباشرًا لمنظمات استيطانية مثل منظمة هاشومير يوش ومنظمة أرتسينو (الرابطة الدولية للمنظمات الصهيونية الإصلاحية)، المعروفتين باستقطاب متطوعين للعيش في البؤر الاستيطانية والمشاركة في العنف ضد الفلسطينيين في المنطقة (ج) بهدف تجريدهم من أراضيهم.[165]

فعلى سبيل المثال، تلقّت منظمة هاشومير يوش[166] تمويلًا حكوميًا قدره 748,745 شيكل إسرائيلي (أي حوالي 230,000 دولار أمريكي) في عام 2024، و1,198,799 شيكل إسرائيلي (أي حوالي 380,000 دولار أمريكي)[167] في عام 2023. وفي الوقت نفسه، في عام 2024، تلقّت منظمة ريغافيم، وهي منظمة شارك بتسلئيل سموتريتش في تأسيسها، مخصصات من الدولة ودعمًا من السلطات المحلية بقيمة 397,006 شيكل إسرائيلي (حوالي 126,000 دولار أمريكي)، إضافة إلى 366,000 شيكل إسرائيلي (نحو 126,239 دولار أمريكي) في عام 2023.[168]

ارتفاع حاد في أعمال بناء المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية  

أدّى تبسيط إجراءات المصادقة على المستوطنات ونقل الصلاحيات إلى مسؤولين مدنيين عيّنهم بتسلئيل سموتريتش للعمل في خدمة رؤية الحركة الاستيطانية إلى ارتفاعٍ حاد غير مسبوق في معدل المصادقة على أعمال بناء المستوطنات.

وفي الفترة ما بين 2023 و2025، أعلنت السلطات الإسرائيلية 25,959 دونمًا في المنطقة (ج) “أراضٍ تابعة للدولة”،[169] وهو ما يمثّل نحو نصف التصنيفات من هذا النوع منذ توقيع اتفاقيات أوسلو.[170]

ووفقًا لما رصدته منظمة “السلام الآن”، في الفترة ما بين 2023 و2025، دفعت الحكومة بخطط لبناء 50,785 وحدة سكنية استيطانية.[171] وخلال عام 2025، صادق المجلس الأعلى للتخطيط التابع للإدارة المدنية على ما مجموعه 27,941 وحدة سكنية في مستوطنات غير قانونية، وهو رقم قياسي غير مسبوق.[172]

وفي المتوسط، في الفترة ما بين 2012 و2022، دفعت الحكومة ببناء 5,443 وحدة سنويًا. وفي ظلّ الحكومة السابعة والثلاثين، ارتفع هذا المتوسط إلى نحو 16,928 وحدة سكنية سنويًا، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف المتوسط السنوي للعقد الماضي.[173]

وفي تباينٍ صارخ، في عامي 2023 و2024، لم تصادق الإدارة المدنية على أي خطط لبناء وحدات سكنية فلسطينية في المنطقة (ج)، ولم تصدر سوى تسعة تصاريح بناء.[174] وعلى نطاقٍ أوسع، حصل الفلسطينيون في المنطقة (ج) على أقل من 200 تصريح بناء في الفترة ما بين 2009 و2025.[175] ويتفاقم هذا الحرمان النُظمي من حقوق التخطيط بفعل هدم 3,407 منشآت فلسطينية في المنطقة (ج)، ما أدّى إلى تهجير 2,996 فلسطينيًا ما بين يناير/كانون الثاني 2023 و30 أبريل/نيسان 2026.[176] ويُعدّ الحرمان من تصاريح البناء وهدم المنازل من السمات الأساسية لنظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين.

وبحلول 21 ديسمبر/كانون الأول 2025، كانت الحكومة قد صادقت أيضًا على 69 مستوطنة جديدة، وذلك وفقًا لتصريح نشره بتسلئيل سموتريتش على منصة إكس تفاخر فيه بأن ذلك يشكّل “جهدًا غير مسبوق”.[177] وشمل ذلك المصادقة على مستوطنات جديدة، وإضفاء الصفة القانونية على بعض البؤر الاستيطانية غير المرخصة بأثرٍ رجعي، وتحويل أحياء داخل مستوطنات إلى مستوطنات مستقلة، وإعادة إنشاء أربع بؤر استيطانية في شمال الضفة الغربية كانت قد فُكّكت بموجب خطة فك الارتباط في 2005.[178]

وفي أبريل/نيسان 2026، كشف الإعلام الإسرائيلي أن المجلس الوزاري الأمني قرر في أواخر مارس/آذار 2026 إقامة 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، من بينها مستوطنات تقع في المنطقتين (أ) و (ب).[179] وقد أشارت التقارير إلى أن المجلس الوزاري اتخذ القرار أثناء حرب إسرائيل مع إيران ولبنان التي بدأت في فبراير/شباط ومارس/آذار من هذا العام، وأبقاه سرًا لتفادي ضغوط الإدارة الأمريكية. ومن بين المستوطنات المعلنة حديثًا، هناك 10 بؤر استيطانية غير مرخصة أضفي عليها الصفة القانونية، فيما تعد 24 منها مستوطنات جديدة بالكامل. ويمثل ذلك أكبر عدد من المستوطنات المصادق عليه في قرارٍ واحد على الإطلاق، ما رفع عدد المستوطنات الجديدة التي أعلنتها الحكومة منذ يناير/كانون الثاني 2023 إلى 102 مستوطنة.[180]

ووفقًا لمنظمة “السلام الآن”، بحلول نهاية أبريل/نيسان 2026، كان المستوطنون الإسرائيليون قد أقاموا 363 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية، بما فيها البؤر الاستيطانية الرعوية.[181] من بين هذه البؤر 212 بؤرة أُنشئت في ظل الحكومة السابعة والثلاثين، مقارنةً بـ151 بؤرة استيطانية أُقيمت في الفترة ما بين 1996 و2022.[182]

وما بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2025، مهّد المستوطنون حوالي 240 طريقًا جديدًا لتسهيل التنقل بين البؤر الاستيطانية والمستوطنات، ما يفصل التجمّعات الفلسطينية ويقيّد وصول الفلسطينيين إلى المياه وغيرها من الموارد.[183]

وفي ردّ وحدة المتحدث العسكري على رسالة منظمة العفو الدولية، قال إن القوات الإسرائيلية بدأت “بمصادرة ممتلكات ومعدات” المستوطنين الإسرائيليين المشاركين في انتهاكات بحق الفلسطينيين، “وكذلك إخلاء البؤر الاستيطانية غير القانونية، التي ينطلق منها معظم المدنيين المشاركين في هذه الأحداث”. غير أنها لم تقدم أي أدلة ملموسة على مثل هذه الإجراءات.[184]

وتشير الأدلة إلى أن الإدارة المدنية توقفت فعليًا عن إنفاذ القوانين المتعلقة بالبناء الإسرائيلي غير المرخّص ضد المستوطنين، وذلك بعد نقل صلاحية المصادقة على عمليات الهدم إلى وحدة إدارة الاستيطان.[185] وفي عام 2024، في تطورٍ خطير، أقام المستوطنون ما لا يقل عن سبع بؤر استيطانية في المنطقة (ب) التي تمنح فيها اتفاقيات أوسلو السلطات الفلسطينية سيطرة إدارية كاملة.[186]  وخلافًا للسياسات السابقة، لم تتخذ الإدارة المدنية أي إجراءٍ يُذكر لتفكيكها.[187] ومنذ يناير/كانون الثاني 2023، لم تفكك السلطات الإسرائيلية سوى ست بؤر استيطانية غير مرخصة في الضفة الغربية، وذلك وفقًا لتقارير صحافية.[188] وبالمقارنة مع عشرات البؤر الاستيطانية التي لم تُفكك، وعشرات أخرى أُضفيت عليها الصفة القانونية، فإن هذا الاستثناء لا يثبت إلا القاعدة التي تكرّس حقيقة أن السلطات الإسرائيلية لا تتغاضى عن البناء غير المرخص للبؤر الاستيطانية فحسب، بل تشجعه وتحميه عمليًا.

Square markers indicate individual outposts: blue squares mark outposts established since the beginning of 2023, while white squares mark those established up to the end of 2022 (data from Peace Now). The background shows West Bank administrative areas established under the Oslo Accords: Areas A and B are shown in tan, and Area C in light grey (OCHA). Several layers show areas where Palestinian access or use of land is prohibited or restricted. Israeli annexed East Jerusalem is shown with blue diagonal stripes (OCHA). Israeli declared state land is shown with orange diagonal stripes (Israeli Civil Administration data, shared by Kerem Navot). Israeli firing zones and the Jordan Valley military buffer zone are shown in semi-transparent red (OCHA), and Israeli military bases appear in darker red (OCHA). Israeli nature reserves are shown in green (OCHA). Additional areas established under the Oslo Accords are also shown: Hebron H1 (parts of the city administered by Palestinian authorities) in light green, Hebron H2 (parts of the city where Israel maintains full control) in darker green, intended nature reserves (where Israel maintains full control over security, planning and construction) in light purple, and the No Man’s Land in dark grey, a demilitarized buffer zone that separated Israeli-controlled West Jerusalem and Jordanian-controlled East Jerusalem between 1948 and 1967 and that has since 1967 been annexed by Israel (all OCHA).  

Overall, the map shows that settler outposts are widely distributed across Area C and are often located in or near areas where access or land use is restricted to Palestinians.
تفاصيل مساحات الأراضي المصنّفة بحسب إمكانية الوصول أو الاستخدام، حتى عام 2026، بما في ذلك مواقع البؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الفترة ما بين 1996 و2026. مصادر البيانات منظمة السلام الآن، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، والإدارة المدنية الإسرائيلية من خلال منظمة كِرِم نابوت.

البؤر الاستيطانية بالأرقام

تعدّ البؤر الاستيطانية التي تُبنى بدون ترخيص إسرائيلي رسمي غير قانونية بموجب القانون الدولي، شأنها شأن سائر المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة. ووفقًا لمنظمة السلام الآن، بدأت البؤر الاستيطانية بالظهور عام 1996 خلال الولاية الأولى لبنيامين نتنياهو رئيسًا للوزراء، وبلغ عددها ذروته مع إنشاء نحو 20 بؤرة استيطانية سنويًا في الأعوام 1998، و2001، و2003.[189] وكان إنشاء البؤر الاستيطانية، التي صُمّمت آنذاك للالتفاف على حظر إنشاء مستوطنات جديدة بموجب اتفاقيات أوسلو،[190] قد توقف عام 2005 بعد خطة فك الارتباط أحادي الجانب، ولكنه استؤنف عام 2012 في ظل حكومة بنيامين نتنياهو الجديدة. وازداد نمو البؤر الاستيطانية بشكل حاد في عامي 2018 و2019، تزامنًا مع إعلان الإدارة الأمريكية أن المستوطنات لا تُعدّ غير قانونية بموجب القانون الدولي، ومع دعوات بنيامين نتنياهو المتكررة لضم الضفة الغربية. وشهدت الأرقام ارتفاعًا حادًا مرة أخرى في عام 2023 إثر تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين، وتسارعت بوتيرة أكبر بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. 


ووفقًا لمنظمة السلام الآن، أُضفيت الصفة القانونية بأثرٍ رجعي على ما مجموعه 68 بؤرة استيطانية بحلول 30 أبريل/نيسان 2026، أكثر من نصفها (39) منذ يناير/كانون الثاني 2023.[191]


يُظهر الرقم أعلى كل عمود إجمالي عدد البؤر الاستيطانية التي أٌنشئت في ذلك العام. تغطي قيمة عام 2026 الفترة بين شهري يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان فقط. مقاطع كل عمود ملوّنة بحسب نوع البؤرة:
يوضح هذا الرسم البياني بالأعمدة عدد البؤر الاستيطانية الإسرائيلية الجديدة التي أقيمت في الضفة الغربية المحتلة في كل عام، بدءًا من عام 1996 وحتى عام 2026، استنادًا إلى بيانات جمعتها منظمة السلام الآن (آخر تاريخ للاطلاع على المصدر: 20 مايو/أيار 2026).

عنف المستوطنين كسياسة رسمية للدولة

منذ قرابة عام، لم أقطع الطريق العام [طريق آلون]. كانوا [المستوطنون] يضايقونني أنا ورعاة آخرين، وكنا نحاول تجنبهم، لكن الجيش بدأ بالحضور لحمايتهم، مطلقًا النار في الهواء”.

أيمن سليمان، قرية كفر مالك، 28 أغسطس/آب 2025.

لقد شجّعت سياسة الدولة الواضحة، وما رافقها من إجراءات هدفت إلى تكثيف عملية الضمّ وتسريعها، عنف المستوطنين بصورة مباشرة، وأضفت عليه صفة الشرعية. ففي ظل دعمٍ سياسي وقانوني ومالي من السلطات الإسرائيلية، وبمساندة مباشرة في أغلب الأحيان من القوات الإسرائيلية على الأرض، كثّف المستوطنون أساليبهم المتبعة منذ زمن طويل لتهجير الفلسطينيين قسرًا والاستيلاء على أراضيهم، واعتمدوا نهجًا أكثر عدوانية وعلنية. ولم تفِ السلطات الإسرائيلية، بصفتها سلطة احتلال، بالتزاماتها بمحاسبة مرتكبي عنف المستوطنين، بل شاركت فعليًا في هذا العنف أو مكّنته لتهجير التجمّعات الفلسطينية قسرًا.

ومنذ تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين، أدّى التصاعد الحاد في عنف المستوطنين إلى مستويات قياسية من التهجير القسري، وحالات القتل والإصابات، وتدمير الممتلكات، والاستيلاء على الأراضي. ففي الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وديسمبر/كانون الأول 2025، أدّى عنف المستوطنين الإسرائيليين والقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي والممتلكات إلى تهجير نحو 15.5% من إجمالي السكان الفلسطينيين في المنطقة (ج)، والمقدّر عددهم بنحو 35,000. [192] 

وفي الفترة ما بين فبراير/شباط 2024 وسبتمبر/أيلول 2025، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 44 رجلًا وامرأة فلسطينيين هُجرّوا قسرًا أو يواجهون خطر التهجير القسري، من 10 تجمّعات بدوية ورعوية في المنطقة (ج)، وهي الفارسية، والحديدية، وعين الحلوة، وعين سامية، ومكحول، وشِعب البطم، وسوسيا، وراس المعرجات، وراس عين العوجا، وزنوتا. وقد أفاد الرجال والنساء، على نحوٍ متسق، بأن تهجيرهم القسري جاء نتيجة موجات متكررة من عنف المستوطنين، قالوا إن الجنود الإسرائيليين والشرطة الإسرائيلية دعموها فعليًا.  

كما أجرت المنظمة مقابلات مع 10 متطوعين أجانب أو إسرائيليين، يُعرفون بمتطوعي الحضور بهدف الحماية، ممّن رصدوا الانتهاكات في تلك المناطق. إضافةً إلى ذلك، حللّت المنظمة أنماط عنف المستوطنين الموثقة في 247 مقطع فيديو وصورة التُقطت في هذه المناطق، كما اطّلعت على تقارير صادرة عن منظمات حقوقية أخرى أو نشطاء حقوقيين. واستنادًا إلى الأدلة التي جمعتها منظمة العفو الدولية، استخدم المستوطنون ثلاثة أساليب رئيسية لبث الرعب في نفوس الفلسطينيين من التجمّعات البدوية والرعوية ودفعهم إلى مغادرة منازلهم:

  • الهجوم على القرى والمنازل وغيرها من الممتلكات الفلسطينية؛
  • مضايقة السكان وتهديدهم والاعتداء عليهم جسديًا باستمرار؛
  • واستهداف سبل العيش ومصادر الرزق من خلال تقييد الوصول إلى مناطق الرعي أو منعه، وتلويث موارد المياه عن طريق قطع الأنابيب أو تفريغ خزانات المياه، وسرقة المواشي وقتلها، وتدمير الحقول الزراعية وإتلاف المحاصيل.

وبدلًا من أن تمنع السلطات الإسرائيلية هذه الانتهاكات أو تحقق فيها بما يتماشى مع التزاماتها بموجب القانون الدولي، فقد شجّعتها فعليًا من خلال توزيع الأسلحة على المستوطنين، فيما دعمت قوات الجيش والشرطة الإسرائيليين الهجمات أو سهّلت وقوعها؛ وشارك جنود مباشرة في أعمال العنف في بعض الحالات. أما الفلسطينيون الذين أبلغوا عن حوادث العنف، فقد خضعوا هم أنفسهم للتحقيق، وفُرضت عليهم غرامات، واعتُقلوا في بعض الحالات.

رجل ينظر إلى لوحة طاقة شمسية أُتلِفت.
لقطة مأخوذة من مقطع فيديو تُظهر أحد السكان الفلسطينيين واقفًا بجانب ألواح طاقة شمسية أتلفها المستوطنون في أحد التجمعات القريبة من حاجز حمرا عام 2024.

وفي الحالات القليلة التي قدّمت فيها المحاكم قدرًا من الإنصاف، ولو جزئيًا، من خلال قرارات تسمح بعودة السكان المهجّرين قسرًا، أو أوامر مؤقتة تحظر تنفيذ المزيد من عمليات هدم المنشآت المؤقتة، أو أوامر منع تعرّض تحول دون مضايقة أفراد من المستوطنين للفلسطينيين، تقاعست الشرطة والجيش الإسرائيليين بصورة ممنهجة عن تنفيذ تلك الأوامر والقرارات.

وتكشف الحالات الموثّقة عن تزامن عنف المستوطنين مع إجراءات إدارية تقيّد الوصول إلى الأراضي والممتلكات، مع تواطؤ مباشر من الجيش الإسرائيلي. ويعزّز هذه الممارسات نهج تمييزي في إنفاذ القانون يعطي الأولوية لإجراءات تقوّض قدرة الفلسطينيين على البقاء في أرضهم والتمتع بحقوقهم الأساسية. وتشكّل هذه السياسات التمييزية جزءًا من نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين.[193]

التزامات إسرائيل بمنع عنف المستوطنين بموجب القانون الدولي

بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، يقع على إسرائيل التزام حماية السكان الواقعين تحت الاحتلال من أعمال العنف، ومنع وقوعها، والتحقيق فيها، وملاحقة مرتكبيها.

وينبع هذا الالتزام من مسؤوليات سلطة الاحتلال في “إرساء النظام العام والسلامة العامة وضمانهما، قدر الإمكان” كما هو موضح في المادة 43 من لوائح لاهاي، وعلى النحو المنصوص عليه في المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة، والتي تقضي بأن يُعامل السكان المحميين “في جميع الأوقات معاملة إنسانية، وحمايتهم بشكل خاص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد”. ويوضح التعليق على المادة 27 أن واجب الحماية، شأنه شأن المعاملة الإنسانية، ينطبق “في جميع الأوقات”، كما يبيّن أن سلطة الاحتلال ملزمة “ليس فقط بالامتناع عن إلحاق الأذى بالأفراد المحميين، بل أيضًا ببذل اليقظة الواجبة لمنع الآخرين من إلحاق الأذى بهم، بمن فيهم الأفراد العاديون”.[194]

ويعني الالتزام ببذل اليقظة الواجبة في حماية الأشخاص المحميين التزامًا بحماية الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة من التعرّض لعنف المستوطنين، وتهديداتهم، وترهيبهم، واعتداءاتهم على سبل عيشهم وممتلكاتهم، إذ يشكّل وجود المستوطنين في الأرض المحتلة، في حدّ ذاته، انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني.[195] وبصفتها سلطة احتلال، لم يكن ينبغي لإسرائيل أن تسمح باستيطان سكانها في الأرض المحتلة، فضلًا عن أن تسهله وتشجعه وتضفي عليه الصفة الشرعية. ويقع على عاتقها التزامًا بتفكيك جميع المستوطنات وإخراج جميع المستوطنين من الأرض الفلسطينية المحتلة.

وبموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يتعين على السلطات الإسرائيلية احترام حقوق الفلسطينيين وحمايتها وإعمالها، بما في ذلك، ضمن حقوق أخرى، حقهم في الحياة،[196] وحقهم في عدم التعرّض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة،[197] وحقهم في العمل،[198] وحقهم في مستوى معيشي ملائم.[199] ويشكّل تقاعس إسرائيل عن استخدام الوسائل المتاحة لها لحماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين انتهاكًا سافرًا لالتزاماتها. كما يقع على عاتق السلطات الإسرائيلية، بمختلف أجهزتها ووكلائها العاملين في الأرض الفلسطينية المحتلة، التزام بالامتناع عن المشاركة في أعمال العنف التي يرتكبها المستوطنون أو تقديم المساعدة فيها. وقد أكدّت محكمة العدل الدولية، وهيئات المعاهدات التابعة للأمم المتحدة، مرارًا أن التزامات إسرائيل بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان تسري في الأرض الفلسطينية المحتلة.[200]  

تصاعد حاد في عنف المستوطنين يؤدي إلى التهجير القسري

شهد عنف المستوطنين ارتفاعًا مطردًا منذ سنوات،[201] ثم تفاقم عقب تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين.

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن الفترة ما بين 2020 و2024 شهدت ارتفاعًا بنحو سبعة أضعاف في الهجمات المرتبطة بالمستوطنين على التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية، ما أسفر عن وقوع خسائر بشرية أو أضرار مادية أو كليهما. فقد ارتفع عدد هذه الحوادث من 50 حادثة عام 2020 إلى نحو 330 حادثة في عام 2024.[202] واشتدّ عنف المستوطنين بصورة أكبر بعد بدء الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، حيث سجّل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية وقوع ما معدله أربع هجمات يشنّها مستوطنون يوميًا في الفترة ما بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و30 سبتمبر/أيلول 2025.[203] وقد اشتدّ العنف مجددًا في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، في وقت انصرف فيه الانتباه العالمي إلى الأعمال القتالية التي اندلعت في أنحاء الشرق الأوسط بعدما شنّت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل هجمات مشتركة ضد إيران في 28 فبراير/شباط. وقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية ما معدله ستّ هجمات من المستوطنين يوميًا خلال هذه الفترة.[204]

وما بين يناير/كانون الثاني 2023 و30 أبريل/نيسان 2026، سجّل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تهجيرًا قسريًا لما لا يقل عن 5,910 فلسطينيين بسبب عنف المستوطنين الإسرائيليين وما ارتبط به من قيود على الوصول والتنقل في أنحاء الضفة الغربية. وينتمي هؤلاء الأفراد إلى 117 تجمعًا، غالبيتها تجمّعات بدوية ورعوية في أنحاء المنطقة (ج).[205] وحيث يُقّدر إجمالي السكان بنحو 35,000 نسمة، فإن ذلك يعني أن 17% من الفلسطينيين من سكان التجمّعات البدوية والرعوية في المنطقة (ج) هُجروا قسرًا.[206] كما أُفرغ ما لا يقل عن 45 تجمّعا متضررًا من سكانه بالكامل.[207]

وسجّلت محافظة رام الله والبيرة وسط الضفة الغربية أعلى مستويات للتهجير الناتج عن عنف المستوطنين، إذ شكّل المهجّرون منها ما نسبته 41% من مجموع حالات التهجير القسري التي وثّقها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وتلتها محافظة الخليل، ومنطقة الأغوار التي تمتد عبر أربع محافظات.[208]

وفي الوقت نفسه، لا يزال آلاف السكان من التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية الأخرى يواجهون خطر التهجير القسري، في ظل استمرار المستوطنين المدعومين من الدولة في ترهيبهم في مختلف أنحاء المنطقة (ج).

مبادرة الحكومة الى تسليح المستوطنين

في أعقاب الهجمات التي قادتها حماس في جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسّعت السلطات الإسرائيلية نطاق المنظومة العسكرية المدنية في محيط المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وداخلها. واعتمدت وزارة الأمن القومي أنظمة جديدة لتخفيف معايير إصدار تراخيص حيازة أسلحة نارية شخصية، الأمر الذي أدّى إلى تقديم 41,000 طلب ترخيص من مواطنين إسرائيليين في أنحاء إسرائيل وفي الضفة الغربية في غضون تسعة أيام.[209]  

أربعة رجال ملثمون
أربعة مستوطنين، من بينهم اثنان مسلحان، في الحقول بالقرب من وادي تيران، في تلال جنوب الخليل، بتاريخ 8 أغسطس/آب 2024.

وبحلول شهر يناير/كانون الثاني 2026، كان قد صدر أكثر من 240,000 ترخيص لحيازة أسلحة نارية، وفقًا لتصريح أدلى به إيتمار بن غفير.[210] وخلال فترة تزيد قليلًا على العامين، يعادل ذلك متوسطًا سنويًا يقارب 89,000 ترخيص، أي بزيادة قدرها 15 ضعفًا مقارنة بالمعدل السنوي الذي كان يبلغ 8,000 رخصة في المتوسط قبل تغيير هذه السياسة.

يبين هذا الفصل الأثر المباشر لهذه السياسات، حيث أفضت إلى ارتفاعٍ حاد في الانتهاكات التي يرتكبها المستوطنون باستخدام الأسلحة النارية. وفي معظم الحوادث التي وثّقتها منظمة العفو الدولية، كان المستوطنون مسلحين. وحتى في الحالات التي لم تُستخدم فيها الأسلحة، غيّر وجودها جذريًا طبيعة الهجمات التي تحمّلها الفلسطينيون لسنوات. فكل فعل من أفعال المضايقة، مهما بدا محدودًا، يحمل تهديدًا مباشرًا للحياة حين يرتكبه معتدون مسلحون، ويمنع الفلسطينيين من الدفاع عن أنفسهم. وقد مكّن ذلك المستوطنين من تدمير الممتلكات الفلسطينية، وسرقة المواشي، وإرهاب التجمّعات البدوية والرعوية بحدة وعنف لم يسبق لهما مثيل. وفي نهاية المطاف، شكّل وجود الأسلحة عاملًا أساسيًا في دفع تجمّعات بأكملها إلى الفرار من منازلها بسرعة، وقوّض قدرتها على الصمود في وجه عنف المستوطنين ومضايقاتهم.

في أكتوبر/تشرين الأول 2023، أعلنت وزارة الأمن القومي أنها ستشكل “فرق استجابة سريعة” مدنية تحت إشراف شرطة حرس الحدود والشرطة الإسرائيلية في مختلف أنحاء إسرائيل والضفة الغربية.[211] وأعطيت الأولوية لإنشاء هذه الفرق في البلدات والمدن الإسرائيلية القريبة من حدود الضفة الغربية وقطاع غزة، والمراكز الحضرية الكبرى، بما في ذلك المدن التي يسكنها خليط من الفلسطينيين والإسرائيليين، وكذلك في أجزاء من الضفة الغربية. وفي يوليو/تموز 2025، دشّنت الشرطة الإسرائيلية وحدة “يَتار”، وهي وحدة استجابة أولية تضم مستوطنين إسرائيليين يقيمون في الضفة الغربية. وهدفها المعلن هو تقديم استجابة فعالة في حالات الطوارئ المرتبطة بـ”الإرهاب” وتعزيز شعور المستوطنين بالأمن.[212] ووفقًا لبيان صادر عن وحدة المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية، نُشر عبر قناة حزب “القوة اليهودية” على يوتيوب، كان 100 متطوع قد أكملوا تدريبهم بحلول موعد تدشين الوحدة، وتسلّموا معدات قتالية متقدمة تشمل أسلحة وزيًا عسكريًا ومعدات للحماية الشخصية. كما مُنحوا صلاحيات شُرَطية خاصة.[213] وخلال مراسم التدشين، صرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بأن أكثر من 1,000 فريق استجابة للطوارئ قد شُكّل في أنحاء البلاد، وانضمت إليها وحدات يتار الجديدة. وقد وصف إنشاءها بأنه “تغيير من مفهوم الدفاع إلى مفهوم القتال والحرب والهجوم” وأضاف “هذه الطريقة الوحيدة للانتصار”.[214]

كما وزّعت وزارتا الأمن القومي والدفاع آلاف الأسلحة على “وحدات الدفاع الإقليمي” التي شُكّلت في الضفة الغربية عقب إعادة نشر العديد من الألوية القتالية الإسرائيلية في قطاع غزة المحتل في أكتوبر/تشرين الأول 2023 ولاحقًا في جنوب لبنان عقب اندلاع النزاع المسلح بين إسرائيل وحزب الله.[215] وتُعرف هذه الوحدات بالعبرية باسم “هغمار”، وهي تشكيلات عسكرية إسرائيلية رسمية يضمّ معظمها مستوطنين جرى استدعاؤهم للخدمة في قوات الاحتياط في الجيش.[216]

ورغم خضوعها رسميًا لقيادة الكتائب العسكرية، تعمل هذه الوحدات بهامشٍ واسع من الاستقلالية، حيث تكون غالبًا أولى الجهات التي تصل إلى مواقع الأحداث، وتعمل فعليًا بالتوازي مع هيكليات الجيش الإسرائيلي النظامية، لا تحت إشراف عسكري مشدّد.[217] ويؤدي انخراط الجنود المستوطنين في هذه الوحدات إلى طمس الحدود الفاصلة بين نشاط الجيش والنشاط الاستيطاني، حيث يتمتعون بصلاحيات عسكرية كاملة بينما يعملون على الدفع قُدمًا بالأهداف الاستيطانية. وتشير الأدلة إلى تورّط هذه الوحدات في هجمات مسلحة ضد مدنيين فلسطينيين.[218]

وبموجب الأنظمة الجديدة، وُسّعت معايير الأهلية للتقدم بطلب الحصول على ترخيص لحيازة سلاح، بحيث أصبح يحق لكل شخص تجاوز سن 21 عامًا أن يتقدم بطلب إذا كان قد أتمّ سنة واحدة من الخدمة القتالية، أو سنتين من الخدمة العسكرية، أو بالنسبة للنساء سنة من الخدمة الوطنية أو المدنية، شريطة إثبات الإقامة أو العمل في منطقة مؤهلة أو انتظام الحضور الأكاديمي. [219] ويحلّ ذلك محل الشرط السابق الذي يقتضي استكمال الخدمة العسكرية أو الوطنية كاملةً. كما وسّعت المعايير المعدّلة نطاق المستفيدين ليشمل متطوعي الشرطة العاملين ممن لديهم خدمة ذات صلة، والمتطوعين المتقاعدين، ورجال الإطفاء المتقاعدين، والمتطوعين في منظمات الإنقاذ.

ويُقصد بالمناطق المؤهلة لتقديم طلبات تراخيص الأسلحة النارية تلك التي ترى الشرطة، وفقًا لتقييماتها، أن الاعتبارات الأمنية فيها تستوجب إتاحة وصول المدنيين إلى الأسلحة النارية. ولم تُنشر القائمة الكاملة لهذه المناطق بحسب علم منظمة العفو الدولية، غير أنه من المعروف أنها تشمل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. فعلى سبيل المثال، في يناير/كانون الثاني 2026، أضاف إيتمار بن غفير 18 مستوطنة إسرائيلية إلى قائمة المناطق المعتمدة، كان بعضها بؤرًا استيطانية أُضفيت عليها الصفة القانونية بأثرٍ رجعي.[220]

ومن شأن السماح للمستوطنين، الذين يُحتمل أن يكون كثير منهم قد شاركوا في أعمال عنف ضد الفلسطينيين، بالتقدّم بطلبات للحصول على تراخيص فردية لحيازة أسلحة نارية، أن يعرّض الفلسطينيين لمزيد من المخاطر الأمنية، ولا سيّما في ظل تخفيف الضمانات الإجرائية الأساسية. فقد استُعيض عن الشرط السابق المتمثّل في إجراء مقابلات شخصية بفحوصات هاتفية كانت فعليًا مقتضبة للغاية، وغالبًا ما أجراها موظفون تلقّوا تدريبًا محدودًا لمعالجة العدد الضخم من الطلبات، وذلك وفقًا لمراجعة خبراء قُدمت للكنيست في فبراير/شباط 2024.[221] وبقي شرط قيام الشرطة ووزارة الصحة[222] بتحديد الأهلية العامة لمقدّم الطلب، وأن تضمن الشرطة عدم وجود موانع تحول دون منح الترخيص “لأسباب تتعلق بالسلامة العامة والأمن العام”. غير أن النظام اتجه فعليًا إلى الاعتماد على التدقيق في قواعد البيانات، بدلًا من إجراء تقييمات فردية للمخاطر.[223]

ولم تكن هذه الفحوصات المحدودة كافية لاستبعاد المتورطين في انتهاكات بحق الفلسطينيين، في سياقٍ يتسم بتفشّي عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين. وبينما لا يزال العدد الدقيق للأسلحة النارية التي وُزّعت على المستوطنين غير معروف، أشرف إيتمار بن غفير شخصيًا، في بعض الحالات، على توزيع بنادق على المستوطنين.[224]

مداهمات عنيفة استهدفت التجمّعات

هجمات على المنازل، والممتلكات الخاصة، والبنى التحتية

بين يناير/كانون الثاني 2023 وديسمبر/كانون الأول 2025، نفّذ المستوطنون ما لا يقل عن 4,575 هجومًا على التجمّعات الفلسطينية، أسفرت عن وقوع إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما، كما دمّروا أو أتلفوا نحو 69,000 شجرة أو شتلة زراعية، وما لا يقل عن 2,200 سيارة يملكها فلسطينيون.[225]   

وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 20 شخصًا وصفوا هجمات، وقعت في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 ونهاية أغسطس/آب 2025، استهدفت المنازل وغيرها من منشآت التجمّعات في الحديدية، وعين الحلوة، وحمّامات المالح، وخربة إبزيق في الأغوار الشمالية؛ وفي القبّون، وعين سامية، وراس المعرجات، وراس عين العوجا في الأغوار الوسطى؛ وفي سوسيا، وزنوتا في تلال جنوب الخليل.[226]

وبحسب إفادات من أٌجريت معهم المقابلات، وقعت هذه الهجمات ليلًا ونهارًا، وتمثّلت في مداهمة المستوطنين التجمّعات، والتجول داخلها أو اقتحام المنازل وتهديد السكان ومطالبتهم بالمغادرة، وضربهم بالأيدي أو البنادق. كما أفادوا بأن المستوطنين عمدوا إلى تخريب السيارات، والخيام، والمدارس؛ وأتلفوا أو دمروا خزانات المياه، والألواح الشمسية والمؤن الغذائية؛ فضلًا عن تخريب المعدات الزراعية والجرارات أو سرقتها.

وفي بعض الحالات، كان المستوطنون برفقة جنود إسرائيليين أو كانوا هم أنفسهم يرتدون زيًا عسكريًا.[227] وفي تسع حالاتٍ وثّقتها منظمة العفو الدولية، أدّت هذه الهجمات مباشرةً إلى التهجير القسري الكامل أو الجزئي للتجمّعات.

في أحد الأمثلة، فرّت عشر عائلات[228] من القبّون، وهي منطقة غرب رام الله، عقب مداهمة وقعت في 10 أغسطس/آب 2023، حيث اقتحمت مجموعة كبيرة من المستوطنين والجنود منازلهم، وألقت بالطعام خارج الثلاجات، وأفرغت خزانات المياه، وصرخت في السكان مطالبةً إياهم بمغادرة المنطقة.[229]وقبل هذه الحادثة، أفاد أفراد إحدى العائلات بأنهم كانوا يتعرّضون لمضايقات متكررة من المستوطنين الذين كانوا يقتحمون منزلهم ويحتلونه، ولا سيّما في عطلات نهاية الأسبوع، بهدف ترهيبهم، وأحيانًا كانوا يقودون مركبات دفع رباعي حول منزلهم لترهيبهم.[230]

وقال أفراد العائلة لمنظمة العفو الدولية إنهم تقدموا بعدة شكاوى إلى الشرطة، إلا أنهم لم يتلقوا أي استجابة؛ واستمرت الهجمات، ما دفعهم في نهاية المطاف إلى مغادرة التجمّع في أغسطس/آب 2023. وكان تجمّع القبّون يضم 12 عائلة فقط قبيل التهجير القسري.

أنقاض
ممتلكات سكان زتوتا متناثرة بين أنقاض منشآت مدّمرة، 1 سبتمبر/أيلول 2025.

عقب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ووفقًا لسكان من راس المعرجات، وسوسيا، وزنوتا، أصبحت الهجمات أكثر تواترًا وضراوة، واستهدفت منازلهم بشكل متكرر، حيث لم يعد لهم مكان يشعرون فيه بالأمان.

أخبر سكان زنوتا منظمة العفو الدولية أن المستوطنين بدأوا، بعد أيامٍ من الهجمات التي قادتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في جنوب إسرائيل، بتحطيم نوافذ منازلهم، واقتحموها ليلًا، وضربوا الأطفال بأعقاب البنادق.[231] وبالمثل، في راس المعرجات، هاجم المستوطنون التجمّع لأيام، واقتحموا المنازل، وحطموا ألواح الطاقة الشمسية، وذلك وفقًا لشهادات الضحايا وشهود العيان.[232] أما في سوسيا، فقد أفاد السكان بتعرّضهم لمضايقات شبه يومية في مطلع عام 2024، تمثّلت في قيادة المستوطنين مركباتهم حول منازل السكان، ورشقهم بالحجارة ليلًا، وتهديدهم بالاستيلاء على منازلهم.[233]

وتحقّقت منظمة العفو الدولية من صحة 38 مقطع فيديو توثّق هجمات المستوطنين على الممتلكات في القرى الفلسطينية في أنحاء تلال جنوب الخليل والأغوار الشمالية في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وديسمبر/كانون الأول 2025. تُظهر هذه المقاطع اعتداءات على المنازل، شملت عمليات هدم، وتدمير جزئي، وتخريب، أدّت إلى تحطم النوافذ وتناثر المتعلقات الشخصية. كما تظهر مقاطع الفيديو خيامًا ومنشآت سكنية مع آثار واضحة لأضرار ناجمة عن حريق وعلامات حرق. وأفاد السكان الفلسطينيون بأن هذه الحرائق أشعلها المستوطنون.

وتكشف إحدى الحالات، في 25 يوليو/تموز 2025، إضرام النار بمنزل عائلة ناصر شريتح في سوسيا.[234] ووفقًا لإفادة ناصر شريتح التي نشرتها منظمة محسوم ووتش، وصل رجلان ملثمان ليلًا، وأضرما النار في المنزل، الذي كان خاليًا آنذاك، ثم لاذا بالفرار.[235] وكانت العائلة، المكوّنة من والدين وسبعة أطفال، نائمة في مبنىً مجاور. وتظهر مقاطع فيديو سُجلت بعد الحادثة وحلّلتها منظمة العفو الدولية مطبخًا محترقًا، وأضرارًا لحقت بالجدران والنوافذ وسطح المنزل.

كما توثّق مقاطع فيديو سُجلت في الفارسية، وعين سامية، وسوسيا حجم الدمار أو الأضرار التي لحقت بشبكات المياه. بينما تظهر مقاطع أخرى أضرارًا لحقت بأنظمة الطاقة الشمسية في الفارسية وزنوتا.

كما تحقّقت منظمة العفو الدولية من صحة مقاطع فيديو تظهر هدم مدارس أو إلحاق أضرار بها في زنوتا، وعين سامية والصافي في مسافر يطّا، إلى جانب أماكن أخرى.

اعتداءات جسدية وتهديدات ومضايقات

منذ تشكيل الحكومة، ازداد عنف المستوطنين ضراوةً وفتكًا.

أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن 1,277 فلسطينيًا قُتلوا في الضفة الغربية ما بين يناير/كانون الثاني 2023 ونهاية مارس/آذار 2026،[236] وقد قتل المستوطنون 31 منهم، جميعهم باستخدام أسلحة نارية.[237] وفي 14 حالة إضافية لفلسطينيين أبلغ عن مقتلهم خلال هذه الفترة، ظل تحديد هوية المرتكبين الإسرائيليين محل نزاع، الأمر الذي حال دون تمكّن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية من الجزم بما إذا كانوا قٌتلوا على يد مستوطنين أم على يد الجيش الإسرائيلي.[238]

ومع أن الجيش الإسرائيلي يتحمّل المسؤولية عن الغالبية العظمى من حالات قتل الفلسطينيين، فقد ارتفع معدل قتلهم على يد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية إلى أكثر من أربعة أضعاف خلال السنوات الثلاث الأولى في ظل حكومة الائتلاف (2023-2025)، مقارنةً بالسنوات الست السابقة (2017-2022). وتشير بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن المستوطنين الإسرائيليين قتلوا في المتوسط ثمانية فلسطينيين سنويًا في الفترة ما بين 2023 و2025، مقارنةً بأقل من 1.7 حالة قتل سُجّلت سنويًا في السنوات الست التي سبقتها.[239]

وبالمثل، تفيد تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بارتفاع المعدل السنوي لإصابات الفلسطينيين الناجمة عن هجمات المستوطنين منذ بدء عمل الحكومة السابعة والثلاثين، مقارنةً بالفترة ما بين 2017 و2022.[240] وتشير بياناته أيضًا إلى ارتفاعٍ حاد في الإصابات الناجمة عن استخدام الأسلحة النارية.[241] أما الإصابات الأخرى فقد نجمت عن الاعتداءات جسدية، وإلقاء الحجارة، والطعن بالسكاكين، وغيرها من الهجمات.[242]

ووقعت غالبية حالات القتل والإصابات هذه بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل تصاعدٍ حاد في التحريض على الفلسطينيين والدعوة إلى كراهيتهم على يد مسؤولين إسرائيليين وشخصيات عامة مؤثرة [243] بالتزامن مع تخفيف معايير إصدار تراخيص حيازة الأسلحة النارية. 

وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع 21 من السكان الفلسطينيين وأربعة من متطوعي الحضور بهدف الحماية أفادوا بأنهم تعرضوا شخصيًا لعنف جسدي على أيدي المستوطنين، أو كانوا شهودًا عليه. وشملت اعتداءات المستوطنين دفع الفلسطينيين، أو ضربهم بالأيدي أو باستخدام العصي أو أعقاب البنادق، ورشقهم بالحجارة أو توجيه الأسلحة والبنادق نحوهم، وإطلاق النار في الهواء، والطعن بالسكاكين، ومحاولات دهسهم بالمركبات.

ووقعت هذه الهجمات في مناطق الرعي، وفي الحقول الزراعية، وداخل التجمّعات، وحتى في المنازل، وكانت في كثيرٍ من الأحيان مصحوبة بإهانات لفظية، حيث كان المستوطنون يهددون بخنق السكان أو إطلاق النار عليهم أو السيطرة على منازلهم، ويأمرونهم صراحةً بمغادرة تجمّعاتهم.[244] علاوةً على ذلك، دأب المستوطنون على مضايقة الفلسطينيين بتصويرهم دون موافقتهم. وشاهد باحثو منظمة العفو الدولية بأنفسهم مستوطنًا يعتدي جسديًا على فلسطيني في زنوتا، ويوجّه إليه تهديدات.[245]

وفي إحدى الحالات، وصف راعٍ من شِعب البطم لمنظمة العفو الدولية سلسلة من التهديدات والاعتداءات العنيفة التي تعرّض لها في أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2023 وكان الهدف منها إجباره وعائلته على مغادرة قريته.[246] وأفاد بأنه بعد نحو ثلاثة أيام من 7 أكتوبر/تشرين الأول، حضر عدة رجال مسلحين وملثمين إلى منزله ظهرًا. وقال إنه تعرّف على أحد الرجال، وهو حارس أمن يعمل في مستوطنة أفيغال المجاورة، بعدما خاطبه الرجل باسمه.

ووفقًا للراعي، فقد هدّده المستوطن، الذي كان مسلحًا ببندقية، بقتل أطفاله إذا لم يغادر المنطقة. وفي إشارة واضحة إلى قتل إسرائيل المدنيين في قطاع غزة، قال: “أرأيت ما فعلناه بأطفال غزة؟ سنفعل الأمر نفسه بأطفالك”.[247] وعندما سأله الراعي إلى أين يمكنه أن يذهب، أجاب المستوطن: “اذهب إلى يطّا”. بعدما رفض الراعي، طرحه المستوطن أرضًا، وأمره بألا يتحرك، وهدّده مجددًا وقال إنه سيعود في اليوم التالي.

وفي اليوم التالي، عاد المستوطن نفسه، وكان ما زال مسلحًا، وطالب بمعرفة سبب عدم مغادرة الراعي. وعندما أجاب الراعي ساخرًا بأنه سيغادر مقابل منحه أرضًا في تل أبيب، وضع المستوطن فوهة البندقية على صدره، وهدّد بإطلاق النار عليه، ثم طرحه أرضًا. ثم قام بتثبيته، وضغط بالبندقية على صدره، وركله في بطنه أمام أفراد عائلته. وأوضح الراعي:

“عندما وضع بندقيته على صدري وضربني على بطني وهو يمسك بي، كانت بناتي يشاهدن ما يحدث لي ويصرخن“.[248]

بعد هذه الحادثة، قال الراعي إن المستوطن نفسه عاد إلى شِعب البطم مرات عديدة أخرى، وكان يسأل عنه، ما أجبره على الاختباء. وخلال إحدى الزيارات، واجه المستوطن الراعي بينما كان يشعل نارًا على مقربة من منزل والده. طلب منه العودة إلى منزله، ثم وجّه سلاحه نحوه، ورافقه حتى وصل إلى منزله.

وعندما وصلوا إلى المنزل، أجبر المستوطن، الذي كان برفقة مستوطن آخر، الراعي على الاستلقاء أرضًا على وجهه. امتثل الراعي للأمر خوفًا على حياته عندما رأى أن المستوطن الآخر يحمل فأسًا صغيرًا. ثم غطّى المستوطنان رأسه ببطانية وهدداه بالقتل إذا تحرّك. ثم دمّرا خطوط الكهرباء وخزانات المياه حول منزله، وأتلفا الممتلكات الموجودة بداخله، وسرقا معدات زراعية قيّمة. وعندما حاولت زوجة الراعي تصوير الحادثة، حطّم أحد المستوطنين هاتفها وأزال منه شريحة الاتصال.

يظهر هذا الفيديو ثلاثة حوادث ألقى فيها المستوطنون الحجارة واعتدوا على تجمّعات فلسطينية في سوسيا وشِعب البطم في عام 2025.

وتحقّقت منظمة العفو الدولية من صحة مقاطع فيديو توثّق 20 حادثة، سُجّلت بين يناير/كانون الثاني 2023 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025، وتظهر مستوطنين يعتدون جسديًا على سكان فلسطينيين، ويهددونهم، ويضايقونهم في الفارسية، ومكحول، وراس المعرجات، وشِعب البطم، وسوسيا، وزنوتا.[249] وتكشف هذه المقاطع عن نمط من الهجمات التي يشنّها المستوطنون على الرعاة أثناء رعيهم مواشيهم، شملت توجيه إهانات لفظية، والتهديد باستخدام السلاح، والعنف الجسدي باستخدام العصي والحجارة.

كما تظهر مقاطع الفيديو مستوطنين يتعدّون على ممتلكات خاصة ويهاجمون سكانًا داخل منازلهم وفي المساحات المشتركة داخل قراهم أو مخيماتهم. فعلى سبيل المثال، تظهر مقاطع فيديو من سوسيا مستوطنين مسلحين وملثمين يعتدون على سكان فلسطينيين في ثلاث مناسبات منفصلة في مارس/آذار ويونيو/حزيران 2025، ويلقون الحجارة عليهم وعلى ممتلكاتهم.[250] وفي الحادثة التي وقعت في يونيو/حزيران، أٌصيب عدد من السكان، ما استدعى نقل أحدهم إلى المستشفى.[251]

كما اعتدى مستوطنون جنسيًا على رجال فلسطينيين أو حاولوا الاعتداء عليهم جنسيًا، وذلك وفقًا لشهادات شهود عيان وضحايا نُشرت في الإعلام وفي تقارير صدرت عن منظمات غير حكومية.[252]

وتظهر مقاطع مصورة سجّلتها منظمة بتسيلم بتاريخ 4 أغسطس/آب 2024، مستوطنًا يتحرش جنسيًا برجل فلسطيني من وادي الرخيم في تلال جنوب الخليل، ويهدد ضمنيًا باغتصابه.[253] ويبدأ التسجيل بإظهار أربعة مستوطنين يحملون هراوات ويتجهون نحو منزل عائلة فلسطينية.[254] وعند وصولهم يوجهون الشتائم لأفراد العائلة، ويقول أحدهم إن الله قد منحه الأرض، والمنزل، والبئر المجاورة. وبعد نشوب خلاف، يتحرش المستوطن بصاحب المنزل الفلسطيني ويهدد باغتصابه قائلًا: “تبدو نضرًا جدًا، وحلوًا جدًا… سأكون سعيدًا بالجلوس معك في السجن يومًا ما… هل تعرف سديه تيمان؟ اغتصاب باسم الرب، كما يقولون”.[255] كان المستوطن يشير إلى مركز الاعتقال العسكري المعروف باسم سديه تيمان، حيث أظهر تسجيل مسرّب قبل الحادثة بأيام جنودًا يعتدون جنسيًا على معتقل فلسطيني ويغتصبونه جماعيًا.[256] ووفقًا لمنظمة بتسيلم، تواصل السكان والنشطاء الأجانب مع الشرطة أثناء الحادثة، لكن الشرطة لم ترسل عناصرها للمكان ولم تتخذ أي إجراء فوري.

وتُظهر مقاطع فيديو حلّلتها منظمة العفو الدولية أن الفلسطينيين، في عددٍ محدود من الحوادث، قابلوا العنف الجسدي والتهديدات اللفظية الصادرة عن المستوطنين بدفعهم بعيدًا أو تهديدهم أو رمي الحجارة على المستوطنين الذين اعتدوا عليهم، أو محاولة منع المستوطنين الذين كانوا يضربون حيواناتهم بالعصي أو كانوا على وشك ضربها، وذلك بركل العصي. غير أن الانتشار الواسع للأسلحة النارية منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 جعل مثل هذه التهديدات والأفعال محدودة الأثر على المستوطنين. علاوةً على ذلك، وفقًا لأشخاص أجريت معهم مقابلات ومقاطع مصورة جرى تحليلها، في مثل هذه الحالات، غالبًا ما يعتقل الجنود الإسرائيليون الفلسطينيين المشاركين أو يهددونهم بالاعتقال، في حين لا تُفتح تحقيقات مع المستوطنين المسؤولين عن الهجمات والمضايقات.[257]

استهداف سبل العيش ومقوّمات البقاء على قيد الحياة

تاريخيًا، عاشت التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية في الضفة الغربية بالقرب من مصادر المياه والمراعي؛ واعتمدت سبل عيشها اعتمادًا كاملًا على الثروة الحيوانية، مستندةً إلى خبرات متوارثة عبر الأجيال في تربية الأغنام، وإنتاج الألبان، والتجارة.[258] وكانت الأراضي التي اعتادت هذه التجمّعات الرعي فيها قبل الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية مصنّفة كأراضٍ عامة، وأراضي وقف،[259] وأراضٍ مملوكة ملكية خاصة، وأراضي مملوكة ملكية جماعية (مشاع).[260]

ومنذ عام 1967، فرضت السلطات الإسرائيلية قيودًا متزايدة على حرية تنقل هذه التجمّعات وقوّضت قدرتها على الوصول إلى المراعي، نتيجة الاستيلاء على الأراضي والتوسع الاستيطاني. واستخدمت نظامًا تمييزيًا لتصنيف الأراضي، لا يحترم مفهوم الملكية الجماعية والقَبلية، بهدف الاستيلاء على الأراضي التي تقيم فيها غالبية التجمّعات البدوية والرعوية في المنطقة (ج) وترعى فيها مواشيها.[261] حيث صنّفت السلطات الأراضي العامة كأراضي دولة، أو “مناطق إطلاق نار”، أو محميات طبيعية لتسهيل الاستيلاء عليها، غالبًا لصالح المستوطنين الإسرائيليين اليهود حصريًا. وبشكلٍ عام، تظل الأرض غير المسجلة كملكية خاصة، كليًا أو جزئيًا، عرضةً للاستيلاء والمصادرة من جانب السلطات الإسرائيلية.

في أغسطس/آب 2023، خلص تقييم إنساني بقيادة الأمم المتحدة[262] شمل 63 تجمّعًا رعويًا يسكنها نحو 10,000 شخص، إلى حدوث انخفاض ملحوظ في عدد السكان في 24 من التجمّعات (مقارنة بعام 2013)، فضلًا عن تقلّص واسع النطاق في أعداد المواشي ومساحات أراضي الرعي المزروعة.[263] وأفاد نحو 79% من هذه التجمّعات بأنها لم تعد قادرة على الوصول إلى أراضيها بسبب هجمات المستوطنين، في حين أفاد 60% منها بأن هذا التراجع يعود إلى التوسع الاستيطاني في مناطق الرعي أو استيلاء المستوطنين على الأراضي.[264] كما أشار 64% من التجمّعات التي أبلغت عن وجود قيود إدارية إلى أن إعلان الأراضي مناطق عسكرية مغلقة كان سببًا في تقلص مساحة المراعي.[265]

واتّسقت إفادات الفلسطينيين المهجّرين قسرًا الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية مع هذه النتائج. حيث أفادوا بأن المستوطنين دأبوا على مضايقة الرعاة وتهديدهم في مناطق الرعي المفتوحة، وكثيرًا ما اعتدوا عليهم جسديًا وسرقوا مواشيهم. وبدا أن هذه الأساليب تهدف بصورة واضحة إلى منعهم من الوصول إلى مناطق الرعي وحرمان تجمّعات بأكملها من سُبل عيشها، بما يفضي في نهاية المطاف إلى إجبارهم على المغادرة، وبالتالي السماح للمستوطنين بالاستيلاء على أرضهم.[266]

أشجار ملقاة على الأرض
أشجار زيتون مدمرة في شِعب البطم، 27 يوليو/تموز 2025.

وفي الوقت نفسه، دأب المستوطنون على رعي قطعانهم في الأراضي الفلسطينية المزروعة، ما أدّى إلى إتلاف المحاصيل وتدمير الحقول الزراعية عمدًا. ونتيجةً لذلك، منع المستوطنون أو الجنود أو كلاهما الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم لحراثتها أو حصاد محاصيلهم.

وأفاد من أجريت معهم المقابلات بأن الجنود الإسرائيليين غالبًا ما دعموا مثل هذه الاعتداءات،[267] وفي بعض الأحيان، شارك ممثلون عن المجالس الإقليمية للمستوطنات[268] في مضايقة الفلسطينيين. وفي الحالات التي وثّقتها منظمة العفو الدولية، فرضت هذه السلطات المحلية عقوبات قاسية وظالمة على الرعاة الفلسطينيين لرعيهم في أراضٍ خاضعة لاختصاص المجالس الإقليمية للمستوطنات.

وتقاعست الشرطة بصورة متكررة عن التحقيق في أعمال عنف المستوطنين بحق الفلسطينيين، بل اتخذت بدلًا من ذلك إجراءات عقابية بحق الفلسطينيين، شملت الاعتقالات، ومصادرة المواشي، وفرض غراماتٍ كبيرة.[269] 

حلّلت منظمة العفو الدولية 56 مقطع فيديو وصورة تكشف عن نمط مقلق من انتهاكات المستوطنين، شملت مضايقة الرعاة الفلسطينيين في مناطق الرعي التي يفرض المستوطنون سيطرتهم عليها، وصدم القطعان التي يملكها الفلسطينيون بالمركبات عمدًا، واعتداءات جسدية أدت إلى إصابة الحيوانات وتفرّقها في أنحاء التلال. وفي العديد من الحالات، سُرقت حيوانات مملوكة لفلسطينيين، وأحيانًا طُعنت أو قُتلت.

يُظهر هذا الفيديو مستوطنًا إسرائيليًا يقود مركبة دفع رباعي في أرضٍ فلسطينية، ويندفع بسرعة نحو قطيع من الأغنام، متسببًا في تشتيت الحيوانات وتفريقها في ودادي التحتا في تلال جنوب الخليل، في 4 مارس/آذار 2023.

إضافةً إلى ذلك، خلصت منظمة العفو الدولية إلى أن المستوطنين سعوا إلى حرمان الفلسطينيين من سبل عيشهم من خلال التدمير المتعمّد لأراضيهم الزراعية.

وأفاد سكان من عين سامية، ومكحول، وزنوتا بأن المستوطنين اعتادوا إطلاق مواشيهم للرعي في أراضٍ فلسطينية مزروعة، ما أدى إلى إتلاف المحاصيل وتدمير الحقول الزراعية عمدًا.[270] كما تؤكد أدلة فيديو من 10 حوادث في بردلة، وعين سامية، وشِعب البطم، وسوسيا إفادات شهود العيان، حيث تُظهر مستوطنون يرعون قطعانًا أو يقودونها[271] إلى أراضٍ تبدوا مزروعة، ما أدّى إلى إتلاف المحاصيل أو تدميرها، بما في ذلك أشجار الزيتون والأشجار المثمرة. كما تُظهر مقاطع الفيديو شق طرق أو تسييج مناطق بأكملها أو كليهما، بهدف منع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم الزراعية.[272]

البؤر الاستيطانية الرعوية الإسرائيلية

البؤر الاستيطانية الرعوية الإسرائيلية في الضفة الغربية هي بؤر يقيم فيها مستوطنون، وتعمل أيضًا كمزارع يربّي فيها المستوطنون الحيوانات ويرعونها في المناطق المفتوحة. وكغيرها من البؤر الاستيطانية، فهي غير قانونية بموجب القانون الإسرائيلي، فضلًا عن كونها غير قانونية بموجب القانون الدولي. وتعد هذه “المزارع” أداة استراتيجية تُستخدم لتجريد التجمّعات الرعوية الفلسطينية من أراضيها تحت ذريعة التنمية الزراعية.[273] ففي حين تقتصر سيطرة البؤر الاستيطانية “التقليدية” على مساحات صغيرة من الأرض التي تقام عليها، تستولي البؤر الاستيطانية الرعوية على مساحات أكبر بكثير من خلال الرعي.

وقد أوضح زئيف حيفر، رئيس منظمة “أمانا” الاستيطانية،[274] الغاية من هذه البؤر في مقابلة أجراها عام 2024، حيث قال “تمثل حماية المناطق المفتوحة في [الضفة الغربية] المهمة الأساسية لمنظمة أمانا”.[275] كما بيّن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في ديسمبر/كانون الأول 2024 الدور المهم الذي تضطلع به البؤر الاستيطانية الرعوية للاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية، قائلًا: “المزارع أداة استراتيجية فائقة الأهمية للحفاظ على الأرض… يلزمك مُزارع واحد، وألف بقرة، واستثمار زهيد للغاية، ويمكنك الاحتفاظ بـ40,000 دونم… وأقدّر أنه خلال بضعة أشهر سيكون هناك آلية تسمح بتسوية أوضاع الغالبية العظمى من المزارع. وستتيح هذه الآلية الاستثمار، وتنظيم البنى التحتية للمياه والكهرباء، والاستفادة من مِنَح الرعي.[276]

في عام 2022، خلص تقرير صدر عن منظمة “كِرم نابوت”، وهي منظمة غير حكومية تُعنى بمراقبة وبحث سياسات الأراضي التي تنتهجها السلطات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى أن البؤر الاستيطانية غير القانونية في شتى أنحاء الضفة الغربية كانت تسيطر على حوالي 240,000 دونم، أي ما يعادل نحو 7% من مساحة المنطقة (ج) (4% من مساحة الضفة الغربية بأكملها).[277] وبحلول نهاية عام 2024، اتّسعت مساحة سيطرة البؤر الاستيطانية إلى نحو 746,000 دونم، أي ما يشكّل 22% من مساحة المنطقة (ج) (13% من مساحة الضفة الغربية)، وذلك وفقًا لتقرير مشترك صادر عن منظمة السلام الآن ومنظمة كِرم نابوت.[278] وقدّرت المنظمتان أنه في غضون سنتين ونصف فقط، استولى المستوطنون الإسرائيليون على 70% من مجموع الأراضي التي استولوا عليها منذ تسعينيات القرن الماضي، وذلك من خلال إقامة البؤر الاستيطانية الرعوية.[279] وكشف التقرير أن الدولة الإسرائيلية تدعم مستوطني البؤر الرعوية من خلال “عقود تخصيص الأراضي”، التي سهّلت نقل السيطرة على عشرات الآلاف من الدونمات المصنفة بوصفها مناطق “إطلاق نار” عسكرية، ومحميات طبيعية، و”أراضي دولة”، فضلًا عن أراضٍ فلسطينية بملكية خاصة، إلى حيازة البؤر الاستيطانية الرعوية.[280] ويشكّل تخصيص إسرائيل أراضٍ لسكانها الذين نُقلوا بصورة غير قانونية إلى الأرض المحتلة انتهاكًا سافرًا للقانون الدولي.

وأوضح رشيد خضيري، وهو مزارع من بردلة في الأغوار الشمالية، ومنسق في حملة أنقذوا الأغوار، الكيفية التي تتم بها عمليات الاستيلاء: “قد تبدو البؤر الرعوية صغيرةَ المساحة، لا تحتل سوى بضعة دونمات لكلّ بؤرة، لكنها في الواقع تستولي على مساحاتٍ شاسعة من الأرض للرعي… فقد استولى مستوطن من بؤرة استيطانية بالقرب من قرية بردلة عمليًا على 500 دونم بين عامي 2024 و2025 بجلب أبقاره للرعي فيها، وفي الوقت نفسه منعنا من الوصول إلى هذه الأرض التي نعتمد عليها لكسب رزقنا”.[281]

تقييد الوصول إلى مناطق الرعي

خلال السنوات الأخيرة، كادت مناطق الرعي التي تعتمّد عليها التجمّعات الفلسطينية الرعوية في المنطقة (ج) تختفي نتيجة التوسع غير القانوني للمستوطنات والبؤر الاستيطانية، وعنف المستوطنين، وإعلان مناطق عسكرية مغلقة، وهي إعلانات غالبًا ما تفرضها السلطات الإسرائيلية عقب وقوع مواجهات بين الفلسطينيين والمستوطنين.[282]

وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات مع ثمانية من السكان وصفوا حوادث متعددة من الاعتداءات الجسدية، والتهديدات، والمضايقات التي تعرّضوا لها أثناء رعي ماشيتهم في مناطق مفتوحة بالقرب من تجمّعاتهم، بما في ذلك في القبّون، وعين الحلوة، وعين سامية، ومكحول، وراس المعرجات، وراس عين العوجا، وسوسيا، وزنوتا. كما وصف تسعة من السكان حوادث أبلغهم فيها المستوطنون والجنود بأنه لا يُسمح لهم بالتواجد في المناطق التي يرعون فيها، وأمروهم بالمغادرة.[283] ووثّقت منظمة العفو الدولية حوادث مشابهة في أنحاء تلال جنوب الخليل وتجمّعات أخرى في الأغوار الشمالية. كما تُظهر مقاطع فيديو موثّقة تتعلق بـ17 حادثة وقعت في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 و ديسمبر/كانون الأول 2025 مستوطنين يمنعون فلسطينيين من الوصول إلى مناطق الرعي الواقعة في محيط تجمّعاتهم.[284]

وشملت الأساليب المستخدمة تسييج مناطق وإنشاء بؤر استيطانية بالقرب من التجمّعات الفلسطينية؛ والادعاء بملكية مناطق الرعي؛ وقيادة المركبات بمحاذاة القطعان أو نحوها؛ وترهيب الرعاة؛ والاستعانة بالشرطة والجيش للتدخل ومنع الفلسطينيين من الرعي.

وأفاد الأشخاص الذين أُجريت معهم مقابلات بأنهم تعرضوا للضرب على أيدي أفراد أو مجموعات من المستوطنين بأعقاب البنادق، واللكمات، وإلقاء الحجارة، وإطلاق النار في الهواء، والطعن، والتهديد بإطلاق النار أو الخنق. وقد أسفرت عدة هجمات عن إصابات بالغة في صفوف السكان الفلسطينيين، من بينها كسور في العظام. ورغم أن هذه الحوادث استهدفت بالمقام الأول رجالًا فلسطينيين، وثّقت منظمة العفو الدولية حادثة واحدة على الأقل وقعت في مكحول في مطلع عام 2024، اعتدى فيها المستوطنون على فتىً يبلغ من العمر 15 عامًا (انظروا أدناه).[285] وتحدّث الرجال والنساء على حدٍ سواء عن الآثار النفسية لهذا العنف، إذ أفاد الرجال بأنهم يخشون التعرض للاعتداء في كل مرة يغادرون فيها لرعي مواشيهم، فيما قالت النساء إنهن يعشن في قلقٍ دائم على سلامة الرجال.

ووفقًا لعدد من الرعاة، ادّعى المستوطنون الذين اعتدوا عليهم أن مناطق الرعي خُصّصت لهم بموجب القانون الإسرائيلي وأن الفلسطينيين لا يحق لهم دخولها.[286] وقال آخرون إنهم لم يتلقّوا أي تفسير، لكنهم باتوا يعلمون من واقع تجربتهم أن تجاوز مسافة معينة بعيدًا عن تجمّعهم من شأنه أن يستدعي ظهور المستوطنين واعتداءهم عليهم.[287]

قال يوسف بشارات، وهو راعٍ من تجمّع مكحول يبلغ من العمر 46 عامًا، إنه بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 تعرّض لتهديدات مستمرة من مستوطنين يقيمون في المستوطنات والبؤر الاستيطانية المحيطة، لا سيّما من مستوطن بعينه أقام بؤرة استيطانية في منطقة السويدة المجاورة. وأوضح لمنظمة العفو الدولية قائلًا:

“كل يوم أخاطر أنا وأغنامي، بحثًا عن مرعىً جيد. لكنني بالكاد أتمكّن من الرعي لساعة أو ساعتين قبل أن يأتوا إليّ. يعتدون علي، ويضربونني، ويضربون حتى أطفالي. في وقتٍ سابق من هذا العام، اعتدى [المستوطن المقيم في سويدة] على ابني الذي لا يتجاوز عمره 15 عامًا. ذهني منشغل بالقلق طوال الوقت. طرح ابني أرضًا، وقال له بالعربية، ‘سأخنقك’“. [288]

قال يوسف بشارات إن المستوطن نفسه حذره في وقت لاحق ذلك اليوم بأنه سيطلق النار عليه في حال عاد مرة أخرى إلى منطقة الرعي. [289]

وحلّلت منظمة العفو الدولية أربعة مقاطع فيديو وصورًا نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي في عامي 2023 و2024 تُظهر مستوطنين إسرائيليين يستهدفون قطعانًا يملكها أحد أفراد عائلة بشارات، بما في ذلك حوادث أصاب فيها مستوطنون حيوانات، وسرقوا قطعانًا، وعرقلوا الوصول إلى المراعي، وذلك أحيانًا بدعمٍ من جنود ورجال يرتدون زيًا عسكريًا.[290]

وتكشف ثلاث حوادث وقعت في قرية شِعب البطم، التي يسكنها نحو 300 فلسطيني في مسافر يطّا جنوب مدينة الخليل، كيف يبث المستوطنون الرعب في نفوس السكان ويرهبونهم. وفي مقطع فيديو سُجّل في 15 مارس/آذار 2024، يظهر مستوطنون يضايقون راعٍ فلسطيني ويطاردون أغنامه.[291] وفي مقطع فيديو ثانٍ نُشر في 21 يوليو/تموز 2025، يظهر مستوطن إسرائيلي يرعى أغنامه حول منازل الفلسطينيين ومناطق الرعي التابعة لهم في شِعب البطم.[292] أما في مقطع فيديو ثالث، نُشر في 4 أغسطس/آب 2025، فيظهر مستوطن إسرائيلي مسلح وهو يُطلق أغنامه بالقرب من منزل أحد السكان الفلسطينيين في القرية نفسها.[293]

وأفاد الرعاة في جميع المناطق التي زارتها منظمة العفو الدولية بأن مضايقات المستوطنين وهجماتهم تعني أنهم لم يعودوا قادرين على الرعي إلا في مناطق محدودة للغاية بالقرب من تجمّعاتهم، وهي مساحات لا توفّر ما يكفي لتغذية ماشيتهم، ما يضطرهم إلى شراء الأعلاف بتكاليف تفوق قدرتهم. وللتأقلم مع ذلك، يبيع كثير منهم جزءًا من قطعانهم كلما اشتروا الأعلاف، أو يذبحون المواشي مبكرًا، ويعيشون هكذا في حالة ضيق وأزمة دائمة، بينما تبقى بالقرب منهم مساحات خضراء شاسعة لا يمكنهم الوصول إليها. وقال راعٍ من مكحول لباحثي منظمة العفو الدولية أثناء زيارة أُجريت في فبراير/شباط 2024: “انظروا إلى هذه الأرض، إنه الربيع، أفضل موسم للرعي، وكل هذه الأراضي الخضراء قريبة جدًا منا لكننا لا نستطيع الوصول إليها…”[294]

قتل المواشي وسرقتها ومصادرتها

تعتبر التجمّعات الفلسطينية الرعوية قطعانها أثمن ما تملك، وأكثر ما يعرّضها للخطر في آنٍ واحد. ومنذ عام 2023، استغل المستوطنون هذه الاعتمادية لدفع التجمّعات الفلسطينية إلى مغادرة أراضيها.[295]

وتكشف مقابلات أُجريت مع 18 راعيًا فلسطينيًا وأحد متطوعي الحضور بهدف الحماية، إلى جانب تحليل أدلة فيديو من 13 حادثة وقعت في أنحاء المنطقة (ج)، عن نمط متواصل من هجمات المستوطنين على عدة تجمّعات فلسطينية، شملت سرقة الحيوانات، أو مصادرتها، أو إلحاق الأذى بها، أو قتلها بهدف حرمان أصحابها من مصدر دخلهم الأساسي، ومن ثم تهجيرهم قسريًا.[296]

وتُظهر ثلاثة حوادث وثقتها منظمة العفو الدولية أن الشرطة والجيش الإسرائيليين، بما في ذلك الإدارة المدنية، استخدموا مصادرة المواشي، أو التهديد بمصادرتها، وسيلة لمنع السكان المهجّرين من العودة إلى منازلهم أو الوصول إلى مناطق الرعي.

وما بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 ومطلع عام 2024، أبلغ سكان من مكحول وعين سامية عن عدة حوادث سرقة للأغنام ارتكبها مستوطنون.[297] وفي يوليو/تموز وأغسطس/آب 2025، في حادثتين أُبلغت بهما منظمة العفو الدولية في قرية كفر مالك، نصب مستوطنون كمائن لرعاةٍ كانوا يرعون مواشيهم في الصباح الباكر. حيث اعتدوا عليهم بالضرب، وهدّدوهم بالسلاح، وأجبروهم على الفرار، ثم سرقوا مواشيهم. وأسفرت الحادثتان عن سرقة قطعان بأكملها، ضم أحدها 200 رأسًا من الأغنام. ورغم أن مالك القطيع أبلغ الشرطة بالحادثة، لم يتلقّ أي رد، دون أي إشارة تدل على المتابعة أو اتخاذ أي إجراء.[298]

ووصف أيمن عبد الجليل كيف استولت مجموعة من المستوطنين على قطيعه بالكامل المكون من 80 رأسًا من الأغنام، وذلك أثناء رعيهم بالقرب من قرية كفر مالك في 8 يوليو/تموز 2025:

“خرجت بالمواشي إلى الرعي وحدي في التلة الواقعة خلفنا، عندما رأيتهم. وجدتهم [المستوطنين] هناك، وكأنهم كانوا بانتظاري. كانوا ستة مستوطنين، اثنان منهم مسلحان ويصوبان مسدسيهما نحوي. حاولوا الإمساك بي، ولو لم أتمكن من الهرب، فلا أعرف ماذا كانوا سيفعلون. هربت للنجاة بحياتي، واستولوا على أغنامي. “لم أستطع فعل أي شيء“.[299]

كما وثّقت منظمة العفو الدولية أربع حوادث تعمّد فيها مستوطنون إيذاء الحيوانات، أو محاولة قتلها، أو قتلها بالفعل. ووقعت ثلاث من هذه الحوادث بالقرب من مكحول أو على أرض فلسطينية خاصة بالقرب من زنوتا في الفترة ما بين يوليو/تموز 2023 ويناير/كانون الثاني 2025. وشملت قيام مستوطنين بدهس الأغنام عمدًا بمركباتهم ورشقها بالحجارة، وذلك وفقًا لإفادات السكان الذين أجريت معهم مقابلات.[300] ويؤكد مقطع فيديو موثق بتاريخ 21 يوليو/تموز 2023 شهادات السكان الذين أجريت معهم مقابلات في مكحول. حيث يُظهر أشخاصًا عرّفهم السكان بأنهم مستوطنون يقودون مركبة دفع رباعي باتجاه قطيع من الأغنام، بينما كان راعٍ فلسطيني يعيد القطيع من الرعي على طول طريق ترابي بالقرب من القرية.[301]

وفي الحادثة الرابعة الأكثر وحشية، في 17 يوليو/تموز 2025، أطلق المستوطنون النار وطعنوا عمدًا 180 إلى 200 من الأغنام في تجمّع حمّامات الميتة، وهو تجمّع صغير في الأغوار الشمالية، حيث قتلوا حوالي 120 منها. وروت متطوعة في حركة التضامن الدولية (ISM)[302] وصلت إلى المنطقة ليلًا برفقة نشطاء أجانب وإسرائيليين آخرين كانوا يعملون على توفير الحماية للتجمّع، لمنظمة العفو الدولية، أنه بحلول ذلك الوقت كانت مجموعة مكونة من 20 إلى 30 مستوطنًا قد داهمت منزل إحدى العائلات، واستولت على قطيعها بالكامل الذي كان يضم نحو 300 رأس من الأغنام. وقالت المتطوعة إن الجنود الإسرائيليين منعوها والمتطوعين الآخرين من الاقتراب من موقع الحادثة.

وأخبرت منظمة العفو الدولية أنها رأت طوال الليل ما لا يقل عن ست مركبات جيب عسكرية متمركزة بالقرب من التجمع. وعندما غادر الجيش، حوالي الساعة 4 أو 5 فجرًا، تمكنت من الدخول إلى التجمع لتجد ممتلكات العائلة متناثرة حول مخيمها. وعندما تجوّلت في المناطق المفتوحة المحيطة بالموقع مع المتطوعين الآخرين وأفراد من العائلة، رأوا ما لا يقل عن 120 رأسًا من الأغنام قُتلت طعنًا أو بأعيرة نارية؛ فيما كان نحو 60 منها مصابًا.[303] وحللت منظمة العفو الدولية 40 مقطع فيديو وصورة شاركها متطوعو حركة التضامن الدولية تتعلق بحادثة تجمع الميتة، وتظهر الحيوانات داخل حظائر وفي حقول مفتوحة وتظهر عليها آثار طعنات ودماء واضحة. وفي بعض الحالات، كانت الحيوانات ساكنة تمامًا، بما يشير إلى أن إصاباتها كانت قاتلة.[304]

وتُظهر أدلة فيديو إضافية من مناطق أخرى في الأغوار الشمالية مثل الفارسية وكذلك في تلال جنوب الخليل، بما في ذلك زنوتا وثلاث قرى أخرى في مسافر يطّا، مستوطنين يقودون مركباتهم وسط قطعان من الأغنام[305] والإوز،[306]  ويركلون الحيوانات أثناء رعيها،[307] ويضايقون المواشي،[308] ويعتدون جسديًا على الرعاة الفلسطينيين بالعصي والحجارة،[309] ويحاولون الاستيلاء على أغنام من عائلة فلسطينية، مدّعين ملكيتهم للحيوانات.[310]

خروف وحمار يقفان بجانب حيوان مصاب
حيوانات مصابة داخل حظيرة في حمّامات الميتة في الأغوار الشمالية، في أعقاب هجوم نفّذه مستوطنون في 17 يوليو/تموز 2025، أطلقوا خلاله النار عمدًا على 180 إلى 200 من الأغنام وطعنوها.

وتشير ثلاث حوادث موثقة في عين الحلوة، وعين سامية، وراس المعرجات وقعت في الفترة ما بين مايو/أيار 2023 ومطلع عام 2024 إلى استخدام السلطات الإسرائيلية مصادرة المواشي كأداة لإكراه الفلسطينيين على التهجير القسري. ويؤكد ذلك تقارير صادرة عن منظمات أخرى؛ فعلى سبيل المثال، سجّلت منظمة بتسيلم 61 حادثة أقدم فيها مستوطنون على إيذاء حيوانات أو سرقتها من تجمّعات تواجه خطر التهجير القسري في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وديسمبر/كانون الأول 2025.[311]

وفي راس المعرجات، وصلت الشرطة الإسرائيلية إلى منزل راعٍ فلسطيني بصحبة مستوطنين، حيث وسموا عددًا من أغنامه بعلامات إسرائيلية ثم أخذوها دون تقديم أي تفسير.[312]

وعلاوةً على ذلك، هدّدت الإدارة المدنية والمستوطنون الرعاة الفلسطينيين بالاستيلاء على مواشيهم للضغط عليهم وإجبارهم على المغادرة. ففي عين سامية، غادر راعٍ التجمّع في مايو/أيار 2023 بعدما حذرته الإدارة المدنية من أن أغنامه ستُصادر إذا واصل العيش في كهف عقب هدم منزله.[313]

استهداف سبل العيش عبر اتهامات بالسرقة

وثّقت منظمة العفو الدولية حالات في الأغوار الوسطى وتلال جنوب الخليل عمد فيها المستوطنون إلى مضايقة التجمّعات الفلسطينية الرعوية من خلال اتهام سكانها بسرقة الأغنام، لتبرير مداهماتهم العنيفة ومصادرة الحيوانات، وأحيانًا بمشاركة جنود إسرائيليين أو أفراد من الشرطة الإسرائيلية. ووصف ستة أشخاص ممن أُجريت معهم مقابلات في عين سامية وراس عين العوجا وراس المعرجات وزنوتا ما لا يقل عن أربع حوادث وقعت بين عامي 2023 و2025،[314] داهم خلالها المستوطنون تجمّعاتهم، زاعمين أنهم بصدد التعامل مع واقعة سرقة. 

وفي هذه الحالات، حضرت الشرطة إما منذ بداية الحادثة برفقة المستوطنين، أو لاحقًا استجابةً لاتصالاتٍ من المستوطنين أو من السكان المتهمّين. وفي جميع الحالات، أسفرت استجابة الشرطة عن اتخاذ تدابير عقابية بحق الفلسطينيين، شملت اعتقال الأشخاص الذين اتهمهم المستوطنون، أو مصادرة أغنامهم، أو فرض غرامات عليهم، أو مداهمة منازلهم. وأفاد بعض الأشخاص بأنهم تعرّضوا لعدد من هذه التدابير أو جميعها.

وقد خضع الفلسطينيون لمثل هذه الإجراءات العقابية من دون أي إجراءات قانونية أو أدلة قاطعة، استنادًا حصرًا إلى مزاعم المستوطنين بأنهم سرقوا أغنامهم. وتشير الإفادات المتشابهة التي قدمها سكان بشكلٍ مستقل في أربعة مواقع مختلفة إلى وجود نمط يتمثل في مضايقة المستوطنين للفلسطينيين من خلال اتهامهم بالسرقة.

فعلى سبيل المثال، داهمت مجموعة من المستوطنين المسلحين تجمّع راس عين العوجا في فبراير/شباط 2024، وكان أفرادها يستقلون مركبات الدفع الرباعي ويمتطون الخيل.[315] ووفقًا لمقابلات أُجريت مع أربعة من السكان، وصل المستوطنون إلى منزل العائلة بصحبة مركبة عسكرية تقلّ جنودًا، مدّعين أن خروفًا بعينه كان قد سُرق. وأفاد الراعي الفلسطيني المتهم بأنهم ظلوا في المكان لمدة أربع ساعات تقريبًا، يتهمونه بالسرقة ويرفضون المغادرة.

وعندما وصلت الشرطة في نهاية المطاف، أشار الراعي إلى علامة الملكية الفلسطينية المثبتة في أذن الخروف، وشرح حالته الصحية، وذكر اسم مالكه السابق لإثبات ملكيته له. وقال إنه بعدما رفضت الشرطة والمستوطنون قبول براهينه، بدأ يشعر بالخوف على أمن التجمّع، لا سيّما أن المستوطنين كانوا يحملون بنادق: “أدركت أنهم هناك بهدف القتل،” وفي النهاية عرض التخلّي عن الخروف:

“قلت لضابط الشرطة: ‘أتعلم؟ ما رأيك أن أتخلى عن هذا الخروف؟ هذا الخروف لنا، ويمكننا الاستغناء عنه. فقط اجعل هؤلاء الأشخاص يتركوننا وشأننا… لا نريد أن نخسر أحدًا’“.

وعندما تطوّع شقيقه لإحضار الخروف، ضربه أحد المستوطنين بعقب بندقيته على رأسه. ووفقًا للراعي، أخذ المستوطنون الخروف، ثم اعتقلته الشرطة، معتبرةً أن موافقته على التخلي عن الخروف تعدّ اعترافًا منه بارتكاب السرقة. كما أفاد شاهدان من التجمّع بأن المستوطنين ظلّوا في المكان واعتدوا جسديًا على عدد من السكان، من بينهم امرأة دفعوها بعنف، ما تسبب في كسر ساقها.[316] واحتُجز الراعي لثلاث ساعات ثم أطلق سراحه بكفالة قدرها 1,000 شيكل إسرائيلي (نحو 320 دولار أمريكي) بتهمة سرقة الخروف.[317]

دور القوات والسلطات الإسرائيلية في عنف المستوطنين

عندما رأى المستوطنون أن عددًا كبيرًا من الأشخاص حضر للدفاع عن القرية، تراجعوا خلف الجنود الذين تقدّموا وبدأوا بإطلاق النار علينا.

منتصِر المالكي، كفر مالك.[318]

على مدى سنوات، تقاعست القوات والسلطات الإسرائيلية عن منع عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، أو غضّت الطرف عنه، أو سهّلته، أو شاركت فيه مباشرةً. وفي ظل الحكومة السابعة والثلاثين، بلغ هذا الدعم مستويات جديدة.

ردًا على رسالة وجّهتها منظمة العفو الدولية إلى وزارة الدفاع طلبًا للمعلومات بشأن ما إذا كان الجيش الإسرائيلي يتخذ أي إجراءات لحماية التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية من أعمال عنف المستوطنين ومضايقاتهم، أوضحت وحدة المتحدث باسم الجيش أن إجراءات إنفاذ القانون التي يتخذها الجيش تهدف في المقام الأول إلى حماية المدنيين الإسرائيليين، حتى وإن كانت مهمته تحقيق الأمن للجميع. وأفادت: “إن مهمة جيش الدفاع الإسرائيلي هي ضمان أمن جميع سكان يهودا والسامرة [الضفة الغربية]، الفلسطينيين والإسرائيليين على حدٍ سواء، والعمل على إحباط الإرهاب وإنفاذ القانون وإرساء النظام في أنحاء يهودا والسامرة لحماية أمن المدنيين الإسرائيليين”.[319]

كما أكّدت وحدة المتحدث باسم الجيش أن القوات الإسرائيلية تتصدّى لهجمات المستوطنين على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وأنها تحتجز المشتبه بهم، متى اقتضى الأمر، إلى حين وصول الشرطة، وذكرت أنه: “في حال تلقي أي بلاغ بشأن وقوع احتكاك بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو بشأن حوادث تنطوي على اعتداء يرتكبه مدني إسرائيلي، تُرسَل قوات الجيش الإسرائيلي إلى موقع الحدث. وفي كل حادثة تنطوي على احتكاك أو اعتداء، يُتوقع من الجنود الإسرائيليين العمل على تفريق المتورطين واستعادة النظام في المنطقة، بما في ذلك في حالات العنف أو محاولات طرد الرعاة، كما يتعامل الجنود مع الحوادث الاستثنائية وفقًا للإجراءات المعمول بها”.[320]

غير أن الأدلة التي وثّقتها منظمة العفو الدولية وحلّلتها تظهر واقعًا مختلفًا عن ادّعاءات وزارة الدفاع.

المشاركة في الهجمات وتيسيرها

كثيرًا ما تظهر قوات الجيش الإسرائيلي في مواقع هجمات المستوطنين، وأحيانًا تصل إلى المكان برفقة المستوطنين أو بعد بدء الهجمات. وتتراوح طبيعة مشاركتها بين الامتناع عن اتخاذ أي إجراء لحماية الفلسطينيين الذين يتعرضون للهجمات، أو تسهيل هذه الهجمات، أو المشاركة الفاعلة فيها.[321]

وقد اشتد عنف المستوطنين واتّسعت رقعة تأثيره بسبب الدور الداعم والمتواطئ الذي يؤديه الجيش الإسرائيلي. وقال فلسطينيون مهجّرون لمنظمة العفو الدولية إن وجود الجيش أثناء الهجمات أسهم في اتخاذهم قرار المغادرة.

وتحدثت منظمة العفو الدولية مع 14 من السكان الفلسطينيين الذين رووا تفاصيل 13 حادثة كان الجنود الإسرائيليون خلالها حاضرين أو مشاركين في هجمات استهدفت أفرادًا أو تجمّعات في الحديدية، والميتة، وإبزيق، وعين الحلوة في الأغوار الشمالية؛ وفي عين سامية وراس المعرجات، وراس عين العوجا في الأغوار الوسطى؛ وفي زنوتا جنوب مدينة الخليل. وقالوا إن الجنود الإسرائيليين كانوا يحضرون إلى مناطق الرعي لطرد الرعاة الفلسطينيين دون تقديم أي تفسير، وكانوا يهددونهم أحيانًا بإطلاق النار عليهم أو بمصادرة مواشيهم.[322]

وفي ثلاث حالات موثّقة، وصل الجنود الإسرائيليون إلى مواقع هجمات المستوطنين ووقفوا متفرجين، ما سمح للمستوطنين بالاعتداء على الفلسطينيين.[323] ففي راس عين العوجا، على سبيل المثال، في مطلع عام 2024، أطلق الجنود النار في الهواء من مسافة بعيدة، بينما كان المستوطنون يعتدون على منزلٍ فلسطيني ويسرقون خروفًا، الأمر الذي سمح لهم بمواصلة اعتدائهم دون رادع. وأوضح أحد السكان: “بدلًا من إبعاد المستوطنين عنا أو اعتقالهم، أطلقوا النار في الهواء”.”[324]

وفي أربع حالات موثّقة أخرى، داهم الجنود تجمّعات برفقة المستوطنين، ما يشير إلى وجود تنسيق مسبق بينهم. واستنادًا إلى إفادات من أُجريت معهم مقابلات، شكّل وجودهم نوعًا من الدعم، سواء من على بعد أو من خلال حماية المستوطنين مباشرة من أي دفاعٍ عن النفس أو ردّ فعلٍ فلسطيني محتمل أثناء الاعتداءات.

فعلى سبيل المثال، أفادت عائلة من عين الحلوة لمنظمة العفو الدولية بأنه خلال مداهمة منزلها في عام 2023، قبل تصعيد أكتوبر/تشرين الأول، حضر الجنود برفقة المستوطنين ولكنهم لم يفعلوا شيئًا لمنعهم من تخريب المنزل. بل أخرج الجنود العائلة من منزلها، وطلبوا منها “الهدوء” بينما دمّر المستوطنون متعلقات العائلة، بما في ذلك الملابس المغسولة، والفِراش، والأطباق وأواني الطهي، وسكبوا الزيت والدقيق.[325]

وتؤكد أدلة فيديو حللتها منظمة العفو الدولية إفادات من أجريت معهم المقابلات. على سبيل المثال، في حادثة وقعت في 19 يوليو/تموز 2024، تظهر مقاطع فيديو سجّلها باحث ميداني تابع لمؤسسة الحق مجموعة من المستوطنين الملثمين يعتدون على أفراد من عائلة النجار أثناء جلوسهم أمام منزلهم في شِعب البطم.[326] وقد اعتدى المستوطنون على أفراد الأسرة بالعصي، ما أدى إلى سقوط رجل وامرأة أرضًا. وخلال الاعتداء يُسمع صوت رجل فلسطيني يصرخ بالعبرية “يا جندي، يا جندي”، في ما يبدو أنها استغاثة طلبًا للحماية. ولم يتدخل أحد الجنود إلا بعد إلقاء بضعة حجارة صغيرة باتجاه المستوطنين. وبينما كان المستوطنون يغادرون المكان، أطلق الجندي النار في الهواء ووجّه سلاحه نحو السكان الفلسطينيين.[327] ويظهر مقطع آخر من الفيديو نفسه، سُجّل قبل وقوع الهجوم، الجندي نفسه يرافق مستوطنين ملثمين يحملون عصيًا وهم يصعدون أعلى التلة باتجاه المنزل الفلسطيني. وبدلًا من إيقافهم، يسمح لهم الجندي بالتجول حول المنزل وترهيب السكان.

وأبلغ أفراد من العائلة منظمة العفو الدولية بأن المستوطنين اتهموهم زورًا بالاستيلاء على أغنامهم أثناء الرعي، لكنهم لم يقدموا أي دليل يثبت ادعاءاتهم.[328] وقد احتاجت امرأة تبلغ من العمر 62 عامًا وابن أخيها البالغ 38 عامًا إلى تلقي العلاج الطبي لإصابات نجمت هذا الاعتداء.

مقطع فيديو سجّله باحث ميداني تابع لمؤسسة الحق يظهر مجموعة من المستوطنين الملثمين يعتدون على أفراد من عائلة النجار أثناء جلوسهم أمام منزلهم في شِعب البطم.

وردًا على رسالة منظمة العفو الدولية[329] التي استفسرت عن هذه الحالة، أفادت وحدة المتحدث باسم وزارة الدفاع بأن الجندي وصل إلى المنطقة عقب بلاغ من مواطن إسرائيلي قال فيه إنه “تعرض لاعتداء وسُرق منه عدد من الأغنام”. وزعمت الوحدة أنه “أُلقيت حجارة على الجندي، فردّ بتنفيذ إجراء توقيف مشتبه به، شمل إطلاق عيار نار واحد تحذيري في الهواء. وأٌلقي القبض على مشتبه به فلسطيني ونُقل إلى الشرطة الإسرائيلية لاستكمال الإجراءات”. ولم يتطرق الرد إلى حقيقة أن الجندي رافق المستوطنين إلى المنزل رغم أنهم كانوا ملثمين ويحملون عصيًا، الأمر الذي أتاح تنفيذ الهجوم، كما لم يُشر إلى فتح تحقيق بشأن تصرفات الجندي.[330]

كما توثق أدلة فيديو جنودًا يقفون متفرجين على هجمات أو يسهّلون وقوعها، عطّل المستوطنون خلالها البنية التحتية الفلسطينية للمياه والكهرباء أو ألحقوا أضرارًا بها، بما في ذلك حوادث صُوّرت في قرية أم الخير في عامي 2024 و2025.[331] وفي فيديو نُشر في 4 يوليو/تموز 2024، تظهر مجموعة من المستوطنين وهي تقطع إمدادات المياه عن القرية، بينما يقف جندي إلى جانبهم، ينظر إلى هاتفه، دون أن يتدخل.[332] وفي مقاطع فيديو أخرى نُشرت في 15 سبتمبر/أيلول 2025، يقف جنود متفرجين بينما كانت جرافات تقطع خطوط المياه والكهرباء، ما أسفر عن حرمان السكان الفلسطينيين في القرية من الوصول إلى المياه.[333]

كما أساء الجنود الإسرائيليون استخدام السلطات الواسعة المخوّلة لهم بموجب الأوامر العسكرية التي تجيز لهم دخول المنازل الفلسطينية الخاصة في أي ساعة وبدون أمر قضائي إذا توفر سبب يدعو للاشتباه في أن تلك المنازل استُخدمت أو تستخدم للإضرار بالأمن العام أو النظام العام.[334] وفي حالتين موثقتين، نفّذ الجنود عمليات تفتيش عنيفة دون تقديم أي تفسير، وهدّدوا السكان وأرهبوهم، ومنعوهم من استخدام مناطق الرعي بالقرب من مستوطنة.

وقد تعرّض السكان لعمليات التفتيش بوصفها شكلًا من أشكال المضايقة لدفعهم إلى مغادرة أراضيهم. وقالت امرأة كبيرة بالسن من الحديدية لمنظمة العفو الدولية إن مجموعة من الجنود الإسرائيليين دخلوا مأوى عائلتها في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أثناء مطاردتهم عدد من الشبان الفلسطينيين في الجوار.[335] ودفعها أحد الجنود بقوة في صدرها وصوّب سلاحه نحوها بعدما التقطت أنبوبًا حديديًا للدفاع عن نفسها. ثم هدّدها جندي آخر باللغة العربية، قائلًا، “كوني حذرة بقربي، أنا مجنون”. وقبل مغادرتهم، حذّر الجنود العائلة من رعي مواشيها بالقرب من مستوطنة “روعي” المجاورة، ثم أخبروهم أن يغادروا المنطقة. وعندما سألت المرأة إلى أين يذهبون، أجاب الجندي: “اذهبوا إلى الأردن”. وبعد وقت قصير من هذه الحادثة، أُدخلت المرأة المستشفى مرتين بسبب أزمة قلبية.[336]

كما وصف ثلاثة آخرون ممن أجريت معهم مقابلات حوادث تعمّد فيها الجنود منع السكان أو متطوعي الحضور بهدف الحماية من الوصول إلى مواقع عنف المستوطنين، ما سمح باستمراره.[337]

وفي زنوتا، أفاد أحد السكان الفلسطينيين لمنظمة العفو الدولية بأنه، في مطلع عام 2025، منعه الجنود الإسرائيليون هو ومتطوعين دوليين من الوصول إلى مزرعة كان المستوطنون يعتدون فيها على المزارعين الفلسطينيين، رغم أن هؤلاء المزارعين كانوا قد حصلوا على موافقة وتنسيق أمني من السلطات الإسرائيلية للحصاد في ذلك اليوم. وكان أفراد المجموعة يعتزمون مراقبة الوضع، لكن الجنود أوقفوهم مدّعين أن الأجانب غير مسموح لهم بدخول زنوتا، مستندين إلى حكم قضائي يقيد دخول غير المقيمين إلى المنطقة.[338] وعلى الرغم من أن هذا الحكم كان يهدف إلى وقف مضايقات المستوطنين، اقتصر تطبيقه على المتطوعين الأجانب، بينما سُمح للمستوطنين بمواصلة هجماتهم على المزارعين.

حدود ضبابية: مستوطنون أم جنود؟

في أعقاب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبح الفاصل بين الجيش الإسرائيلي والمستوطنين، الذي كان أصلًا غير واضح، أكثر ضبابية نتيجة قرار إسرائيل تزويد آلاف المستوطنين بالأسلحة النارية العسكرية والزي العسكري.[339] وقد جعل ذلك من شبه المستحيل على الفلسطينيين التمييز بين المستوطنين والجنود، ما زاد من تقويض حقوقهم. وفي الوقت نفسه، أتاح ذلك للمستوطنين استغلال ما يضفيه الزي العسكري من سلطة وصفة رسمية لارتكاب انتهاكات بحق الفلسطينيين.

وما بين عامي 2023 و2025، وثّقت منظمة ييش دين سلسلة من الهجمات العنيفة ضد الفلسطينيين نفذها مستوطنون يرتدون الزي العسكري، وشملت: أفرادًا من وحدات الدفاع الإقليمي أساؤوا استخدام صلاحياتهم أثناء تأدية الخدمة العسكرية، وغيرهم ارتكبوا اعتداءات خارج نطاق مهامهم الرسمية، ومستوطنين يرتدون الزي العسكري ويتصرفون بمبادرة شخصية، ومستوطنين أعضاء في فرق الاستجابة للطوارئ في المستوطنات، ومنسقي الأمن المدني الذين يقودون فرق الاستجابة للطوارئ في المستوطنات.[340]

وأشار التقرير إلى أن سياسة تسليح المستوطنين وتزويدهم بالزي العسكري توفر عمليًا حماية لمرتكبي الانتهاكات بحق الفلسطينيين، وتحول دون محاسبتهم ومراقبتهم. ففي الحالات النادرة التي تُقدم فيها شكاوى، يستطيع الجيش الادعاء بأن الأفعال المرتكبة لا يمكن أن تخضع للتحقيق أو الملاحقة القضائية من جانب المدعي العام العسكري، لأنها لم تُرتكب خلال نشاط عسكري.[341] وفي المقابل، تستطيع الشرطة رفض فتح تحقيقات في أفعال المستوطنين بذريعة أن مرتكبيها كانوا جنودًا، وبالتالي فإنها لا تدخل ضمن نطاق اختصاصها.

وأبلغ سكان التجمعات الفلسطينية الرعوية منظمة العفو الدولية أنه بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أصبح المستوطنون العنيفون الذين اعتادوا الاعتداء عليهم لسنوات بملابس مدنية، يهاجمونهم وهم يرتدون الزي العسكري.[342]

وقال منتصر المالكي، أحد سكان قرية كفر مالك، إنه رأى أحد المستوطنين يرتدي زيًا عسكريًا ويشارك في هجوم على قريته في 14 أبريل/نيسان 2024.[343] وتظهر مقاطع فيديو تحققت منظمة العفو الدولية من صحتها رجلًا يرتدي زيًا عسكريًا يركل رجلًا جاثيًا على ركبته ثم يعتقله. ويظهر فيديو آخر الرجل المعتقل، والذي عرّفه أحد النشطاء المحليين بأنه فلسطيني، بينما تنقله مجموعة من الرجال، يرتدون أيضًا أزياءً عسكرية، إلى سيارة مدنية. وخلال الحادثة، كان الرجال الذين يرتدون الزي العسكري برفقة شخص مسلح يرتدي ملابس مدنية، يبدو أنه مستوطن إسرائيلي. وقال المالكي:

“ما يحدث الآن هو محو للبشر والشجر والحجر، ولكل ما هو فلسطيني، على أيدي المستوطنين وبدعمٍ من الجيش. وهذه الهجمات تُرتكب بصورة ممنهجة وبدعم وحماية من الجيش. وكان من بين المهاجمين أيضًا مستوطنون يرتدون الزي العسكري”.[344]

وفي إحدى الحالات، شهد تجمّع إبزيق مداهمتين في ليلتين متتاليتين طالتا عائلة واحدة في أغسطس/آب 2025. وقال أحد متطوعي الحضور بهدف الحماية لمنظمة العفو الدولية إنه في حوالي الساعة 9 مساءً في 20 أغسطس/آب، وصل ثمانية أشخاص مدجّجون بالسلاح ويرتدون زيًا عسكريًا على متن مركبات دفع رباعي، واقتحموا خيمة العائلة، ورفضوا التعريف عن أنفسهم، وأكدوا مرارًا بنبرة تهديدية أنهم “الجيش”، “القانون”، وأن بإمكانهم “فعل ما يحلو لهم”. وبقوا داخل الخيمة لحوالي 20 دقيقة، وكان اثنان منهم على الأقل يصوّران العائلة طوال الوقت. وأجبروا أفراد العائلة، المكونة من نحو 20 شخصًا، بينهم امرأة حامل وطفلان، على التجمع في زاوية واحدة والجلوس على الأرض، ولم يمنحوا فتاة مراهقة الوقت الكافي لتغطية شعرها. وبعد ذلك تحققوا من بطاقات هوية أفراد العائلة، وبدأوا ببعثرة مقتنياتهم، مدّعين أنهم يجرون تفتيشًا أمنيًا. وقال المتطوعون إن سلوك الرجال، ورفضهم التعريف بأنفسهم، وحقيقة أنهم وصلوا على متن مركبات الدفع الرباعي (التي يستخدمها المستوطنون في الغالب) جعل العائلة تشك فيما إذا كانوا مستوطنين أم جنودًا.

وفي مساء اليوم التالي، حوالي الساعة التاسعة، وصلت مجموعة مسلحة أخرى كان أفرادها يرتدون الزي العسكري ويدّعون أنهم جنود. وقال المتطوع إن شخصًا واحدًا على الأقل كان من بين أفراد المجموعة التي داهمت المنزل في الليلة السابقة. وعلى الرغم من أن الرجال وصلوا على متن مركبات دفع رباعي لا تحمل لوحات تسجيل، فإن ارتداءهم خوذًا، جعل العائلة تعتقد أن المجموعة قد تكون بالفعل من الجنود، حيث أوضحت العائلة أن المستوطنين الذي يرتدون الزي العسكري لا يرتدون خوذًا بالغالب. وعلاوةً على ذلك، كان زي أحد الرجال يحمل اسمًا أو منصبًا باللغة العبرية، الأمر الذي عزّز لدى السكان الانطباع بأنه قد يحمل رتبة عسكرية. ومع ذلك، رفضت المجموعة مرة أخرى تفسير سبب حضورها. كما سخر أحدهم من المتطوعين الإيطاليين وهددهم مرارًا قائلًا، “لسنا جيش البيتزا، نحن نفعل ما يحلو لنا”. وفتش الرجال هواتف المتطوعين؛ وحذفوا جميع التسجيلات والصور ومقاطع الفيديو المتعلقة بتصرفات الجيش في المنطقة، وكرّروا أوامرهم للعائلة بعدم استضافة المتطوعين. كما صوروا فتىً يبلغ من العمر 16 عامًا دون تقديم تفسير أو الحصول على موافقة العائلة. وقبل مغادرتهم، تعهّدوا بالعودة مرة أخرى.

وخشيت العائلة التي أنهكتها أسابيع من مضايقات المستوطنين، أن تكون هذه المداهمات عقابًا لها على استضافة المتطوعين. لكنها كانت تخشى أيضًا أن تطلب من المتطوعين المغادرة وأن تواجه اقتحامًا جديدًا بمفردها، حيث لم تكن تعرف هوية من يضايقونها.

وفي حالة أخرى توضح مستوى التعاون الوثيق بين المستوطنين والجيش، أوقف مستوطنان إسرائيليان أيمن بني عودة، وهو مدافع فلسطيني عن حقوق الإنسان وناشط مجتمعي يبلغ من العمر 43 عامًا من بلدة طمون في محافظة طوباس، في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.[345] وكان قد وصل لتوه إلى فصايل، وهو تجمّع في منطقة الأغوار، لتوثيق انتهاكات المستوطنين بحق الرعاة بهدف إرغامهم على التهجير القسري.

وبعد إيقافه، استدعى المستوطنان الجيش الإسرائيلي لاعتقاله. واحتجز منسق الأمن المدني التابع لإحدى المستوطنات المجاورة بني عودة قبل نقله إلى حجز الشرطة. ثم نُقل بعد ذلك إلى قاعدة سمرة العسكرية حيث خضع هناك للتحقيق بشأن اتهامات مبهمة تتعلق بـ”التحريض”. وأيدت محكمة عسكرية إسرائيلية أمرًا باعتقاله الإداري لمدة ستة أشهر في 14 ديسمبر/كانون الأول 2025. كما تسلط قضية أيمن بني عودة الضوء على تصاعد الأعمال الانتقامية بحق المدافعين عن حقوق الإنسان الفلسطينيين الذين يوثقون الانتهاكات والتجاوزات التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون.

وتُظهر عدة مقاطع فيديو تحققت منظمة العفو الدولية من صحتها رجالًا يرتدون أجزاءً من الزي العسكري يتواجدون أثناء الهجمات ضد الفلسطينيين أو يشاركون فيها في مختلف المناطق التي شملها تحقيق المنظمة. فعلى سبيل المثال، في 19 فبراير/شباط 2023، يُظهر فيديو مشادة بين الراعي يوسف بشارات،[346] وأحد المستوطنين في مرعىً بالقرب من مكحول.[347] ووفقًا لتوثيق منظمة بتسيلم، وقعت الحادثة بعدما بدأ المستوطن، الذي كان يرافقه جندي مسلح، بمطاردة يوسف بشارات وابنه أثناء رعيهما الأغنام. وخلال الحادثة، كان المستوطن برفقة جندي مسلح يرتدي زيًا عسكريًا كاملًا، ورجلان يرتديان سراويل عسكرية، وكان أحدهما مسلحًا. وحددت بتسيلم هوية الرجلين اللذين كانا يرتديان أجزاءً من الزي العسكري، على أنهما جنديان.[348] ويظهر المستوطن وهو يستخدم لغة مسيئة ويأمر يوسف بشارات أن يغادر المنطقة هو وقطيعه. وعندما يرفض ويرد بلغة مشابهة، ويرفع عصاه نحو المستوطن، يتهمه رجل يرتدي سروالًا عسكريًا وقميصًا عاديًا بسرقة طعامه، ويقول له أنه إذا عاد، فإنه سيتلقى “رصاصة بين ساقيه”.

وفي شِعب البطم في مسافر يطّا، أفاد السكان بأنهم يواجهون أعمال تخريب وتهديدات ومضايقات متواصلة من مستوطنين مسلحين من البؤرة الاستيطانية المجاورة متسبيه يائير ومن مستوطنة أفيغال، وهي بؤرة استيطانية سابقة أضفيت عليها الصفة القانونية بأثر رجعي في عام 2023.[349] وأفاد السكان بأنه منذ سبتمبر/أيلول 2024، دأب مستوطن من البؤرة الاستيطانية متسبيه يائير على دخول القرية مرارًا لالتقاط الصور وتخريب الممتلكات، وكان يحمل مسدسًا ويرتدي زيًا عسكريًا.[350] وتؤكد مقاطع فيديو سجلها السكان وشاركوها مع منظمة العفو الدولية هذه الإفادات. وتُظهر مقاطع الفيديو المستوطن وهو يجوب القرية صباحًا ومساءً ويصوّرها، ويدمّر السياج والبوابات، بيديه وبمركبته. ويظهر ممتشقًا بندقيته ومرتديًا زيًّا ذا طابع عسكري، ولكنه يقود مركبة دفع رباعي مدنية يستخدمها المستوطنون بالعادة.[351]

كما تُظهر مقاطع أخرى من شِعب البطم الحدود غير الواضحة بين المستوطنين والجنود. ففي مقطع فيديو، يظهر رجل مسلح يرتدي ملابس ذات طابع عسكري ويتجول حول منزل فلسطيني بعد وصوله إلى التجمع على متن سيارة مدنية.[352] وفي فيديو آخر، يظهر رجلان يرتديان ما يبدو أنها ملابس ذات طابع عسكري ويجوبان القرية سيرًا على الأقدام. إلا أن كليهما يستخدم أدوات مدنية: إذ يرتدي أحدهما قبعة شمسية عادية، بينما يحمل الآخر حقيبة ظهر عادية.[353] ويُظهر مقطع فيديو ثالث رجلًا يرتدي ملابس مدنية ويقود سيارة بيضاء تبدو مدنية في أنحاء شِعب البطم، ويصور منزل أحد السكان والشخص الذي يسجل الفيديو.[354] ويقول بالعبرية، “أنا جندي”، ثم يكرر بالإنجليزية: “أنا جندي وأريد أن [ألتقط] صورة لهذا وعليك أن تبتعد. وإذا لم تبتعد، فأنت تخالف القانون، هل تفهمني؟”

وتُظهر مقاطع فيديو أخرى صُوّرت من نافذة منزل مجموعة من الرجال يرتدون سراويل عسكرية خضراء، من بينهم شخص يحمل بندقية وآخر يرتدي سترة تحمل اسم “أرتسينو”، وهي منظمة تُعرف بدعمها البؤر الاستيطانية، وهم يرافقون جنودًا إسرائيليين أثناء ما يبدو أنه استجواب مجموعة من الفلسطينيين، وفحص وثائق اثنين من النشطاء.[355]

الاعتقالات التعسفية وفرض الغرامات

في أعقاب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شهدت عمليات اعتقال إسرائيل للفلسطينيين واحتجازهم لفترات قصيرة دون توجيه تهم لهم ارتفاعًا حادًا.[356] وفي ما لا يقل عن 12 مقابلة أجرتها منظمة العفو الدولية في الحديدية، والقبّون، وعين الحلوة، وعين سامية، وراس عين العوجا، وشِعب البطم، وزنوتا، وصف الفلسطينيون تعرضهم أو مشاهدتهم لاعتقالات تعسفية، واحتجازات، وغرامات فرضها الجيش الإسرائيلي أو الشرطة أو ممثلو المجالس الإقليمية للمستوطنات، وذلك في سياق أعمال عنف المستوطنين.

وأفادوا بأنهم شهدوا أو تعرضوا شخصيًا للاعتقال في مواقع هجمات المستوطنين، أو في مناطق الرعي أو داخل تجمّعاتهم، على خلفية اتهامات بالرعي في مناطق محظورة؛ أو سرقة أغنام؛ أو “الاشتباك مع المستوطنين” استنادًا إلى شهادات المستوطنين فقط، وحتى في الحالات التي قالوا فيها إنهم تعرضوا لمضايقات المستوطنين، بينما لم تُفتح أي تحقيقات مع المستوطنين وسُمح لهم بالمغادرة دون عقاب. وقد احتُجز بعض الفلسطينيين بعد وصولهم لمراكز الشرطة لتقديم شكوى بشأن عنف المستوطنين، ليجدوا أنفسهم عرضة للاستجواب وليُعاملوا هم أنفسهم كمشتبه بهم في الاعتداءات ذاتها التي سعوا إلى الإبلاغ عنها. ويؤيد بحث منظمة العفو الدولية النتائج التي خلصت إليها وكالات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات‎ بشأن هذا النمط من الانتهاكات.[357]

وفي الحالات الموثّقة، احتُجز الفلسطينيون في مراكز الشرطة لاستجوابهم لفترات تراوحت بين أربع إلى 12 ساعة، قبل الإفراج عنهم بكفالات تراوحت قيمتها من 1,000 إلى 1,500 شيكل إسرائيلي (320 إلى 480 دولار أمريكي).

أما الأشخاص الذين وُجّهت لهم تهمة الرعي في مناطق محظورة، مثل أراضي الدولة أو أراضي المستوطنات، أو أراضٍ خاضعة لاختصاص المجالس الإقليمية للمستوطنات، فقد فُرضت عليهم غرامات ضخمة، تجاوزت أحيانًا 100,000 شيكل إسرائيلي (32,100 دولار أمريكي). وتفوق هذه المبالغ بكثير قدرة الرعاة والمزارعين الفلسطينيين على تحمّلها. وأفاد من أجريت معهم المقابلات بأنهم اضطروا إلى بيع جزء من ماشيتهم لدفع الغرامات أو لخوض إجراءات قانونية للطعن فيها.

وشعر معظمهم أن دور الشرطة يقتصر على معاقبتهم، ولذلك قالوا إنهم توقفوا عن تقديم الشكاوى. كما أفادوا بأنهم اضطروا إلى تغيير أنماط حياتهم اليومية، فأصبحوا يخرجون بمواشيهم للرعي ليلًا أو فجرًا لتجنب المواجهات مع المستوطنين. واضطر بعضهم إلى مغادرة منازلهم نهائيًا.

وفي إحدى الحالات، قال أفراد من عائلة دراغمة من عين الحلوة لمنظمة العفو الدولية إنهم تعرضوا لعمليتيْ مصادرة كبيرتين نفّذهما المجلس الإقليمي لمستوطنات غور الأردن في ديسمبر/كانون الأول 2023 ويناير/كانون الثاني 2024.[358] ففي 25 ديسمبر/كانون الأول 2023، هاجم المستوطنون رعاة كانوا يرعون قطيعهم وقادوا نحو 80 بقرة إلى مستوطنة حمدات، حيث صادر المفتش التابع للمجلس الإقليمي لمستوطنات غور الأردن 19 حيوانًا بذريعة أنها كانت “حيوانات ضالة” بموجب الأنظمة المحلية.[359] وطُلب من العائلة دفع 49,000 شيكل إسرائيلي (15,300 دولار أمريكي) لاستعادة المواشي، في حين لم يُعترف بسرقة بقية القطيع.[360] وأخبر قدري دراغمة منظمة العفو الدولية أنه رغم إبلاغ الشرطة بسرقة الـ61 بقرة المتبقين، لم يُفتح تحقيق في الحادثة أبدًا.[361] كما أكد محامي العائلة صحة إفاداتهم.

ووقع اعتداء المستوطنين الثاني في مساء 7 يناير/كانون الثاني 2024، وكانت عواقبه أشد وطأة. فقد هاجم المستوطنون العائلة مرة أخرى، بينما صادر ممثلو المجلس الإقليمي لمستوطنات غور الأردن الذين رافقوهم 48 رأسًا من الأبقار.[362] وأبلغ أفراد من عائلة دراغمة شهدوا الحادثة منظمة العفو الدولية بأن أحد المستوطنين اعتدى بالضرب مرارًا على الأب، قدري، ما استدعى تلقيه العلاج الطبي. وفي اليوم التالي، عندما حاول قدري تقديم شكوى في مركز شرطة بنيامين، سخر منه ضابط شرطة، وسأله عن سبب وجوده في المنطقة (ج)، واتهمه بأنه تسبب بالهجوم بأخذه مواشيه إلى المنطقة، وأخبره أن للمستوطنين أيضًا وطنًا وحقوقًا.[363] وبدلًا من تسجيل الشكوى، احتجز ضابط الشرطة قدري لمدة 12 ساعة، ولم يفرج عنه إلا بعد أن دفع كفالة قدرها 1500 شيكل إسرائيلي (حوالي 470 دولار أمريكي)، ووقّع تعهدًا بعدم الدخول إلى مناطق الرعي لمدة 15 يومًا.

وطالب مجلس المستوطنة العائلة بدفع 143,910 شيكل إسرائيلي (حوالي 46,500 دولار أمريكي) مقابل إعادة المواشي، مدّعيًا أن العائلة كانت ترعى في أراضٍ تابعة لمستوطنة حمدات.[364] وفي مارس/آذار 2024، ساعدت منظمة ييش دين، بالتعاون مع ممثلي حملة أنقذوا الأغوار، عائلة دراغمة في تقديم التماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية،[365] دفعت فيه بأن المجالس المحلية الإسرائيلية في الأرض المحتلة لا تملك صلاحية مصادرة المواشي أو فرض رسوم مقابل استعادتها. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أكدت المحكمة العليا أن المجالس الإقليمية للمستوطنات لا تتمتع بتلك الصلاحيات.[366] وبالرغم من خسارته الدعوى، رفض المجلس الإقليمي لمستوطنات غور الأردن إعادة المواشي التي صادرها. كما رفض المجلس دفع المصاريف القضائية التي فرضتها المحكمة (20,000 شيكل إسرائيلي، أي نحو 6,880 دولار أمريكي)، مدعيًا أن له الحق في مقاصة تلك المبالغ مع النفقات التي تكبّدها لرعاية الحيوانات، وأن هذه المصاريف محل دعاوى قضائية أخرى.[367] وحتى ديسمبر/كانون الأول 2025، لم تكن العائلة قد استعادت مواشيها ولم تحصل على أي تعويض آخر.[368]

استجابة إسرائيل لهجمات المستوطنين: الإفلات من العقاب والدعم الفعلي

بصفتها سلطة احتلال، يقع على إسرائيل التزام بضمان تحقيق “النظام العام والحياة المدنية في الأرض المحتلة”، وهو التزام يشمل مسؤولية اتخاذ تدابير فعالة لحماية أرواح السكان المحتلين وسبل عيشهم.[369] وبموجب المادة 27 من اتفاقية جنيف الرابعة، يجب على سلطة الاحتلال حماية السكان المحتلين من أعمال العنف والتهديدات.

وفي المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، حيث تتحكم إسرائيل بشكل تام بجميع مناحي حياة الفلسطينيين، تنطبق التزامات إسرائيل المتعلقة بحقوق الإنسان بشكل كامل، بما يشمل السماح للفلسطينيين، الذين انتُهكت حقوقهم أو حرياتهم، في الحصول على الحق في الانتصاف الفعال، بصرف النظر عن صفة الجهة التي ارتكبت تلك الانتهاكات.[370]

وقد أمرت المحاكم الإسرائيلية في بعض الحالات باتخاذ إجراءات لصالح تجمّعات فلسطينية تعرضت لعنف المستوطنين ومضايقاتهم، تمثّلت في إصدار أوامر عدم التعرض بحق مستوطنين عنيفين، أو أوامر قضائية تقضي بإبعادهم عن أراضٍ مملوكة لفلسطينيين. غير أن هذه القرارات كانت في الغالب إدارية، وكثيرًا ما تجاهلها المستوطنون، في حين تقاعست القوات الإسرائيلية عن إنفاذها.[371]

الإفلات الممنهج والمستمر من العقاب على عنف المستوطنين

على مدى العقود الماضية، تقاعست جهات إنفاذ القانون الإسرائيلية مرارًا عن محاسبة مرتكبي عنف المستوطنين. كما تقاعست بصورة ممنهجة عن تحديد هوية المشتبه بهم أو جمع الأدلة، رغم وفرة مقاطع الفيديو المتاحة علنًا، إلى جانب شهادات الضحايا وشهود العيان.[372] وقد وفّر ذلك عمليًا حماية للمستوطنين من التبعات القانونية وكرّس إفلاتهم من العقاب.

ولا تُفتح تحقيقات في انتهاكات المستوطنين إلا نادرًا، وحتى إن أجريت فنادرًا ما تفضي إلى اعتقالات، ناهيك عن أي ملاحقات قضائية. وبحسب منظمة ييش دين، في الحالات التي رصدتها المنظمة في الأعوام ما بين 2005 و2025، أُغلقت حوالي 94% من التحقيقات في جرائم المدنيين الإسرائيليين بحقّ الفلسطينيين في الضفة الغربية دون توجيه لائحة اتهام، وأٌغلقت معظمها بسبب الفشل في إجراء التحقيقات. ولم تُفضِ سوى 3% من التحقيقات إلى أحكام إدانة جزئية أو كاملة.[373] وخلُصت محكمة العدل الدولية في فتواها الاستشارية الصادرة في عام 2024 إلى أن “تقاعس إسرائيل الممنهج عن معاقبة هجمات المستوطنين التي تستهدف حياة الفلسطينيين أو سلامتهم الجسدية، أو عن منع هذه الهجمات” يتعارض مع التزاماتها بموجب القانون الدولي.[374]

وقد أسهم تفشي الإفلات من العقاب إلى تطبيع العنف المؤدلج، والذي يسعى إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا بهدف ضم الأرض الفلسطينية. ورغم أن هجمات المستوطنين ازدادت تواترًا وضراوةً منذ عام 2023، قال معظم الضحايا ممن قابلتهم منظمة العفو الدولية إنهم توقفوا عن تقديم شكاوى لدى الشرطة. ويرتبط هذا التردد ارتباطًا مباشرًا بسجل الشرطة الإسرائيلية الحافل بالتقاعس عن فتح التحقيقات، أو بفقدان الثقة بالمنظومة، [375]أو في بعض الحالات بالتعامل مع مقدمي الشكاوى أنفسهم باعتبارهم مشتبهًا بهم.[376] 

وفي حين سعت السلطات الإسرائيلية في العقود القليلة الماضية إلى خلق على الأقل بعض المظاهر الشكلية للمساءلة عن الانتهاكات التي يرتكبها المستوطنون والجنود،[377] فإن تصريحات كبار المسؤولين وقراراتهم في ظل الحكومة السابعة والثلاثين شجعت علنًا هجمات المستوطنين ورسّخت الإفلات من العقاب بوصفه سياسة دولة.

فعلى سبيل المثال، في مارس/آذار 2023، دعا وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إلى “محو” بلدة حوارة الفلسطينية، بالقرب من نابلس، قائلًا إن “على دولة إسرائيل أن تقوم بذلك”.[378] وقد أدلى بهذا التصريح بعد أيام من هجوم المستوطنين على حوارة والقرى الفلسطينية المجاورة لها، أحرقوا خلاله عشرات السيارات والمنازل والبساتين الفلسطينية، وألقوا الحجارة على السكان واعتدوا عليهم بالضرب بقضبان معدنية. وقد أسفرت تلك الهجمات عن مقتل فلسطيني وإصابة حوالي 400 آخرين، بينما أفرج عن ستة مستوطنين إسرائيليين مشتبه في تورطهم في الهجمات.[379]

وبحسب تقارير إعلامية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أصدر وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تعليمات لكبار ضباط الشرطة في الضفة الغربية بالامتناع عن تطبيق القانون على المستوطنين المتطرفين والمجموعات اليمينية التي ترتكب اعتداءات بحق الفلسطينيين.[380] وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أفادت قناة N12 الإسرائيلية الإخبارية بأنها حصلت على بيانات تظهر انخفاضًا بنسبة 70% في القضايا التي فتحتها الشرطة الإسرائيلية بحق مستوطنين إسرائيليين على خلفية اعتداءاتهم على الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ تولى إيتمار بن غفير منصب وزير الأمن القومي، وذلك رغم أن هذه الفترة شهدت ارتفاعًا غير مسبوق في هذه الهجمات.[381] وأضافت القناة أن إيتمار بن غفير علّق على تلك الأخبار قائلًا: “ولّى زمن اتخاذ الشرطة شبيبة التلال كبش فداء… أنا فخور لأن الشرطة الإسرائيلية توقفت عن مضايقة شبيبة التلال”، في إشارة إلى الشبان الإسرائيليين الذين يقيمون في بؤر استيطانية في الضفة الغربية ويُعرفون بتورطهم في أعمال عنف بحق الفلسطينيين.[382]

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن خطته لوقف استخدام أوامر الاعتقال الإداري ضد المستوطنين العنيفين.[383] وقال في تصريح نقلته وسائل الإعلام إن هذا القرار يهدف “إلى توجيه رسالة واضحة مفادها دعم وتشجيع المستوطنات التي تتصدر مشهد مواجهة الإرهاب الفلسطيني”، معبرًا بصراحة عن دعمه للمستوطنين المنخرطين في أعمال عنف ضد الفلسطينيين.[384]

ودخلت هذه الخطة حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2025، عندما أفرج يسرائيل كاتس عن المستوطنين الإسرائيليين الخمسة الذين كانوا رهن الاحتجاز الإداري، قبيل تنفيذ عملية تبادل للأسرى كان قد اتفق عليها في إطار اتفاق وقف إطلاق النار مع حماس في قطاع غزة.[385] 

حالات مستوطنين يحظون بالإفلات من العقاب على انتهاكات مرتكبة بحق الفلسطينيين  

حتى عندما فرضت بعض الدول الأجنبية عقوبات على مستوطنين أو منظمات استيطانية، لم يواجهوا في إسرائيل سوى عواقب محدودة أو لم يواجهوا أي عواقب على الإطلاق، بالرغم من التوثيق الواسع والتقارير المنشورة عن العنف الذي حرّضوا عليه أو ارتكبوه.

ويعد ينون ليفي ، مؤسس البؤرة الاستيطانية “مزرعة ميتاريم” قرب زنوتا في تلال جنوب الخليل، مثالًا واضحًا على ذلك.[386] فقد ورد اسمه مرارًا في إفادات السكان الفلسطينيين، والنشطاء الفلسطينيين والإسرائيليين والدوليين، ووسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان بصفته قائدًا لأعمال العنف التي استهدفت التجمّعات الفلسطينية في تلال جنوب الخليل، وشملت الاعتداءات الجسدية والترهيب وتدمير الممتلكات.[387] وتحققت منظمة العفو الدولية من صحة مقاطع فيديو لثماني حوادث وقعت في سوسيا، وأم الخير، ووادي تيران، وزنوتا يظهر فيها وهو يرتكب انتهاكات أو يتواجد في المكان أثناء وقوعها.[388]

في أبريل/نيسان 2024، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على ينون ليفي بموجب نظام عقوبات حقوق الإنسان التابع له، مشيرًا إلى ضلوعه في “أعمال خلقت مناخًا من الخوف في الضفة الغربية”، بما في ذلك الاعتداءات على الفلسطينيين، وسرقة الممتلكات، وتوجيه تهديدات عنيفة.[389] وفي العام نفسه، فرضت عليه كل من أستراليا، وبلجيكا، وكندا، وفرنسا، واليابان، وموناكو، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية عقوبات بموجب أطر عقوبات حقوق الإنسان الخاصة بكلٍ منها، لدوره في تدبير عنف المستوطنين والمشاركة فيه.[390] ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفع جميع العقوبات المفروضة عليه وعلى سائر المستوطنين والمنظمات الاستيطانية في يناير/كانون الثاني 2025، ظلت العقوبات التي فرضتها الدول الأخرى سارية.[391]

ولكن يبدو أن هذه التدابير لم تردع ينون ليفي عن مواصلة قيادة العنف والمشاركة فيه، وهو عنف يرمي إلى تهجير الفلسطينيين قسرًا، كما ظهر في حوادث موثقة في 28 يوليو/تموز و4 أغسطس/آب 2025.

ومن الأمثلة الصارخة على النتائج المترتبة على إفلات المستوطنين الراسخ من العقاب مقتل عودة الهذالين، وهو مدافع فلسطيني عن حقوق الإنسان ومعلّم من قرية أم الخير في مسافر يطّا في تلال جنوب الخليل. ففي 28 يوليو/تموز 2025، وثّق مقطع فيديو ينون ليفي وهو يطلق النار على عودة الهذالين ويرديه قتيلًا في أم الخير. واستنادًا إلى الأدلة المرئية، بما في ذلك مقاطع الفيديو التي صوّرها عودة الهذالين نفسه وغيره من السكان، وإلى شهادات الشهود والمعلومات التي جمعتها منظمات حقوقية محلية، أعادت منظمة العفو الدولية بناء تسلسل الأحداث التي أفضت إلى مقتله، وحددت اللحظة التي أطلق فيها ينون ليفي النار عليه.

في ساعات الصباح الباكر في 28 يوليو/تموز 2025، بدأ المستوطنون الإسرائيليون بتنفيذ أعمال حفر باستخدام حفارة هيونداي تمهيدًا لشق طرق جديدة وإقامة كرافانات في منطقة محاذية لقرية أم الخير مصنّفة كأرض دولة.[392] وكان ينون ليفي من بين الحاضرين، ويبدو أنه كان متعاقدًا مع مستوطنين من مستوطنة كرمل المجاورة لشق طريق جديد وإقامة كرافانات لبؤرة استيطانية جديدة.[393] ووفقًا لمنظمة بتسيلم، بعد انتهاء أعمال الحفر والتجريف، حاول سائق الحفارة الخروج عبر بستان زيتون مسيّج يملكه سكان أم الخير. وعندما رأى عدد من الشبان الفلسطينيين الحفارة تتجه نحو البستان، أغلقوا الطريق وصرخوا بالسائق للتوقف. وبعدما واصل السائق طريقه، ألقى أحد الرجال الحجارة على نافذة الحفارة الأمامية. عندها ضربت الحفارة أحد السكان، أحمد الهذالين، على رأسه بمطرقتها، وأسقطته أرضًا.[394] وخلال الحادثة، ألحق سكان فلسطينيون أضرارًا بسيارة أحد المستوطنين المشاركين في أعمال الحفر والتجريف.[395]

يعيد هذا الفيديو بناء أحداث 28 يوليو/تموز 2025 عندما أطلق المستوطن الإسرائيلي الخاضع للعقوبات، ينون ليفي، النار على الناشط الفلسطيني عودة الهذالين.

ووفقًا لإفادات شهود العيان وأدلة الفيديو، وصل ينون ليفي بعدها إلى موقع الحدث، شاهرًا مسدسًا.[396] وواجهه السكان الفلسطينيون، ما أدى إلى مشادة كلامية أعقبها اشتباك جسدي وجيز. ويُظهر أحد مقاطع الفيديو ينون ليفي وهو يطلق عيارين ناريين في اتجاهين مختلفين، صوب الحشد الذي تُسمع أصواته بوضوح رغم أن معظم أفراده لا يظهرون في التسجيل.[397] ويوثق مقطع فيديو آخر، سجله عودة الهذالين من ملعب كرة سلة على بعد نحو 40 مترًا، لحظة إطلاق العيار الأول.[398]

ويظهر ينون ليفي وهو يصوب مسدسه نحو الكاميرا ويطلق النار، بينما يواجهه عدد من الشبان الفلسطينيين وامرأتان، وكان بعضهم يوثق الحدث باستخدام هواتفهم. ثم يبدو أن الكاميرا سقطت على الأرض، لتظهر للحظات لوحة السلة مائلة إلى الجانب قبل أن ينقطع التسجيل. ويسمع بعد ذلك صوت يتسق مع إطلاق عيار ناري آخر، تعقبه صرخات وبكاء طفل.[399] ويُظهر تسجيل آخر رجلًا في ملعب كرة السلة، عُرف بأنه عودة الهذالين، وهو ينهار فور إطلاق العيار الناري الأول. [400] وتؤكد المسافة الفاصلة بين الرجلين، إلى جانب وجود سياج فاصل بينهما، أن عودة الهذالين الذي كان أعزل، لم يشكل أي تهديد لليفي في تلك اللحظة.

وبعد إطلاق النار بوقت قصير، وصل جنود إسرائيليون إلى المكان.[401] ووفقًا لشهود عيان أجرت منظمة العفو الدولية معهم مقابلات، شرع الجنود بإلقاء القنابل الصوتية.[402] وتُظهر أدلة الفيديو ينون ليفي بحضور الجنود الإسرائيليين وهو يشير نحو أشخاص تجمعوا في الساحة المقابلة للمركز المجتمعي. ثم يظهر الجنود وهم يدخلون الساحة ويعتقلون عددًا من الأفراد. ووفقًا لمنظمة بتسيلم، اعتُقل 21 شخصًا من بينهم نشطاء،[403] وكان أقارب عودة الهذالين من بين المعتقلين أيضًا.[404]

اعتُقل ينون ليفي مساء ذلك اليوم على خلفية الاشتباه في ارتكابه القتل غير العمد، ولم يقضِ سوى ليلة واحدة في الحجز. وفي صباح اليوم التالي، أمر قاضٍ في محكمة الصلح في القدس بالإفراج عنه استنادًا إلى عدم كفاية الأدلة التي تثبت أن الأعيرة النارية التي أطلقها ينون ليفي تسببت في موت عودة الهذالين، وبأن مزاعمه بشأن الدفاع عن النفس تؤيدها إفادات شاهدَي عيان.[405] ووُضع ينون ليفي قيد الإقامة الجبرية لثلاثة أيام تحت إشراف زوجته وشقيقة زوجته، قبل أن يُفرج عنه في 1 أغسطس/آب 2025.[406] وفي المقابل، خلال الأسبوع الذي أعقب مقتل عودة الهذالين، دخل الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية أم الخير كل ليلة تقريبًا، واعتقلوا ستة سكان آخرين.[407]

وبعد إطلاق سراح ينون ليفي بفترة وجيزة، تُظهر مقاطع فيديو عودته إلى أم الخير برفقة جرارات لمواصلة أعمال التجريف بالقرب من القرية.[408] كما أظهر تحليل منظمة العفو الدولية لصور أقمار صناعية منخفضة الدقة أن مساحة واسعة تقع مباشرة جنوب أم الخير كانت قد جُرفت بالفعل بحلول 2 أغسطس/آب 2025. وبين يومي 26 و27 أغسطس/آب، بدأت تظهر منشآت جديدة تتسق هيكليًا مع الكرافانات. وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أصدرت المحكمة المركزية في القدس أمرًا مؤقتًا يحظر على المستوطنين السكن في تلك الكرافانات أو تنفيذ أي أعمال بناء إضافية.[409] غير أن قوات الأمن الإسرائيلية لم تنفذ القرار، وواصل المستوطنون توسيع البؤرة الاستيطانية، حتى في الأسبوع ذاته الذي صدر فيه الأمر.[410] وبحلول 30 يناير/كانون الثاني 2026، تظهر صور الأقمار الصناعية عالية الدقة تعبيد طريق قصير يؤدي إلى تلك المنشآت، ما يدل على أن السلطات الإسرائيلية لم تكتفِ بالسماح بإقامة البؤرة الاستيطانية، بل تُيسّر أيضًا تحويلها إلى بؤرة دائمة مع الوقت. وتبدو المنشآت متسقة هيكليًا مع بؤرة استيطانية.

صورتان من الأقمار الصناعية للموقع نفسه معروضتان جنبًا إلى جنب مع شروحات توضيحية باللونين الأزرق والأبيض
صور الأقمار الصناعية تظهر قرية أم الخير في 17 مايو/أيار 2025 (يسارًا). بحلول 30 يناير/كانون الثاني 2026، تظهر الصورة (يمينًا) بؤرة استيطانية تضم منشآت تتسق هيكليًا مع الكرافانات، إضافة إلى إنشاء طريق جديدة وتعبيدها.

وخلال الأسابيع التي أعقبت الإفراج عن ينون ليفي من الإقامة الجبرية، واصل مضايقة السكان الفلسطينيين،[411] حيث دأب على تصويرهم والتجول في محيط القرية، بما في ذلك أثناء قطع المستوطنين إمدادات المياه والكهرباء عن أم الخير.[412]  

ولم يعلن الادعاء العام الإسرائيلي عن نيته توجيه تهمة القتل غير العمد الناتج عن الإهمال إلى ينون ليفي على خلفية مقتل عودة الهذالين إلا بعد مرور سبعة أشهر، وذلك وفقًا لتصريح نقلته وسائل الإعلام.[413] وحتى 15 مايو/أيار 2026، لم تكن قد وُجّهت له لائحة اتهام. وأخبر محامي عودة الهذالين منظمة العفو الدولية أنه رغم قرار الادعاء العام توجيه الاتهام إلى ينون ليفي بعد عقد جلسة استماع، فإن موعد تلك الجلسة لم يكن قد حُدد بعد.[414]

وبحسب إفادات شهود العيان ومقاطع فيديو تحققت منظمة العفو الدولية من صحتها، شارك ينون ليفي أيضًا في مضايقة السكان الفلسطينيين والاعتداء عليهم جسديًا، والتعدي على أراضيهم والهجوم على مواشيهم في كل من وادي تيران وزنوتا في يونيو/حزيران وأغسطس/آب 2024. ووصفه من أُجريت معهم المقابلات في زنوتا بأنه كان يقود أعمال العنف وينسقها، مؤكدين أن دوره كان حاسمًا في إرغام التجمّع بأكمله على مغادرة المنطقة.[415]

وفي مثالٍ آخر على دعم الحكومة الإسرائيلية للمستوطنين الإسرائيليين الذين يهاجمون الفلسطينيين، وعلى الإفلات من العقاب الذي يحظون به، قاد موشيه شرفيت ، الذي أنشأ عام 2020 البؤرة الاستيطانية غير المرخصة المعروفة باسم “مزرعة وادي ترزا” أو “مزرعة موشيه”،[416]منذ ذلك الحين حملة مضايقات عنيفة ضد التجمّعات الفلسطينية في الأغوار الشمالية، بهدف منعها من العودة إلى منازلها أو الوصول إلى أراضيها الزراعية.[417] وقد واصل أعمال العنف رغم العقوبات التي فرضها عليه الاتحاد الأوروبي وكندا واليابان والمملكة المتحدة بين فبراير/شباط ويوليو/تموز 2024، على خلفية تورطه في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.[418] كما فرض الاتحاد الأوروبي وكندا والمملكة المتحدة عقوبات على مزرعة وادي ترزا خلال عام 2024.[419]

منشآت بيضاء وسط تلال بنية
تظهر هذه اللقطة المأخوذة من مقطع فيديو البؤرة الاستيطانية “مزرعة وادي ترزا”، 29 فبراير/شباط 2024.

في العام الذي خضع فيه موشيه شرفيت لعقوبات دولية، دعته وزارة الاستيطان والمهام الوطنية للمشاركة في فعالية ضمّت مستوطنين آخرين ومسؤولين حكوميين لمناقشة توسيع البؤر الاستيطانية الزراعية في الضفة الغربية. وخلال الفعالية، أُطلقت مبادرة بقيمة 75 مليون شيكل إسرائيلي (23 مليون دولار أمريكي) لتمويل معدات أمنية وتجهيزات مراقبة للبؤر الاستيطانية.[420]

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2023، ساهمت أفعال موشيه شرفيت في تهجير السكان الفلسطينيين قسرًا من تجمّع عين شِبلي.[421] فعلى سبيل المثال، في مقابلة فيديو مسجلة نُشرت على الإنترنت، قالت امرأة كبيرة بالسن كانت تسكن بالقرب من البؤرة الاستيطانية إن موشيه شرفيت هدد بحرق منزلها وقتلها إذا لم تغادر.[422] وقال زوجها إن مجموعة مكونة من خمسة مستوطنين، من بينهم موشيه شرفيت، اعتدوا عليه بالضرب بالعصي على رأسه وظهره، ما استدعى نقله إلى المستشفى لتلقي العلاج.[423] وعندما حاول الزوجان العودة إلى منزلهما في مارس/آذار 2024، منعهما مستوطنان كانا على متن مركبة عند حاجز معدني أقامه موشيه شرفيت، وذلك بحسب سكان فلسطينيين. [424] أما الجنود الإسرائيليون الذين وصلوا إلى المكان، فقد وقفوا بجانب المستوطنين، وامتنعوا عن التدخل لتيسير عودة العائلة.

يُظهر هذا الفيديو حوادث تتضمن مضايقة المستوطن الخاضع للعقوبات، موشيه شرفيت، السكان الفلسطينيين في التجمعات القريبة من حاجز حمرا في الأغوار الشمالية.

وتحققت منظمة العفو الدولية من صحة 21 مقطع فيديو تُظهر تورط موشيه شرفيت في حوادث أخرى كثيرة خلال الأعوام 2023، و2024، و2025، و2026، منع خلالها المزارعين الفلسطينيين في الأغوار الشمالية من الرعي، وعرقل وصولهم إلى أراضيهم الزراعية واعتدى على مواشيهم أو ضايقهم.[425] وفي حادثة واحدة على الأقل وُثقّت بالفيديو في يوليو/تموز 2025 وشملت مضايقة مزارعين فلسطينيين، ظهر وهو يحمل مسدسًا.[426]

وتُظهر بعض مقاطع الفيديو التي تحققت منظمة العفو الدولية من صحتها موشيه شرفيت وهو يشارك في أعمال عنف بحق الفلسطينيين وممتلكاتهم بحضور الجيش الإسرائيلي. كما يُظهر مقطع فيديو واحد على الأقل جنديًا يتعامل مع موشي شرفيت بوصفه صاحب سلطة على الوصول إلى الأراضي والمراعي في المنطقة.[427]

وبالرغم من وفرة الأدلة وتضافر الجهود التي بذلتها المنظمات الإسرائيلية غير الحكومية لوقف هذه الانتهاكات، تقاعست السلطات الإسرائيلية عن فتح التحقيقات في الأفعال غير القانونية التي ارتكبها موشيه شرفيت أو عن تفكيك البؤرة الاستيطانية التي أقامها. ففي 22 مايو/أيار، قدّمت منظمة السلام الآن ونشطاء غور الأردن التماسًا للمحكمة العليا الإسرائيلية لإلزام الدولة بتنفيذ أوامر هدم قائمة منذ زمن طويل بحق البؤرة الاستيطانية غير القانونية.[428] وأشار الالتماس إلى أن هذه البؤرة شكّلت، منذ إنشائها، مركزًا لأعمال العنف والمضايقات اليومية التي تستهدف التجمّعات الفلسطينية الرعوية المجاورة، ما دفع بعض العائلات إلى الفرار. وفي يوليو/تموز 2025، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية الالتماس.[429]

وفي المقابل، في مارس/آذار 2025، أصدرت محكمة الصلح في القدس أمرًا بعدم التعرّض بحق موشيه شرفيت يمنعه من الاقتراب من عائلة فلسطينية بالقرب من بيت حسن، وذلك بعد تلقي العائلة تهديدات متكررة وتعرضها لتعديات على ممتلكاتها الخاصة.[430] وفي يونيو/حزيران 2025، تقدّمت جمعيتي “حقوق المواطن في إسرائيل” و”بمكوم”، وهما منظمتان إسرائيليتان غير حكوميتين، بالتماس للمحكمة العليا الإسرائيلية بالنيابة عن 12 مزارعًا فلسطينيًا من وادي الفارعة، قالوا فيه إن موشيه شرفيت منعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.[431] وطالب الالتماس السلطات العسكرية الإسرائيلية بإبعاد موشيه شرفيت عن الضفة الغربية، وإعلان الأرض الزراعية منطقة عسكرية مغلقة أمام الإسرائيليين، إلا إذا دعاهم السكان الفلسطينيون إليها، وحماية المزارعين أثناء عملهم. وذكر الالتماس أن موشيه شرفيت انتهك أمر عدم التعرّض مرارًا، في حين رفضت الشرطة إنفاذه. كما أشار إلى أن الجنود الإسرائيليين كانوا يخبرون الفلسطينيين بشكلٍ دوري بضرورة الامتثال للقيود التي فرضها موشيه شرفيت، أو كانوا يطردونهم من أرضهم بناءً على طلب المستوطن، وغالبًا ما كانوا يزعمون أن المنطقة “مغلقة” دون تقديم أي أوامر مكتوبة.

وحتى 30 أبريل/نيسان 2026، لم تكن المحكمة العليا الإسرائيلية قد أصدرت قرارًا نهائيًا في القضية. غير أنها أصدرت، في 11 مارس/آذار 2026، أمرًا قضائيًا مؤقتًا يلزم القائد العسكري في الضفة الغربية والإدارة المدنية بإبعاد موشيه شرفيت أو أي شخص يتصرف بالنيابة عنه، من “الأرض محل الالتماس”، أي من قطع الأراضي الزراعية التي يملكها الفلسطينيون في وادي الفارعة.[432]

وقدّمت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل إخطارًا إضافيًا للمحكمة في 10 أبريل/نيسان 2026، ذكرت فيه أن موشيه شرفيت يواصل تدمير الأراضي الزراعية التابعة لمقدمي الالتماس وإلحاق الأضرار بها، إلى جانب ارتكاب أعمال عنف وترهيب أخرى رغم الأمر القضائي المؤقت.[433] وشملت هذه الأعمال الدخول إلى ساحات المنازل، وإلحاق أضرار بالممتلكات، وإلقاء الحجارة، ومضايقة السكان ليلًا، وتوجيه التهديدات بهدف طرد العائلات قسرًا. وأضاف الإخطار أن جنودًا يرتدون زيًا عسكريًا لم يكتفوا بمواصلة تمكين أعمال العنف، بل شاركوا في بعض الأحيان في الهجمات بشكلٍ مباشر. ووفقًا للملف المقدم، فقد رافق الجنود موشيه شرفيت في حوادث مضايقة وترهيب ضد فلسطينيين داخل منازلهم أو في حقولهم، واحتجزوهم تعسفيًا بناءً على طلبه، ووقفوا متفرجين بينما كان يدمر ممتلكاتهم. وطلب الإخطار من المحكمة أن تأمر القائد العسكري باتخاذ تدابير عاجلة لمنع الجنود من مساعدة شرفيت أو التعاون معه، وفتح تحقيقات في أفعالهم، وإبعاد شرفيت عن المنطقة، وتقديم الحماية الفعالة للسكان الفلسطينيين.

صورتان معروضتان جنبًا إلى جنب تظهران رجلًا يحمل هاتفًا محمولًا وألواح طاقة شمسية متضررة.
تظهر هذه اللقطة المأخوذة من مقطع فيديو (أعلاه) موشيه شرفيت في محيط منازل العائلات الفلسطينية التي تقدمت بالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية ضده على خلفية منعها من الوصول إلى أراضيها الزراعية. وتُظهر الصورة (أدناه) ألواح طاقة شمسية متضررة تعود لمزارعين فلسطينيين، وتقع في الأراضي الزراعية محل الالتماس. مايو/أيار 2026.

وتُظهر أدلة الفيديو المستوطنين وهم يواصلون مضايقة التجمّعات الفلسطينية في المناطق المحيطة بحاجز حمرا ووادي الفارعة، رغم هذه الأوامر القضائية.[434] وفي 15 أبريل/نيسان 2026، أفاد نشطاء بأن موشيه شرفيت وغيره من المستوطنين ضايقوا أفرادًا من تجمّع الحمرا الفلسطيني لعدة ساعات.[435] ووصلت الشرطة وقوات الجيش لاحقًا واعتقلت فلسطينيين لفترة وجيزة بزعم مضايقتهم المستوطنين. وقد أُطلق سراح من احتُجزوا في وقت لاحق من مساء اليوم نفسه. ويُظهر مقطع فيديو آخر، سجله نشطاء غور الأردن في 25 أبريل/نيسان 2026، موشيه شرفيت بصحبة رجلين آخرين يتجولون حول تجّمع فلسطيني يقع بالقرب من حاجز حمرا.[436]

ووفقًا لمنظمة السلام الآن، فقد أنشئت بؤرة موشيه شرفيت الاستيطانية، مزرعة وادي ترزا، في أواخر عام 2020، على بعد حوالي 1.5 كم جنوب شرق مستوطنة حمرا. وفي 2021، أمرت الإدارة المدنية بهدم جميع المنشآت المقامة فيها، غير أن البؤرة، غير القانونية بموجب القانون الإسرائيلي والقانون الدولي على حدٍ سواء، استمرت بالتوسّع. وهي الآن تضم مبانٍ سكنية، وقطيعًا من الأغنام، ونزلًا للضيافة، ومنطقة مخصصة لإقامة الفعاليات.[437] ويذكر الموقع الإلكتروني للمزرعة أن النزل قادر على استضافة ما يصل إلى 100 زائر، ويوفر خيامًا مكيفة، ومرافق صحية، ومطبخًا، ومسبحًا، وجناحًا مبنيًا داخل شاحنة.[438]

دعم الحكومة للمنظمات الاستيطانية: منظمة هاشومير يوش مثالًا

في مختلف أنحاء الضفة الغربية، تقود المنظمات‎ الاستيطانية جهودًا حثيثة لتجريد الفلسطينيين من أرضهم وإكراههم على التهجير القسري، بالتوازي مع توسيع الوجود اليهودي في الوقت ذاته. وبدعمٍ كامل من مؤسسات الدولة، تحقق هذه المنظمات أهدافها من خلال استغلال قوانين تمييزية بطبيعتها ضد الفلسطينيين.[439] فهي تبادر إلى دعاوى إخلاء، وتضغط على المحاكم لتنفيذ أوامر إخلاء بحق المنازل والمنشآت الفلسطينية، وتنسق حملات متواصلة من العنف ضد الفلسطينيين.[440]

وتعد منظمة هاشومير يوش إحدى هذه المنظمات.[441] فقد جذبت اهتمامًا دوليًا بسبب دورها في إنشاء البؤر الاستيطانية، وانخراط أعضائها ومتطوعيها بصورة مستمرة في أعمال عنف ضد الفلسطينيين، التُقط كثير منها بالكاميرا.

ومع ذلك، ورغم وجود أدلة واضحة على ارتكاب انتهاكات جسيمة، لم يُعرف عن فتح أي تحقيقات في أفعالهم. وواصلت الحكومة الإسرائيلية تقديم الدعم المالي للمنظمة في حين يبدو أن العقوبات الدولية لم توقف أنشطتها غير القانونية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. 

أُنشئت منظمة هاشومير يوش في عام 2013 بهدفٍ معلن يتمثل في تعزيز الوجود اليهودي في “المناطق الزراعية” في الضفة الغربية من خلال تقديم “الدعم للمزارعين [الإسرائيليين]” و”حماية أراضي الدولة”. وعمليًا، تمثّل ذلك في جمع الأموال والتبرعات واستقطاب المتطوعين لإقامة بؤر استيطانية غير قانونية في المنطقة (ج)، مع منع الفلسطينيين من التنمية والزراعة والرعي بل ومن مجرد الوجود.[442] وبحلول عام 2024، كانت المنظمة تضم تسعة موظفين و720 متطوعًا.[443]

وتعرض منظمة هاشومير يوش على موقعها الإلكتروني 26 بؤرة استيطانية تزعم أنها تدعمها، من بينها مزرعة وادي ترزا.[444] وتظهر أدلة فيديو تحققت من صحتها منظمة العفو الدولية عدة حوادث في زنوتا ومناطق أخرى في مسافر يطّا وفي أنحاء منطقة الأغوار، يظهر فيها مستوطنون يرتدون قمصانًا تحمل شعار منظمة هاشومير يوش، وهم يضايقون سكانًا فلسطينيين، أو يعتدون عليهم جسديًا، أو يتلفون ممتلكاتهم. وقد حدّدت منظمة العفو الدولية ينون ليفي وموشيه شرفيت من بين مرتكبي هذه الهجمات.

وتُظهر ثلاث صور ومقطع فيديو واحد نُشر على منصة إكس في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2022 ينون ليفي مرتديًا سترة تحمل شعار منظمة هاشومير يوش أثناء قيادته جرافة وهدمه مدرسة في مسافر يطّا، بحضور عناصر من الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية.[445] وفي حادثٍ منفصل نُشر على منصة إكس في 9 سبتمبر/أيلول 2024، يظهر ينون ليفي مرة أخرى مرتديًا قميصًا يحمل شعار هاشومير يوش، وهو يضايق رعاة فلسطينيين ويستولي على أغنام من قطيعهم في زنوتا، بحضور أفراد من الشرطة الإسرائيلية.[446]

وتُظهر مقاطع فيديو إضافية نُشرت على منصة إكس في 14 فبراير/شباط 2024 ثلاثة مستوطنين يرتدون سترات تحمل شعار منظمة هاشومير يوش وهم يقيمون سياجًا حول زنوتا.[447] وقد مكّن هذا السياج المستوطنين من التحكم بحركة الدخول إلى القرية أو الخروج منها، مانعًا سكان زنوتا الذين يبلغ عددهم 250 شخصًا من العودة إلى منازلهم أو أراضيهم بعد تهجيرهم قسرًا.[448]

وقد استندت الإدارة الأمريكية إلى تطويق زنوتا بالسياج كأحد أسس فرض العقوبات على منظمة هاشومير يوش في أغسطس/آب 2024، قبل أن تتراجع إدارة ترامب عن القرار في يناير/كانون الثاني 2025.[449] ووفقًا لوكالة أسوشيتد برس، قدمت منظمة هاشومير يوش متطوعين للبؤرة الاستيطانية مزرعة ميتاريم، التي كانت خضعت للعقوبات في وقتٍ سابق في عام 2024.[450]

وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول 2024، أدرجت حكومة المملكة المتحدة أيضًا منظمة هاشومير يوش ضمن نظام العقوبات الخاص بها، مشيرةً إلى أن المنظمة “تقدم خدمات مالية، أو أموالًا، أو موارد اقتصادية، أو سلعًا أو تكنولوجيا، وهي تعلم، أو لديها أسباب معقولة للاشتباه، بأن ذلك قد يسهم في ارتكاب أفعال ترقى إلى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”.[451]

ولم تكتفِ السلطات الإسرائيلية بالتقاعس عن منع هذه الانتهاكات، أو التحقيق فيها أو المعاقبة عليها، بل سمحت لمنظمة هاشومير يوش بجمع الأموال والتبرعات علنًا داخل إسرائيل وقبول التبرعات الموجهة إلى أنشطتها غير المشروعة، فضلًا عن تقديم دعم مالي مباشر لها من الدولة.[452] وتظهر السجلات المالية الرسمية التي نشرتها وزارة العدل زيادةً كبيرة في القدرة المالية للمنظمة منذ عام 2018.[453] فقد ارتفع دخلها السنوي من 1,669,013 شيكل إسرائيلي (حوالي 552,700 دولار أمريكي) في عام 2019، إلى 5,103,838 شيكل إسرائيلي (حوالي 1,7 مليون دولار امريكي) في عام 2020، و7,252,149 شيكل إسرائيلي (حوالي 4,2 مليون دولار أمريكي) في عام 2022. ووفقًا للبيانات الرسمية نفسها، أعلنت المنظمة عن إيرادات وصلت إلى 5,551,283 شيكل إسرائيلي (حوالي 1,84 مليون دولار أمريكي) في 2024، شملت دعمًا ومخصصات حكومية بقيمة 1,471,945 شيكل إسرائيلي (حوالي 512,250 دولار أمريكي).[454] ومن هذا الإجمالي، شكّل مبلغ 748,745 شيكل إسرائيلي (حوالي 250,000 دولار أمريكي) دعمًا مقدمًا من وزارة الزراعة والأمن الغذائي والوزارة لحماية البيئة.[455] وعلى الرغم من انخفاض التمويل الحكومي، تلقّت منظمة هاشومير يوش 500,000 شيكل إسرائيلي (حوالي 168,000 دولار أمريكي) في عام 2025 من وزارة الزراعة والأمن الغذائي لتحقيق هدفها المتمثل في “توسيع نطاق أنشطة المساعدة المقدمة للمزارعين ومجموعات المتطوعين” ذلك العام.[456] وبالمجمل، تلقت منظمة هاشومير يوش ما لا يقل عن 10,3 مليون شيكل إسرائيلي (حوالي 3,2 مليون دولار أمريكي) من تمويل الحكومة الإسرائيلية منذ عام 2018، بما في ذلك ما لا يقل عن 3 مليون شيكل إسرائيلي (نحو 1 مليون دولار أمريكي) منذ عام 2023.[457] وقد يكون الإجمالي الفعلي أعلى من ذلك، حيث لا تشمل السجلات المالية لوزارة العدل معلومات عن تحويلات قامت بها بعض الوزارات مثل وزارة الدفاع.

إضافةً إلى ذلك، قدم وزراء الحكومة دعمًا سياسيًا لأنشطة منظمة هاشومير يوش التي يسّرت نمو البؤر الاستيطانية ودفعت نحو المزيد من تجريد الفلسطينيين من أراضيهم وأملاكهم. وقد فعلوا ذلك من خلال الاجتماع بموظفي المنظمة ومتطوعيها، والمشاركة في أنشطتها في الضفة الغربية، حتى بعدما فرضت بعض الدول عقوبات على المنظمة.[458] فعلى سبيل المثال، في يونيو/حزيران 2024، نشرت منظمة هاشومير يوش منشورًا على فيسبوك شكرت فيه وزير الزراعة آفي ديختر على “الاستماع، والتفكير المشترك، والموارد المخصصة لدعم التطوع الزراعي” وذلك عقب اجتماع معه ومع مجموعات إسرائيلية أخرى. وخلال الاجتماع، أطلعت منظمة هاشومير يوش الوزير على النمو “المذهل” للبؤر الاستيطانية الرعوية، وأكدت على الحاجة لزيادة الميزانيات المخصصة لدعم المتطوعين وتغطية تكاليفهم.[459] وفي منشور فيسبوك آخر في مارس/آذار 2025، شكرت منظمة هاشومير يوش وزير شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية، عميحاي شيكلي، على مشاركته في جولة لمناطق الرعي المحيطة ببؤرة “مزرعة كشوالا” الاستيطانية المطلة على وادي فوكين، غرب بيت لحم، لمناقشة المخاوف الأمنية التي أثارها المستوطنون.[460] ووفقًا للمنشور، عقد الوزير لاحقًا حلقة نقاش مع المستوطنين أعرب خلاله عن دعمه للسكان وأشار إلى عزمه مساعدتهم.  

التهجير القسري: ثلاث دراسات حالة

حضر المستوطنون في منتصف الليل. ألقوا الحجارة على منازلنا بينما كان أطفالنا نيامًا. التقطوا صورًا لأغنامنا. وقادوا مركباتهم باتجاه أغنامنا في اليوم السابق. شعرت بالخوف على أطفالي. لو كنت أعلم أنه بوسعي الحفاظ على سلامة عائلتي وقطيعي، لما غادرت عين سامية أبدًا.[461]

محمود كعابنة، رئيس التجمّع البدوي في عين سامية، موضحًا سبب اضطرار عائلته إلى المغادرة بعد سلسلة من المداهمات الليلية.

لتوضيح كيف سخّرت الحكومة نمو البؤر الاستيطانية غير القانونية، والتوسع الاستيطاني، وسياسات التخطيط وتقسيم المناطق التمييزية، إلى جانب حملة مستمرة من عنف المستوطنين ترمي إلى ترهيب الفلسطينيين في المنطقة (ج) ودفعهم إلى مغادرة منازلهم، حقّقت منظمة العفو الدولية في أحداث وقعت منذ عام 2023 في خمسة تجمّعات، وهي: عين سامية في الأغوار الوسطى؛ وزنوتا في تلال جنوب الخليل، وقد هُجّر سكان التجمّعين بالكامل عام 2023؛ ومجموعة من التجمعات الصغيرة في الأغوار الشمالية التي تواجه منذ عام 2023 ضغوطًا متزايدة وخطر التهجير الوشيك. أما التجمّعات المعرضة لخطر التهجير الوشيك، كما يرد أدناه، فهي الفارسية، وعين الحلوة، ومكحول.

عين سامية

“بدأ المستوطنون بالحضور يومًا تلو الآخر. يقلبون خزانات المياه، ويضايقون الشباب، ويأتون ليلًا ونهارًا. لم نعُد نستطيع التنفس. لا نشعر بالراحة أبدًا، لا ليلًا ولا نهارًا. أنا امرأة كبيرة بالسن، أقسم بالله، لا أستطيع النوم. أظل جالسة على كرسي. فهم، إذا حضروا، لا يستثنون أحدًا”.

“رحمة” – أم لـ14 طفلًا، هُجّرت قسرًا من عين سامية

عين سامية هو نبع طبيعي يقع في مرج القبّون، على أراضي قرية كفر مالك في المنطقة (ج)، شمال شرقي رام الله.[462] وعلى مدى أجيال، اعتمد المزارعون ومربّو المواشي من قرية كفر مالك على مصدر المياه هذا وعلى خصوبة الأرض، وكانوا يقضون فترات طويلة في المنطقة لرعاية قطعانهم وحقولهم.[463]

وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي، استقرّ في المنطقة تجمّع بدوي، عُرف لاحقًا باسم تجمّع عين سامية البدوي، وذلك بعد تعرّضه للتهجير القسري مرارًا على يد الجيش الإسرائيلي. فقد هُجّر أفراده أولًا من النقب جنوب إسرائيل بعد فترة وجيزة من إقامة دولة إسرائيل عام 1948، حين طهّرت إسرائيل عرقيًا المئات من البلدات والقرى الفلسطينية فيما يعرفه الفلسطينيون بالنكبة ؛ ثم هُجّروا من راس عين العوجا، وبعد ذلك من راس المعرجات.[464] وعلى غرار غيرهم من سكان التجمّعات البدوية في الضفة الغربية، وكثير منهم من لاجئي عام 1948، أُجبر تجمّع عين سامية، على مر السنين، على التخلي عن نمط حياته شبه البدوي، وذلك بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة وعرقلة الوصول إلى أراضي الرعي. وبدلًا من ذلك، ظل سكان التجمع في موقع واحد وجدوا فيه أراضٍ للرعي ومصادر مياه. واستقرّوا في المنطقة بالاتفاق مع مالكي الأراضي الفلسطينيين من قرية كفر مالك، حيث جذبتهم أراضي الرعي ومصادر المياه المجاورة.[465]

وعلى مدار أربعة عقود، أصبحت عين سامية منطقة نابضة بالحياة، ونشأت بينها وبين القرى القريبة روابط وثيقة. وكان التجمع يضم 37 عائلة، ويبلغ مجموع سكانه نحو 200 نسمة، بينما واصل عشرات المزارعين ومربّي المواشي من قرية كفر مالك وغيرها من القرى العمل أو الإقامة في المنطقة. [466] وكما قال أحد مربّي المواشي من كفر مالك:

“في الأمسيات الصيفية، كانت الأجواء احتفالية. وكان المئات منا يقضون الوقت في عين سامية. فتقيم بعض العائلات حفلات الشواء، بينما تجمع عائلات أخرى الأعشاب. وكان الناس يأتون من المغيّر، والمزرعة الشرقية، ويطا للفلاحة أو لرعي مواشيهم في الأرض، أو ببساطة للاستمتاع بنزهة“.[467]

وأوضح “سلمان” (غُيّر الاسم لأسباب أمنية)، وهو أحد سكان التجمع، مدى التباين الصارخ بين ذلك الواقع والواقع الجديد للتجمع:

“يوم الجمعة الماضي، [23 فبراير/شباط 2024]، أحضر المستوطنون الإسرائيليون أطفالهم ليلعبوا في الحقل الذي كنّا نأخذ إليه أطفالنا ليستنشقوا الهواء ويلعبوا في فصل الربيع. أما اليوم، فالمستوطنون هم من يذهبون ويلعبون. ويقولون لك: ممنوع منعًا باتًا”.

نمو المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية

تحيط بالأرض التي أقيم عليها تجمّع عين سامية، من الشرق والجنوب الشرقي، منطقة صنّفتها إسرائيل محمية طبيعية، و”منطقة إطلاق نار” عسكرية، تُحظر فيها أعمال البناء الفلسطينية. ويحدّها من الغرب طريق آلون. ولم يترك ذلك أي مجال لتوسع التجمّع أو تنميته.

وتقع مستوطنة كوخاف هشاحر الإسرائيلية، التي أُقيمت بصورة غير قانونية عام 1977، على تلة تبعد أقل من كيلومترين إلى الجنوب من عين سامية. وعلى مر السنين، وسّعتها السلطات الإسرائيلية بشكلٍ كبير، ما أدى إلى ارتفاع عدد سكانها ليصل إلى أكثر من 2600 نسمة بحلول مايو/أيار 2024.[468]

وفي المقابل، منذ عام 1999، أقام المستوطنون الإسرائيليون ما لا يقل عن سبع بؤر استيطانية غير مرخصة، تربطها طرق مباشرة بمستوطنة كوخاف هشاحر، ما عزّز الوجود اليهودي وأحكم السيطرة على الموارد في المنطقة.[469] وبحلول عام 2023، كانت هناك 10 بؤر استيطانية في المنطقة الأوسع المحيطة بعين سامية؛ وارتفع هذا العدد إلى 12 بؤرة في عام 2026. وتُظهر صور الأقمار الصناعية التي حلّلتها منظمة العفو الدولية في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بؤرًا استيطانية تقع إلى شمال مستوطنة كوخاف هشاحر وجنوبها، وغربها، وشرقها، وتقع أقرب هذه البؤر على مسافة تقل عن كيلومتر واحد من عين سامية، على سفح تلة تطل على التجمّع الفلسطيني. كما تحيط بعين سامية، من الشمال ومن الشرق، بؤرتان استيطانيتان إضافيتان تقعان على تلال، ولا تبعد أي منهما أكثر من 1.5 كيلومتر عن التجمّع، وقد أُنشئت أحدثهما في عام 2025. وتُظهر صور الأقمار الصناعية بوضوح توسّع أغلب البؤر الاستيطانية الأخرى، وظهور طرقات ومنشآت جديدة فيها بين عامي 2023 و2025.

في ديسمبر/كانون الأول 2025، قرّر المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي إضفاء الصفة القانونية على إحدى البؤر الاستيطانية في المنطقة واعتبارها مستوطنة جديدة تدعى كوخاف هشاحر شمال، وذلك في إطار خطوة ترمي إلى إنشاء 19 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية.[470] وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي فحصتها منظمة العفو الدولية أن أعمال تجريف أراضٍ جديدة في بؤرة متسبيه كراميم شمال كانت قد بدأت بالفعل في أبريل/نيسان 2025، أي قبل القرار الذي اتُّخذ في ديسمبر/كانون الأول 2025 بشأن إضفاء الصفة القانونية على كوخاف هشاحر شمال. وحتى 8 فبراير/شباط 2026، تُظهر الصور أكثر من عشر منشآت جديدة تبدو دائمة، وطريقًا معبدًا ومجهزًا. واستنادًا إلى التغيرات الظاهرة في الصور، يُرجّح أن يكون هذا موقع المستوطنة الجديدة، كوخاف هشاحر شمال.

صورة أقمار صناعية مرفقة بشروح توضيحية.
صورة أقمار صناعية مرفقة بشروح توضيحية.
تُظهر صور الأقمار الصناعية منطقة عين سامية على امتداد طريق آلون في 10 فبراير/شباط 2023 (أعلى)، وفي 8 فبراير/شباط 2026 (أسفل). وتظهر المناطق التي صنّفتها إسرائيل “مناطق إطلاق نار” مظلّلة بخطوط حمراء متوازية، فيما تبرز المحميات الطبيعية باللون الأخضر. أما تجمّع عين سامية البدوي، المحدّد بمربع أبيض في الصورة الملتقطة بتاريخ 10 فبراير/شباط 2023، فلم يعد موجودًا في فبراير/شباط 2026. وتُظهر معظم البؤر الاستيطانية، المحدّدة بمربعات زرقاء في عام 2023، توسعًا كبيرًا بحلول عام 2026، بما في ذلك إنشاء طرق ومنشآت جديدة. كما تظهر بؤرتان استيطانيتان جديدتان إلى الشمال والجنوب من الموقع الذي كان يشغله تجمّع عين سامية. ووفقًا لمنظمة السلام الآن، فقد أنشئت البؤرتان في 2024 و2025. كذلك حلّت 10 منشآت جديدة تبدو دائمة، شرق كوخاف هشاحر، محل بؤرة استيطانية تقع داخل نطاق “منطقة إطلاق نار”، ما يشير إلى الموقع المرجّح للمستوطنة الجديدة. مصادر البيانات للصورتين: مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، وخريطة الشارع المفتوحة (OSM)، ومنظمة السلام الآن، و© 2026 شركة بلانيت لابز بي بي سي (Planet Labs PBC).

لطالما شكّلت مياه نبع عين سامية وآبارها ركيزةً لاستدامة النشاط الزراعي في مرج القبّون وزوّدت 19 تجمّعًا فلسطينيًا بالمياه.[471] وكان المرج، الممتد على مساحة تتراوح بين 2 إلى 3 كيلومترات، أساسيًا لتحقيق الاكتفاء الزراعي الذاتي لعدة تجمعات فلسطينية، إلى جانب تجمّع عين سامية، ومنها قرية كفر مالك.

وزرع سكّان هذه التجمّعات محاصيل شملت كروم العنب، والزعتر، وبساتين الزيتون، والبابونج، والقمح، والشعير، والبرسيم، والليمون، والأفوكادو، والجوافة، فضلًا عن الخضروات مثل القرنبيط، والملفوف، والباذنجان، والفلفل.[472] كما شكّل المرج منطقة رعي خضراء للمواشي.[473]

وقد أدّى توسع كوخاف هشاحر والبؤر الاستيطانية المحيطة بها إلى فرض قيود شديدة على وصول الفلسطينيين إلى مناطق الزراعة والرعي ومصادر المياه.[474] ففي حين يتنقّل المستوطنون بحرية في أرجاء المنطقة، يُمنع الفلسطينيون من استخدام الطرق والمسارات المحيطة بالمستوطنة والبؤر الاستيطانية، ما يحدّ من قدرتهم على الوصول إلى النبع.

كما عانى الفلسطينيون من الاستيلاء على أراضيهم بغرض بناء المستوطنات والبؤر الاستيطانية. وفي الوقت ذاته، أدّت هجمات المستوطنين المتصاعدة، التي بدأت في عام 2019، إلى حصر الرعاة والبدو الفلسطينيين في جزءٍ ضئيل من أراضي الرعي، في حين وسّع الرعاة المستوطنون تدريجيًا سيطرتهم على الأرض.

وبحلول يونيو/حزيران 2022، وفقًا لمنظمة كِرم نابوت، كان المستوطنون الرعاة قد فرضوا فعليًا سيطرتهم الكاملة على منطقة عين سامية، فصاروا يرعون فيها بحرية، بينما يمنعون الرعاة الفلسطينيين من الوصول إليها.[475]

واليوم، يمنع المستوطنون الإسرائيليون الفلسطينيين من الوصول إلى المرج بالترهيب والعنف، ما أدى إلى تدهور أراضيه بشكلٍ كبير. وأفاد أشخاص قابلتهم منظمة العفو الدولية في قرية كفر مالك بأن مستوطنين من البؤر الاستيطانية المجاورة يعتدون باستمرار على المزارعين والرعاة الذين يصلون إلى المنطقة. وأوضح منتصر المالكي، أحد سكان قرية كفر مالك، الذي اعتاد أن يرعى أغنامه في التلال الواقعة بين كفر مالك وعين سامية:

“هم [المستوطنون] لا يقدّمون أي ادّعاء قانوني [يوضح لماذا لا ينبغي للفلسطينيين التواجد هناك]، بل يبدؤون ببساطة بالضرب، ورشق الحجارة، وإطلاق النار“.[476]

وكان الأثر الاقتصادي بالغًا. فقد قال مربو مواشٍ فلسطينيون لمنظمة العفو الدولية في مقابلات أُجريت معهم إنهم باتوا مضطرين إلى شراء الأعلاف والمياه لأغنامهم المحصورة في الحظائر، ما أدى إلى انخفاض إنتاج الحليب.

وقال “حلمي”، وهو مربي مواشٍ مهجّر يبلغ من العمر 59 عامًا، إن دخله تراجع إلى درجة دفعته إلى التفكير في بيع أغنامه:

“أضطر إلى اقتراض المال لشراء العلف والمياه لأغنامي. فالأمر مكلف جدًا إلى حد أنني فكّرت ببيع قطيعي 50 مرة، لكنني لا أستطيع. هذه هي المهنة الوحيدة التي أعرفها”.[477]

أوامر الهدم والقيود على الرعي وفرض الغرامات

طرقات وسط التلال

أربع صور للطبيعة المحيطة بعين سامية تُظهر طرقًا وبؤرًا استيطانية بناها المستوطنون حديثًا، بما في ذلك بالقرب من محاجر فلسطينية. 28 أغسطس/آب 2025. © حقوق النشر محفوظة لمنظمة العفو الدولية 

إلى جانب القيود المفروضة على الرعي وتربية المواشي، يواجه التجمّع البدوي في عين سامية منذ وقت طويل أوامر هدم بذريعة البناء من دون ترخيص.

وتصدر الإدارة المدنية هذه الأوامر استنادًا إلى سياسات تخطيط إسرائيلية تمييزية تجعل حصول الفلسطينيين على تصاريح بناء أمرًا شبه مستحيل.[478] ووفقًا لمركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان، الذي يقدّم خدمات قانونية للتجمّع، فقد أصدرت الإدارة المدنية 31 أمر هدم في الفترة ما بين 1995 و2025،[479] ما أدّى إلى هدم 18 منشأة منذ عام 2019، كان آخرها قبل أربعة أشهر فقط من التهجير القسري للتجمّع في مايو/أيار 2023.[480]

وإضافةً إلى ذلك، كثيرًا ما فرضت الإدارة المدنية والشرطة الإسرائيلية على الرعاة غرامات وكفالات وصلت إلى 20,000 شيكل إسرائيلي (نحو 6,000 دولار أمريكي)، وذلك بسبب رعي مواشيهم في أراضٍ صنّفتها السلطات الإسرائيلية أراضي دولة، كما هدّدتا بمصادرة أغنام السكان.[481] ولم تفرض الغرامات عبئًا ماليًا هائلًا على تجمّع مُفقر ومهمّش أصلًا فحسب، بل ردعت الرعاة أيضًا عن العودة إلى مناطق رعيهم المعتادة، وأجبرتهم على البحث عن بدائل.

ووصف “سلمان” (غُيّر الاسم لأسباب أمنية)، أحد سكان عين سامية، كيف اعتدى المستوطنون على أقاربه، وكيف فرضت الإدارة المدنية الإسرائيلية عليهم غرامة ضخمة بسبب الرعي في منطقة مقيّدة:

“اعتدوا على عائلة ابن عمي، وانهالوا عليه وعلى زوجته بالضرب، واعتقلوا أبناءه بزعم الرعي في مناطق محظورة. واضطر إلى دفع 20,000 شيكل إسرائيلي (نحو 6,000 دولار أمريكي) للإفراج عن أبنائه بكفالة. لا يملك الناس مثل هذه المبالغ“.

عنف المستوطنين والتهجير القسري

مع توسّع البؤر الاستيطانية غير المرخّصة وتزايد التهديدات بالهدم، تصاعد أيضًا عنف المستوطنين. أخبر ثمانية من المهجّرين من عين سامية منظمة العفو الدولية بأن هجمات المستوطنين تصاعدت بصورة حادة في السنوات الأخيرة، وأصبحت متواصلة منذ عام 2019.[482] وشملت هذه الهجمات اعتداءات جسدية داخل القرية وفي مناطق الرعي، وتهديدات باستخدام العنف، ومضايقات، وتخريب الممتلكات وتدميرها، وسرقة الأغنام والماعز. وقال من أُجريت معهم المقابلات إن المستوطنين كانوا يأتون بمجموعات كبيرة، أحيانًا بالعشرات، وغالبًا ما كانوا يحضرون برفقة قوات الجيش الإسرائيلي.[483]

وفي 22 مايو/أيار 2023، قرّر سكّان التجمّع البدوي مغادرة عين سامية بعد تعرّضهم لسلسلة من الهجمات اليومية التي شنّها المستوطنون وسهّلتها قوات الأمن الإسرائيلية، حيث خرّب المستوطنون الممتلكات وسرقوها، ورشقوا الحجارة، وروّعوا السكان بتحليق طائرات مسيرة فوقهم والتقاط الصور، والدخول إلى المخيّم والتجول حوله بمركباتهم، ومحاولة الاستيلاء على حيواناتهم. وبقيت عائلتان فقط من مربّي المواشي من كفر مالك في خيامهما في عين سامية. وفي مايو/أيار 2024، وبعد عامٍ من العنف المتواصل، فرّت العائلتان أيضًا.

وقالت أم لـ14 طفلًا فرّت من عين سامية إلى أطراف قرية كفر مالك لمنظمة العفو الدولية، إن المستوطنين بدأوا في مايو/أيار 2023 بمهاجمة التجمّع يوميًا، وإفراغ خزانات المياه على الأرض، وتهديد الشباب، والاعتداء على السكان داخل منازلهم.[484] ووصف “خليل”، وهو أب لسبعة أطفال، كيف اقتحم المستوطنون خيام عائلته في 15 مايو/أيار 2024، واستولوا على جميع ممتلكاتهم. حيث قال:

“فكّكوا خيامنا وسرقوها، سرقوا الأعمدة، وأغطية الظل، سرقوا كل شيء! أخذوا خزان المياه وعربتي، وسرقوا سيارة أخي، ولاحقونا حتى طردونا من هناك عبر الطريق السريع“.[485]

ووفقًا لأحد السكّان الآخرين، خلق عنف المستوطنين مناخًا من الخوف في التجمّع فاق بكثير الضغط الذي مارسته الإدارة المدنية طوال سنوات. وأوضح قائلًا:

“عندما كانت الإدارة المدنية تهدم منازلنا، كنا نجد مأوىً في الكهوف ونتدبر أمورنا، لكن عندما بدأ المستوطنون بمهاجمتنا، لم نعد نشعر بالأمان أبدًا. قررتُ المغادرة لأنني خفت على عائلتي، وعلى نفسي، وعلى أغنامي”.[486]

حلّلت منظمة العفو الدولية 33 مقطع فيديو نُشر على منصات إكس، وإنستغرام، ويوتيوب، وفيسبوك في الفترة ما بين 1 يناير/كانون الثاني 2023 و1 سبتمبر/أيلول 2025، وتوثّق هذه المقاطع تهجير السكان الفلسطينيين من عين سامية في مايو/أيار 2023، وهجمات المستوطنين، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية في الفترتين ما قبل التهجير القسري وبعده. كما تُظهر مقاطع الفيديو توسّع المستوطنات والبنى التحتية العسكرية حول عين سامية.

ثلاث لقطات من مقطع فيديو تُظهر شاحنة وسيارات في منطقة سكنية
مركبات فلسطينية، من بينها شاحنة وسيارات استخدمها سكان عين سامية لنقل متعلقاتهم أثناء تهجيرهم قسرًا من المنطقة، في 22 مايو/أيار 2023.

تُظهر ستة مقاطع فيديو تحقّقت منها منظمة العفو الدولية السكان وهم يحزمون أمتعتهم، ويفكّكون منازلهم، ويحمّلونها على الشاحنات، ويغادرون المنطقة جماعيًا.[487]

وقد أُجبروا على الانتقال إلى أطراف قرى رام الله مثل كفر مالك، والمغيّر، وأبو فلاح، والطيبة، أو إلى منطقة النويعمة في مدينة أريحا.[488] وفي الوقت نفسه، تراجع عدد المزارعين الفلسطينيين من كفر مالك الذين حاولوا الوصول إلى أراضي الرعي خوفًا من هجمات المستوطنين.

منع التجمّع من العودة

منذ التهجير القسري من عين سامية، اتخذت السلطات الإسرائيلية والمستوطنون على حد سواء إجراءات لمنع التجمّع من العودة نهائيًا.

ففي أغسطس/آب 2023، بعد ثلاثة أشهر من التهجير القسري شبه الكامل للتجمع، هدمت الإدارة المدنية الإسرائيلية مدرسة عين سامية.[489] وذلك بعدما رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية في أبريل/نيسان 2023 الاستئناف الرابع الذي قدّمه التجمّع ضد أمر الهدم.[490] ويُظهر مقطع فيديو موثّق نُشر على منصة إكس في 17 أغسطس/آب 2023 جرافة وهي تهدم الهيكل المعدني للمدرسة قبل أيام فقط من بدء العام الدراسي.[491]

وكان سكان التجمّع قد بنوا المدرسة في يناير/كانون الثاني 2022 بتمويلٍ من الاتحاد الأوروبي، على أمل أن يساعدهم ذلك في الحصول على تصريح بناء وأن يحميهم من التهجير القسري.[492] إلا أن السلطات الإسرائيلية رفضت طلب التصريح على الفور، وفقًا لمحامي التجمّع.[493] وبالنسبة إلى كثير من السكان، كان هدم المدرسة سببًا كافيًا لعدم محاولة العودة من الأساس.

وأفاد أشخاص ممن أُجريت معهم مقابلات بأنه في الحالات التي عاد فيها السكان لزراعة الأرض، واجهوا هجمات متجددة من المستوطنين وتعرّضوا للاعتقال على يد الجيش الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، اعتقل جنود إسرائيليون في عام 2024 امرأة فلسطينية تبلغ من العمر 83 عامًا في عين سامية بينما كانت تقطف محصول الزعتر، وأبلغوها بأنها ممنوعة من زراعة أرضها.[494]

وإضافةً إلى ذلك، تعرّضت آبار عين سامية لهجمات متزايدة من المستوطنين منذ عام 2024.[495] وتُظهر لقطات من كاميرات مراقبة، نشرتها وسائل إعلام فلسطينية وتحققت منظمة العفو الدولية من صحتها، رجلًا ملثمًا يرتدي ملابس خضراء يعتدي على محطة مياه عين سامية قرابة منتصف ليل 13 يوليو/تموز 2025.[496]

وبعد عدة أيام، أعلنت مصلحة مياه محافظة القدس، وهي مؤسسة فلسطينية، اضطرارها إلى تعليق عملياتها بسبب تصاعد هجمات المستوطنين الإسرائيليين التي طالت البنى التحتية الحيوية. ووفقًا للمصلحة، فقدت المؤسسة السيطرة الفنية والإدارية على شبكة المياه في أعقاب اعتداءات مباشرة على معدّات الضخ، وأنظمة الاتصال، والشبكات الكهربائية، وكاميرات المراقبة.[497] وقد أدّت الهجمات المتكررة التي شنّها المستوطنون على محطة مياه عين سامية إلى تعطيل إمدادات المياه عن 100,000 فلسطيني في قرابة 20 تجمعًا، بل وقطعها عنهم أحيانًا.[498]

واستمرت هجمات المستوطنين على محطة مياه عين سامية طوال عام 2026. وتُظهر لقطات من كاميرات المراقبة التابعة لمصلحة مياه محافظة القدس حوادث متعددة، من بينها إقدام مستوطن على إتلاف أنبوب مياه في 27 يناير/كانون الثاني؛ واقتحام مستوطنين محطة ضخ عين سامية وإتلاف المكاتب والمعدات في 7 فبراير/شباط؛ واستخدام مستوطن ما يبدو أنه رذاذ الفلفل ضد عمال فلسطينيين في 11 فبراير/شباط.[499]

استمرار عنف المستوطنين وانتهاكات الجيش بعد التهجير القسري: الهجمات على قرية كفر مالك

لا يقتصر عنف المستوطنين على التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية بل يمتد أيضًا إلى القدس الشرقية المحتلة، وكذلك إلى القرى والبلدات المأهولة في المنطقتين (أ) و(ب) من الضفة الغربية.[500] ومن بين الانتهاكات الأخرى في هذه المناطق، اعتداء المستوطنين على السكان الفلسطينيين، ما أسفر عن إصابات ووفيات؛[501] وإضرام النار في المنازل والسيارات وغيرها من الممتلكات؛ واقتلاع أشجار الزيتون؛ وإغلاق الطرقات.[502]

وبعد أن طرد المستوطنون تجمّع عين سامية قسرًا في مايو/أيار 2023، وأرهبوا المزارعين والرعاة من قرية كفر مالك إلى حد دفعهم إلى تجنّب نبع المياه والأراضي الزراعية ومناطق الرعي، لم تتوقف الهجمات. فقد أفاد سكان كفر مالك بأن المستوطنين واصلوا مهاجمتهم وسرقة أغنامهم، غالبًا بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، وذلك أثناء رعيهم مواشيهم في الأراضي الواقعة مباشرة خارج قريتهم. وقالوا إن العنف كان يهدف بوضوح إلى منعهم ومنع تجمّع عين سامية من الوصول إلى الأرض واستخدامها، والتي يقع جزء كبير منها في المنطقة (ج).

وروى أحد السكان كيف تعرّض لاعتداء في يوليو/تموز 2025:

“منذ قرابة عام، لم أقطع الطريق العام [طريق آلون]. كانوا [المستوطنون] يضايقونني أنا ورعاة آخرين، وكنا نحاول تجنبهم، لكن الجيش بدأ بالحضور لحمايتهم، مطلقًا النار في الهواء”. في 8 يوليو/تموز 2025، كنت أرعى أغنامي في الجبل عندما هاجمني ستة مستوطنين، كان اثنان منهم مسلحين. وهربت بأعجوبة. لو أمسكوا بي، لانهالوا عليّ بالضرب، أو فعلوا ما هو أسوأ… استولوا على أغنامي الثمانين كلها، لم أستطع حماية قطيعي مهما حاولت. لم يبقَ لدي سوى بضع أغنام وماعز لم آخذها للرعي ذلك اليوم”.[503]

كما هاجم المستوطنون السكان داخل قرية كفر مالك نفسها، ما يعكس مستوىً جديدًا من الوقاحة والجرأة. حيث تقع القرية في المنطقة (ب) الخاضعة للسلطة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية، ولم تكن، حتى ذلك الوقت، قد تضرّرت من هجمات المستوطنين بالحدّة نفسها. ولم تكتفِ القوات الإسرائيلية بالتقاعس عن حماية سكان كفر مالك، بل شاركت أيضًا بالهجوم، حيث استخدمت القوة غير المشروعة، ما أدى إلى مقتل فلسطينيين وإصابة آخرين.

ففي 23 يونيو/حزيران 2025، أطلق الجيش الإسرائيلي النار على عمار حمايل، وهو طفل من قرية كفر مالك يبلغ من العمر 14 عامًا، وأرداه قتيلًا، بينما كان برفقة صديقه قرب طريق التفافي بالقرب من حي الحارة الفوقا.[504] وأبلغ سكان كفر مالك منظمة العفو الدولية أنه بعد يومين، وفي المساء، بدأ مستوطنون إسرائيليون بإلقاء القنابل على منازل الفلسطينيين وإضرام النار فيها.[505] وتؤكد أدلة الفيديو إفادات شهود العيان. ففي مقطع فيديو سُجّل حوالي الساعة 7:40 مساءً في الجزء الجنوبي من القرية، كان الشخص الذي يصوّر يصرخ: “أضرموا النار بالبيوت… اتصلوا بالإطفاء” بينما تبدو منشأة واحدة على الأقل تشتعل فيها النيران، ويتصاعد دخان كثيف من اتجاهين أو أكثر.[506] وفي مقطع فيديو آخر صُوّر في الوقت نفسه تقريبًا، على امتداد الطريق نفسه، تتصاعد أعمدة الدخان وألسنة اللهب من جهة أحد المنازل.[507] ويظهر عدد من الرجال الفلسطينيين متجمّعين في الشارع. ثم يظهر رجلٌ مسلح في أقصى الشارع ويتخذ وضعية إطلاق النار. ويُسمع صوت إطلاق النار، فيتفرّق الرجال الفلسطينيون ويحتمون. ويظهر مقطعان آخران صُوّرا في شوارع مجاورة في الوقت نفسه تقريبًا سيارتين مشتعلتين وسكانًا يركضون.[508]

ووفقًا للسكان الذين أجرت معهم منظمة العفو الدولية مقابلات، في البداية، وقف الجنود الإسرائيليون متفرجين. وقالوا إنه بعد وقت قصير، انضم الجنود إلى الهجوم وبدأوا بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية على السكان.[509] وأوضح منتصر المالكي الذي كان حاضرًا أثناء وقوع الأحداث:

“عندما رأى المستوطنون أن عددًا كبيرًا من الأشخاص حضر للدفاع عن القرية، تراجعوا خلف الجنود الذين تقدّموا وبدأوا بإطلاق النار علينا. قتلوا ثلاثة شبان. كان أحدهم، مرشد، يحاول إخماد النار التي أشعلها المستوطنون في منزله وإخراج أمه وأطفاله عندما أطلق جندي النار عليه. أصيب محمد برصاصة في ظهره، ولطفي في صدره. كان إطلاق النار والغاز المسيل للدموع في كل مكان“.[510]

ويُظهر مقطع فيديو مصوّر حوالي الساعة 7:50 مساءً، على بعد نحو 300 متر من مواقع الحرائق، وتحققت من صحته منظمة العفو الدولية، مركبة مدرعة من طراز “شلدوت ديفيد” يستخدمها الجيش الإسرائيلي عادةً، وشاحنة، وسيارة حمراء على طريق مؤدٍ إلى طريق 449.[511] ويقف ثمانية رجال يرتدون قمصانًا سوداء، ويغطون رؤوسهم، إلى جانب ثلاثة جنود بزي عسكري، ويتحركون حول المركبات. ويبدو أن جنديًا واحدًا على الأقل يرفع جسمًا يحمله بيده ويوجهه نحو هدف خارج إطار الصورة، ويعقب ذلك صوت يشبه إطلاق النار. وفي لحظة معينة، يُسمع شخص وهو يصرخ باللغة العربية: “إنه يطلق النار ليصيب!”

وفي مقطع فيديو صُوّر لاحقًا ذلك المساء داخل قرية كفر مالك، بالقرب من المسجد، تظهر القوات الإسرائيلية وهي تطلق الغاز المسيل للدموع على نحوٍ غير مشروع باتجاه منطقة سكنية، رغم عدم وجود أشخاص في الشوارع أو أي أعمال عنف.[512] ويُظهر مقطع الفيديو جنودًا إسرائيليين يستخدمون نظام “فينوم”، وهو قاذف قنابل متعدد الفوّهات يُثبّت على المركبات، ولا يتيح التصويب الدقيق على النحو الذي تقتضيه إرشادات الأمم المتحدة بشأن استخدام الأسلحة الأقل فتكًا،[513] كما يُعرف هذا النظام بإطلاق كميات مفرطة من المهيجات الكيميائية التي قد تسفر عن إصابات بالغة، وتؤدي في بعض الحالات إلى الوفاة.[514] 

يُظهر هذا الفيديو قوات إسرائيلية وهي تطلق قنابل الغاز المسيل للدموع على نحو غير مشروع باتجاه منطقة سكنية في قرية كفر مالك في 22 يونيو/حزيران 2025، رغم عدم وجود أي تهديد ظاهر في محيطها المباشر. وتستخدم المركبة نظام قاذفات “فينوم” الذي يؤدي إلى استخدام مفرط ومنفلت للقوة.

وقد أصيب 10 أشخاص على الأقل‎ خلال الأحداث،[515] بينهم عدة أشخاص أُصيبوا بجروح ناجمة عن أعيرة نارية. وقُتل ثلاثة رجال تراوحت أعمارهم بين 18 إلى 35 عامًا، وهم: لطفي طرشان، ومحمد إبراهيم، ومرشد حمايل.[516] وفي بيان رسمي، قال الجيش الإسرائيلي إنه تدخل في قرية كفر مالك، إلى جانب قوات الشرطة، لوقف المواجهات بين مواطنين فلسطينيين وإسرائيليين شملت رشق الحجارة بعدما أضرم إسرائيليون النار في ممتلكات. وقد برّر الجيش استخدام الذخيرة الحية بالادّعاء أن عدة أفراد “أطلقوا النار من عمق القرية وألقوا الحجارة على القوات” ما دفعه إلى الرد.[517]  

ولم تتمكن منظمة العفو الدولية من رصد أي أسلحة نارية أو أسلحة أخرى بحوزة السكان الفلسطينيين في المقاطع المصورة المتاحة علنًا. ووقعت الحادثة المصورة الوحيدة التي تُظهر جنودًا يطلقون ما يبدو أنها أعيرة نارية بالقرب من طريق 449، أي على بعد نحو 300 متر من القرية، ما يقوّض ادّعاء الجيش بأنه كان يرد على إطلاق نار من “عمق القرية”. ويظهر مقطع فيديو مجموعة من الرجال الفلسطينيين يلقون الحجارة على مركبات عسكرية إسرائيلية بعد دخولها القرية بالقرب من طريق 449 في وقتٍ لاحق من تلك الليلة.[518] غير أنه بموجب القانون الدولي والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، لا يمكن استخدام القوة المميتة في إنفاذ القانون إلا عندما يكون هناك تهديد وشيك على الحياة، ولا يُعد استخدامها استجابة متناسبة مع إلقاء الحجارة‎.

زنوتا، تلال جنوب الخليل

“كان المستوطنون مسلحين، وظلوا يعتدون علينا. كنا العائلة الأخيرة هناك. كان الجميع قد غادروا، لذلك اضطررنا إلى الرحيل من أجل سلامة أطفالنا ومواشينا. كنّا خائفين، كان إرهابًا”.[519]

عادل الطل، رجل فلسطيني مهجّر قسرًا من زنوتا

بين 27 أكتوبر/تشرين الأول و1 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حزم جميع سكان زنوتا أمتعتهم وفرّوا من القرية التي استقرّ فيها أسلافهم في القرن التاسع عشر.[520] وقد فرّ السكان بعد سلسلة من المداهمات العنيفة التي شنّها مستوطنون من بؤرة استيطانية قريبة، بدأت بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقبل الطرد، كان يعيش في زنوتا نحو 250 شخصًا، بينهم حوالي 100 طفل.[521] وكانت القرية تضم 36 منزلًا وعدة عشرات من حظائر الأغنام وأقفاص الدجاج.

تقع زنوتا في المنطقة (ج) على أطراف الضفة الغربية، في التلال الواقعة جنوب شرقي مدينة الخليل. وقد أُقيمت على موقع أثري فوق أرض فلسطينية مملوكة ملكية خاصة لسكان مدينة الظاهرية المجاورة، وعدة عائلات من زنوتا.[522] وصنّفت السلطات الإسرائيلية المساحات المفتوحة الشاسعة المحيطة بزنوتا، التي استخدمها رعاة القرية تاريخيًا للرعي والزراعة، أراضي دولة، بينما سمحت للمستوطنين بممارسة النشاط الزراعي هناك.[523]

وتمتد أربع بؤر استيطانية على مسافة لا تتجاوز 3 كيلومترات من القرية، أقربها مزرعة ميتاريم، التي تقع على بعد أقل من كيلومتر واحد داخل منطقة ميتاريم الصناعية، وذلك وفقًا لتحليل صور الأقمار الصناعية. كما توجد في محيط القرية مستوطنتان، هما تنه عومريم إلى الغرب، ومستوطنة شمعة إلى الشمال الشرقي. وأقيمت المستوطنتان في ثمانينيات القرن الماضي، وتخضعان لاختصاص مجلس هار حفرون الإقليمي (هار حفرون)،[524] الذي يقع مقره داخل منطقة ميتاريم الصناعية. ووفقًا لموقعه الإلكتروني، يقدّم مجلس هار حفرون (جبل الخليل) خدماته إلى 22 مستوطنة، من بينها بؤر أقامها مستوطنون جنوب الخليل.[525]

أنقاض
قرية زنوتا بعد تدمير منازل فلسطينية ومدرسة فيها. تظهر في الأفق منطقة ميتاريم الصناعية، 28 أغسطس/آب 2025.

على مدى عقود، عاش سكان زنوتا في كهوف داخل القرية، وشيّدوا لها مداخل حجرية. واعتمدوا على رعي المواشي، وإنتاج الألبان، والزراعة. وفي ثمانينيات القرن الماضي، بدأوا بنصب الخيام وبناء المنازل الحجرية والمنشآت المؤقتة من الصفيح. وفي عام 2007، أصدرت الإدارة المدنية أوامر هدم بحق معظم المنشآت في القرية بذريعة أنها بُنيت دون تصاريح.[526] ويجعل نظام الأبارتهايد الإسرائيلي حصول الفلسطينيين على مثل هذه التصاريح أمرًا شبه مستحيل، أما في هذه الحالة فقد جعل غياب مخطط هيكلي إسرائيلي للمنطقة الحصول عليها أبعد منالًا.

وطعن سكان زنوتا في أوامر الهدم، لتبدأ بذلك معركة قانونية طويلة من أجل حقهم في البقاء على الأرض. وابتداءً من عام 2011، اشتدّت الضغوط على زنوتا بسبب الالتماسات التي قدمتها منظمة ريغافيم الاستيطانية[527] لتنفيذ أوامر الهدم.[528] واستندت هذه الالتماسات إلى تصنيف المنطقة كموقع أثري لتبرير تهجير التجمّع ومنع أي أعمال بناء. وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت هناك أوامر هدم قائمة تطال معظم المنازل، فضلًا عن الكرفانات التي يستخدمها مجلس القرية وعيادتها.[529]

وفي 2021، وقّع مجلس هار حفرون الإقليمي عقدًا مع ينون ليفي، عهد إليه بموجبه بإنشاء مزرعة داخل منطقة ميتاريم الصناعية الخاضعة لاختصاص المجلس. وكان الهدف من المزرعة واضحًا: الاستيلاء على جميع المناطق المحيطة التي صنّفتها إسرائيل أراضي دولة، ومنع الفلسطينيين من استخدامها. فقد أوضح العقد أن الغرض من المزرعة هو “الحفاظ على وجود في المنطقة، وبذلك المساعدة في الحفاظ على أراضي الدولة ومنع الاستيلاء غير المرخّص على الأراضي المحيطة”.[530]

ومثّل ذلك بداية موجة طويلة ومتصاعدة من هجمات المستوطنين بحق الفلسطينيين في زنوتا. وكانت حدّة هذه الهجمات والدور القيادي الذي اضطلع به ينون ليفي من بين الأسباب التي دفعت بعض الدول الأجنبية إلى فرض عقوبات عليه وعلى البؤرة الاستيطانية غير القانونية “مزرعة ميتاريم” التي أسسها، شملت تجميدًا للأصول وحظر السفر.[531] وفي الوقت نفسه، ظل العقد المبرم بين مجلس هار حفرون الإقليمي وينون ليفي ومزرعة ميتاريم على حاله دون تغيير، وأعلن المجلس عن دعمه لينون ليفى حتى بعد فرض العقوبات عليه.[532]

قال عادل الطل، وهو فلسطيني مهجّر من زنوتا، لمنظمة العفو الدولية إنه بعد وقتٍ قصير من إنشاء مزرعته، بدأ ينون ليفي بمنع الرعاة الفلسطينيين من رعي مواشيهم، قائلًا لهم إنهم لا يستطيعون الرعي في أراضي الدولة: “منذ أن وضع ليفي أول مقطورة له وأحضر أول بضعة رؤوس من الأغنام، بدأت مزرعته بالتوسّع. ولديه الآن نحو 200 رأس من الأغنام ويعمل كثير من الأشخاص في المزرعة”.[533]

أجرت منظمة العفو الدولية زيارتين للمواقع التي فرّ إليها سكان زنوتا بعد تهجيرهم قسرًا، وقابلت أربعة رجال وامرأتين، بعضهم أكثر من مرة. كما زار فريق البحث زنوتا نفسها. وأفاد الأشخاص الستة الذين أُجريت معهم المقابلات بأنهم تعرّضوا شخصيًا لعنف المستوطنين. كما قابلت المنظمة محامية من منظمة حقل، التي تمثل سكان زنوتا في إجراءاتهم القانونية، وراجعت وثائق المحكمة، ومقاطع فيديو، وخرائط، وصور أقمار صناعية.

ووفقًا لإفادات من أٌجريت معهم المقابلات وأدلة الفيديو،[534] فقد دأب ينون ليفي ومستوطنون آخرون من مزرعة ميتاريم على مضايقة سكان زنوتا من خلال رعي أغنامهم في الأراضي الزراعية للقرية،[535] ما ألحق أضرارًا واسعة بالمحاصيل، من دون أن يتخذ موظفو إنفاذ القانون الإسرائيليون أي تدابير لمنع هذه الاقتحامات، رغم الشكاوى المتكررة التي قدّمها السكان. وأبلغت محامية زنوتا منظمة العفو الدولية أنه في الفترة ما بين 2021 و2023، ساعدت منظمة حقل التجمّع على تقديم 11 شكوى إلى الشرطة الإسرائيلية، لكنهم لم يتلقّوا ردًا على أي منها.[536]

ارتفاع حاد في هجمات المستوطنين بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023

في أعقاب 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، صعّد المستوطنون عنفهم وبدأوا يعتدون على السكان داخل القرية. ووفقًا لأحد السكان، “جاء ينون ليفي برفقة كثيرين آخرين، بعضهم مسلّح، وبثّوا الرعب داخل التجمّع”. وأوضح أن أساليب المستوطنين تغيرت بين ليلة وضحاها، فقد انتقلوا من مضايقة السكان أثناء رعي مواشيهم خارج القرية، وهي ممارسات كانوا يتعرّضون لها منذ عام 2021، إلى شنّ هجمات داخل القرية شملت إطلاق المستوطنين المسلحين النار في الهواء والاستيلاء على أغنام الرعاة الفلسطينيين.[537]

وحلّلت منظمة العفو الدولية 42 مقطع فيديو نُشر على منصات إكس، وإنستغرام، ويوتيوب، وفيسبوك في الفترة ما بين 1 يناير/كانون الثاني 2023 و1 سبتمبر/أيلول 2025، توثّق اعتداءات جسدية، وغيرها من أشكال عنف المستوطنين ضد سكان التجمّع. وتُظهر الأدلة المرئية هدم منازل التجمّع ومنشآته وإلحاق الأضرار بها، إضافة إلى تدمير آبار المياه وألواح الطاقة الشمسية الضرورية لبقاء السكان. كما تتضمن مقاطع الفيديو أدلة على هجمات استهدفت السكان أثناء رعي حيواناتهم، بما في ذلك سرقة القطعان وعرقلة الرعي في المناطق المحيطة. وفي عدة مقاطع فيديو، يظهر أفراد من الشرطة الإسرائيلية أو الجنود الإسرائيليين في المكان لكنهم لا يتخذون أي إجراء لمنع المستوطنين من مضايقة الفلسطينيين أو إيذائهم أو إيذاء حيواناتهم.

وأخبر سكان زنوتا منظمة العفو الدولية أن هجمات المستوطنين كانت قد بدأت تتزايد بالفعل خلال الأشهر التسعة الأولى من ولاية حكومة الائتلاف. غير أن الهجمات تصاعدت بشكلٍ كبير، من حيث الوتيرة والحدّة، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، حتى باتت الحوادث على نحو شبه يومي. ووصف السكان كيف أضرم المستوطنون النار في الممتلكات، مثل الخيام والفصول الدراسية في مدرسة القرية، واقتحموا منازلهم، واعتدوا عليهم بالضرب بالبنادق، وضخّوا مياه الصرف الصحي عمدًا إلى أراضيهم الزراعية. وقالوا إن حالة الرعب كانت متواصلة لا تنقطع. ووصفت “مروة”، وهي أم لطفلين، مداهمة ليلية وقعت في الأيام التي أعقبت 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، اعتدى خلالها المستوطنون على أطفالها:

“اعتدى المستوطنون على منزلنا أكثر من مرة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ذات مرة، كسر ينون ليفي الباب وضربوا أطفالنا ببنادقهم. وهشّم النوافذ بينما كنا نيامًا“.[538]

ثم في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2023، داهم مستوطنون من مزرعة ميتاريم برفقة قوات إسرائيلية القرية، وهدّدوا بإيذاء السكان وطالبوهم جميعًا بالمغادرة.[539] وفي اليوم التالي، أرسل سكّان التجمّع رسالة للشرطة الإسرائيلية طالبوا فيها بالحماية من المستوطنين وأعربوا عن خوفهم من التهجير القسري.

ومرّة أخرى، لم ترد الشرطة الإسرائيلية ولم تتّخذ أي إجراء، واستمرت هجمات المستوطنين. ووفقًا لمنظمة بتسيلم، تعدّى المستوطنون في 23 و24 أكتوبر/تشرين الأول على منازل سكان القرية، ورشقوا السكان بالحجارة، وهشّموا ألواح الطاقة الشمسية والنوافذ، وأفرغوا خزانات المياه.[540] وتُظهر مقاطع فيديو وصور موثّقة من 27 أكتوبر/تشرين الأول سكان زنوتا وهم يحمّلون أمتعتهم على شاحنات ومركبات أخرى، ويفكّكون منازلهم، ويغادرون القرية.[541]

وبحلول 1 نوفمبر/تشرين الثاني، كان التجمّع بأكمله قد غادر خوفًا على سلامته. ولجأ السكان المهجرون من زنوتا إلى الظاهرية والمناطق المحيطة بها، حيث ظلوا يقيمون هناك حتى وقت النشر، رغم محاولاتهم المتكررة للعودة.

يُظهر مقطع الفيديو سكان زنوتا وهم يحمّلون أمتعتهم على شاحنات ومركبات أخرى، ويفككون منازلهم، قبل مغادرة القرية.

منع محاولات العودة

عقب طرد التجمّع، وقعت سلسلة من الهجمات التي بدت وكأنها تهدف إلى جعل القرية غير صالحة للسكن، كي لا يتمكن السكان من العودة إليها. ففي 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أضرم مجهولون النار بالفصول الدراسية في مدرسة زنوتا.[542] وأخبر رئيس مجلس القرية منظمة العفو الدولية أنه عقب الحادثة، تواصل المجلس مع الشرطة الإسرائيلية التي وصلت لاحقًا وجمعت البصمات. ولكن حتى فبراير/شباط 2026، لم يتلقّ التجمّع أي مستجدات بشأن القضية، رغم استفساراته المتكررة.[543] وعندما توجّه رئيس المجلس إلى مركز الشرطة للسؤال عن سير العملية، رد عليه أحد الضباط باستخفاف قائلًا “إنهم لا يكشفون هوية السارق لكُل من سُرقت أغراضه”.[544]

مبنىً مدمَّر جزئيًا

المدرسة في زنوتا بعدما خرّبها المستوطنون، 28 أغسطس/آب 2025. © حقوق النشر محفوظة لمنظمة العفو الدولية

في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عاد عشرات السكان إلى زنوتا برفقة متطوعين أجانب وإسرائيليين لإحياء اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني وللعمل سويًا على إصلاح المدرسة المتضررة. وأبلغ رئيس مجلس القرية منظمة العفو الدولية أن مستوطنين وجنودًا ومسؤولين من الإدارة المدنية حضروا وأجبروهم على المغادرة.[545]

وتشير صور نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي أن هدم المدرسة وغيرها من المنشآت، بما في ذلك مبنى مجلس قرية زنوتا، استمر طوال شهر ديسمبر/كانون الأول 2023، وخلال الأشهر الثمانية الأولى لعام 2024.[546] فيما تُظهر صورًا نُشرت في عام 2025 أنقاضًا تحيط بالمنشآت المتبقية، بما في ذلك أضرارًا واسعة لحقت بألواح الطاقة الشمسية التي تزوّد القرية بالكهرباء.[547]

وفي الوقت نفسه، فشلت محاولات التجمّع للعودة إلى القرية عبر سبل الانتصاف القانونية، حتى بعد صدور قرار قضائي لصالح التجمّع.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، قدّم سكان زنوتا التماسًا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية يطالبون فيه بالسماح لهم بالعودة. وفي فبراير/شباط 2024، وبينما كان السكان لا يزالون ينتظرون قرار المحكمة، بدأ المستوطنون بإقامة سياج بمحاذاة الطريق 60، ما أدّى عمليًا إلى منع الوصول إلى القرية من الطريق العام.[548] وتُظهر مقاطع فيديو موثقة رجالًا يرتدون سترات خضراء تحمل شعار منظمة هاشومير يوش[549] يقيمون السياج.[550] كما تُظهر الصور وصور الأقمار الصناعية طريقًا جديدًا على التلال المطلّة على زنوتا، وطرقًا ومنشآت جديدة في مزرعة ميتاريم.[551]

وفي 29 يوليو/تموز 2024، قبلت المحكمة العليا الإسرائيلية التماس التجمّع، وقررت أن واجب الشرطة الإسرائيلية والقوات العسكرية الإسرائيلية لا يقتصر على الوصول بأسرع وقت ممكن إلى موقع الحدث عند إبلاغ الفلسطينيين عن هجمات المستوطنين، بل يشمل أيضًا اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السكان. وذكرت المحكمة في ردها على الالتماس أن الدولة أقرّت بأن الشرطة لا تبذل ما يكفي.[552]

كما أمرت المحكمة الشرطة والجيش بتيسير عودة سكان زنوتا المهجّرين، والتنسيق مع التجمّع بشأن توقيت عودتهم،[553] وحمايتهم من عنف المستوطنين.[554] غير أنها أعادت التأكيد على حكمها الصادر في عام 2017 والذي يقضي بمنع بناء أي منشآت جديدة في زنوتا، وبذلك لم تسمح للسكان بالعودة إلا إلى المنشآت القائمة سابقًا. [555]

صورتا أقمار صناعية بشروح توضيحية معروضتان جنبًا إلى جنب
صور أقمار صناعية تُظهر زنوتا والمنطقة المحيطة في 17 مايو/أيار 2022 (يسارًا) وفي 30 مارس/آذار 2025 (يمينًا). تظهر المناطق التي صنّفتها السلطات الإسرائيلية كأراضي دولة بخطوط زرقاء فاتحة. ويُظهر الإطار الأبيض رؤية محسّنة للقرية الفلسطينية. في عام 2022، كانت منشآت القرية ظاهرة بوضوح، بينما في عام 2025، لم تعد ظاهرة.وخلال الفترة نفسها، توسّعت بؤرة مزرعة ميتاريم الاستيطانية (المحددة باللون الأزرق) بشكل واضح مع ظهور منشآت وطرق جديدة في صور عام 2025. كما يمتد طريق أُنشئ حديثًا من البؤرة الاستيطانية إلى تلة تعلو الموقع الذي كانت تقوم عليه زنوتا.مصادر البيانات للصورة على اليسار: منظمة السلام الآن، والإدارة المدنية الإسرائيلية عبر منظمة كِرم نابوت، وخرائط غوغل© 2026 إيرباص؛ مصادر البيانات للصورة على اليمين: منظمة السلام الآن، والإدارة المدنية الإسرائيلية عبر منظمة كِرم نابوت.

ورغم القرار، استمر تدمير ما تبقى من منازل في زنوتا. ومع ذلك، أخذ عشرات الرجال والفتيان الفلسطينيين من التجمّع أغنامهم وماعزهم وعادوا إلى القرية في 21 أغسطس/آب 2024.

وأبلغ السكان منظمة العفو الدولية أن الأجواء كانت ذلك اليوم احتفالية. وكما عبّر عن ذلك رئيس مجلس القرية: “كان الأمر أشبه بحفل زفاف. عدنا مع أغنامنا. كان الفرح غامرًا، وشعرنا بأنه أسعد أيام حياتنا”.[556] وكانت قوات الشرطة وممثلون عن الإدارة المدنية حاضرين في زنوتا في يوم العودة، بعدما أخطرهم التجمّع مسبقًا بخطته.

ولكن استؤنفت مضايقات المستوطنين وعنفهم بعد أيام. ووفقًا لثلاثة رجال عادوا في أغسطس/آب 2024، وقعت هجمات المستوطنين يوميًا حتى فرّ العائدون مرةً أخرى في 25 سبتمبر/أيلول 2024. وأفاد الرجال لمنظمة العفو الدولية بأن المستوطنين قادوا سياراتهم باتجاه قطعانهم وأفرغوا المياه من خزاناتهم. وعندما اتصل السكان بالشرطة، اكتفت بإبلاغهم بأن يتقدموا بشكوى. وعندما فعلوا ذلك، لم يتلقّوا أي رد.[557]

كما أفاد أفراد التجمّع الذين عادوا إلى منازلهم بأنه، خلال الأسابيع الثلاثة الأولى، حضرت الإدارة المدنية مرارًا وصادرت جميع الخيام التي نصبها العائدون، مدعيةً أنها تعتبر منشآت غير قانونية.[558]

وتُظهر مقاطع فيديو موثقة من 24 أغسطس/آب 2024 ينون ليفي ومستوطنًا آخر وهما يتعديان على ممتلكات خاصة، ويدخلان مناطق سكنية في القرية ويضايقان العائدين إلى زنوتا أثناء رعيهم مواشيهم. وفي المقاطع، يظهران وهما يصوّران السكان وممتلكاتهم من مسافة قريبة.[559] كما تُظهر مقاطع الفيديو بوضوح مستوطنين وهم يرشدون الجنود الإسرائيليين وأفراد الشرطة الإسرائيلية في أنحاء زنوتا، ويشيرون نحو منشآت زعموا أن العائدين بنوها من دون تصاريح.[560] وأوضح من أُجريت معهم المقابلات أنهم حاولوا تهيئة منازلهم المدمّرة جزئيًا لاستخدامها مجددًا، لكنهم لم يبنوا أي منشآت جديدة.[561]

وفي الأيام التي تلت ذلك، واصل ينون ليفي ومستوطنون آخرون مضايقة سكان القرية.[562] حيث يظهر في مقطع فيديو من 31 أغسطس/آب 2024 وهو يركل حيواناتهم ويمتطي حصانًا اندفع به بقوة نحو القطيع، ما أدى إلى تفرّق الأغنام في جميع الاتجاهات.[563] وتُظهر مقاطع فيديو أخرى كيف واصل المستوطنون مضايقة السكان من خلال قيادة مركباتهم عبر أراضي سكان القرية وممتلكاتهم، وتصويرهم بالهواتف المحمولة، ومنع حيواناتهم من الرعي في التلال المحيطة.[564]

وفي نهاية المطاف، قررت الغالبية العظمى من العائدين الفرار من زنوتا عقب محاولة سرقة عنيفة وقعت في 25 سبتمبر/أيلول 2024 أُصيب خلالها أحد السكان الفلسطينيين. ووصف “كامل” الأحداث:

“لم يكن قد بقي منا سوى 13 شخصًا، 10 من السكان وثلاثة متطوعين دوليين. وكان قطيعنا معنا. في 25 سبتمبر/أيلول، حوالي الساعة السادسة صباحًا، جاءت إلينا مجموعة من أربعة مستوطنين، كان أحدهم يمتطي حصانًا، ومعهم سيارة تقلّ جنديين إسرائيليين. اتّجه الرجل بحصانه نحو حظيرة الأغنام وأثار الفوضى. كانوا يريدون سرقة أغنامنا. وعندما طلب المتطوعون المساعدة من الجنود، رفضوا فعل أي شيء. واضطررنا إلى التصدّي لهم لحماية قطيعنا. فضربني أحد المستوطنين على رأسي بعصا، وأُصبت“.

وأخبر منظمة العفو الدولية أنهم اتصلوا بالشرطة، ورغم أن أفراد الشرطة حضروا والتقطوا صورةً لإصابته، فإنهم لم يفتحوا أي تحقيق.[565]

وفي 6 يناير/كانون الثاني 2025، بعد حوادث متكررة تقاعس فيها الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية عن تيسير العودة إلى زنوتا، في انتهاكٍ لأمر المحكمة، قدم التجمّع طلبًا إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لإقرار أن تصرفات الشرطة والجيش تشكّل ازدراءً للمحكمة.[566] وفي 3 فبراير/شباط 2025، أعادت المحكمة تأكيد حكمها الذي يسمح بعودة التجمّع. وأمرت الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية ووزارة الدفاع بتيسير عودة السكان بحلول 16 فبراير/شباط 2025. كما أصدرت تعليمات بإبعاد المستوطنين المعتدين، ومنحت السكان الإذن بإصلاح المنشآت التي كانت قد دُمّرت.[567] وتُظهر صور الأقمار الصناعية من 30 مارس/آذار 2025، حلّلتها منظمة العفو الدولية، عدم وجود أي منشآت في القرية. وتشير الصور، بالإضافة إلى مقاطع الفيديو وإفادات من أُجريت معهم المقابلات، إلى أن زنوتا قد أُفرغت من سكانها بالكامل، بما في ذلك من خلال التدمير واسع النطاق.

وبعد فترة وجيزة، أصلح السكان المدرسة، لكن المستوطنين خرّبوها مرة أخرى في 27 أبريل/نيسان 2025.[568] وقد فسّر التجمّع هذه الحادثة باعتبارها تهديدًا واضحًا مفاده أن المستوطنين لن يسمحوا للتجمّع بالعودة رغم انتصاره القانوني.

وأخبر فايز الطل منظمة العفو الدولية أن مستوطنين من مزرعة ميتاريم طردوه من منطقة زنوتا في عدة مناسبات خلال هذه الفترة، عندما حاول الوصول إلى القرية برفقة نشطاء إسرائيليين أو أجانب كانوا يرصدون انتهاكات المستوطنين. وفي 1 سبتمبر/أيلول 2025، رافق باحثَين اثنين ومصورًا من منظمة العفو الدولية خلال زيارة ميدانية إلى زنوتا. واستوقف المجموعة ثلاثة رجال إسرائيليين وصلوا على متن مركبة دفع رباعي. كانوا يرتدون زيًا مدنيًا، وكان اثنان منهم مسلحين. ورغم أنهم لم يكونوا يرتدون زيًا عسكريًا، زعموا أنهم جنود وتصرفوا كما لو كانوا يتمتعون بسلطة رسمية. وطلبوا الاطلاع على بطاقات هوية الفريق، وأمروا باحثي منظمة العفو الدولية بمغادرة المنطقة. وخلال هذه المواجهة، قرص أحد الرجال ذراع فايز الطل بعنف، ووصفه بأنه “مثير للمشاكل”. وتعرّف فايز الطل على اثنين من الرجال بوصفهما مستوطنين من مزرعة ميتاريم.

وبحلول ديسمبر/كانون الأول 2025، شعر معظم سكان زنوتا بأنهم غير مستعدين للمخاطرة بسلامة أطفالهم وسبل عيشهم، ولذلك ظلّوا مهجّرين. وأوضح أحد الرجال قائلًا:

“نحن نصرّ على العودة، ولكن ليس إذا كان أطفالنا وأغنامنا في خطر! نستطيع تحمّل خسائر أخرى: اعتقالات ظالمة، وغرامات،وحتى تلويث آبار المياه، فقد كابدنا كل ذلك لسنوات. ولكن إن سرقوا أغنامنا، ما الذي يتبقى لنا؟ من دون أي ضمانة للحماية من هؤلاء المستوطنين، لا تعني قرارات المحكمة هذه شيئًا“.[569]

رد السلطات الإسرائيلية على تهجير زنوتا واستمرار دعمها لمزرعة ميتاريم

في 23 مايو/أيار 2026، ردّت وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي على رسالة منظمة العفو الدولية التي استفسرت فيها عن أي تدابير اتُخذت لتنفيذ قرارات المحكمة العليا بشأن تيسير عودة سكان زنوتا وحمايتهم من هجمات المستوطنين. وذكرت الوحدة أن “خربة زنوتا بؤرة فلسطينية أٌقيمت بشكل غير مشروع على موقع ذي قيمة تاريخية كبيرة”، وشدّدت على نية الجيش إنفاذ أنظمة البناء وهدم المنشآت الفلسطينية. وبذلك، لم تؤكد فقط رفضها لتطبيق القانون الدولي الإنساني على الضفة الغربية المحتلة، بل أظهرت أيضًا عزمها على مواصلة تجاهل قرار المحكمة العليا الصادر في 3 فبراير/شباط 2025، الذي يسمح للتجمّع بإصلاح المنشآت التي كانت قد دُمّرت.[570]  

وزعمت وحدة المتحدث باسم الجيش أن قواتها “ستكون مستعدة للحفاظ على النظام والأمن” للسكان الفلسطينيين في حال قرروا العودة إلى المنطقة” وأنها “أمّنت ونسقت عودة [سكان زنوتا]”. وأوضحت أنه “منذ ذلك الحين، عملت قوات جيش الدفاع الإسرائيلي على الحفاظ على الأمن والنظام بالتعاون مع الشرطة الإسرائيلية، وهي الجهة المسؤولة عن التعامل مع الشكاوى المتعلقة بانتهاكات القانون التي يرتكبها الإسرائيليون”. غير أن الوحدة لم تقدّم أي أمثلة على إجراءات ملموسة اتُخذت لمنع عنف المستوطنين أو حماية الفلسطينيين عندما تعرضوا للاعتداءات والمضايقات بعدما حاولوا العودة إلى زنوتا. وفي الواقع، تُشير إفادات من أُجريت معهم المقابلات إلى أن الجنود الإسرائيليين رفضوا التدخل مرة واحدة على الأقل، أثناء محاولة سرقة نفذها مستوطنون في 25 سبتمبر/أيلول 2024، وأن الجنود، إلى جانب مستوطنين ومسؤولين من الإدارة المدنية، أجبروا بعض السكان على مغادرة زنوتا في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بعدما عادوا لإصلاح المدرسة.

وفي 13 مايو/أيار 2026، أرسلت منظمة العفو الدولية رسالة إلى وزارة الأمن القومي تتضمن قائمة من الأسئلة بشأن أي تحقيقات جنائية في الانتهاكات التي ارتكبها مستوطنون إسرائيليون في أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك في زنوتا، لكنها لم تتلق ردًا. 

وعلى حد علم منظمة العفو الدولية، لم تُجرَ أي تحقيقات في الانتهاكات الموثقة جيدًا التي ارتكبها ينون ليفي وغيره من مستوطني مزرعة ميتاريم بحق الفلسطينيين من زنوتا. وبدلًا من ذلك، ظلّوا يحظون بدعمٍ سياسي ومالي قوي من الحكومة بالرغم من دورهم في التهجير القسري لكامل السكان الفلسطينيين من زنوتا ومنعهم من العودة.

وفي مثال يوضح هذا الدعم، حضر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ووزيرة الاستيطان والمهام الوطنية أوريت ستروك في أبريل/نيسان 2025، مراسم احتفالية في مزرعة ميتاريم سلّما خلالها 19 مركبة دفع رباعي ممولة من الدولة إلى البؤر الاستيطانية غير القانونية في تلال جنوب الخليل “لأغراض أمنية” معلنة، وجاء ذلك رغم وجود أدلة على استخدام المستوطنين هذه المركبات لمضايقة الفلسطينيين وإصابتهم، وإيذاء حيواناتهم، وتدمير الأراضي الزراعية.[571] وبعد المراسم التي حضرها ينون ليفي، وفقًا لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”،[572] أشاد بتسلئيل سموتريتش علنًا باستيلاء المستوطنين على الأراضي، واصفًا هذه الممارسة باعتبارها جزءًا من مشروع وطني مشترك. وفي مقطع فيديو للفعالية، أوضح أهمية الاستيلاء على الأراضي من خلال الرعي، قائلًا إن مركبات الدفع الرباعي أداة ضرورية لتحقيق ذلك: “المستوطنون الأبطال والرواد الذين يعيشون هنا يمارسون الصهيونية، وهم بحاجة إلى الأمن… وهم ليسوا مواطنين من الدرجة الثانية. نحن هنا لنبني معهم ولنستوطن الأرض”.[573]

وفي الوقت نفسه، صرّح رئيس مجلس هار حفرون بأن المنطقة تضم 25 بؤرة استيطانية، تسيطر كل منها على ما يتراوح بين 5,000 إلى 10,000 دونم من الأراضي، وشكر بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك على “شراكتهما” في تمكين عمليات الاستيلاء على الأراضي. وأكّدت أوريت ستروك: “نحن ما يمكن أن تسموه الدعم القتالي. أنتم المناضلون الحقيقيون من أجل أرض إسرائيل”.

تجمّعات تواجه خطر النقل القسري

“نتعرض لمضايقات مستمرة من المستوطنين، لكننا لن نستسلم. الأمر يتعلق بحبنا لأرضنا ولعملنا. الأرض هي هويتنا، وإذا أجبرنا على الرحيل منها، فسوف نموت؛ تمامًا مثل السمك إذا أخرج من الماء”.

نجية بشارات، تجمع مكحول الرعوي.[574]

في أنحاء المنطقة (ج)، تواجه العشرات من التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية خطر التهجير القسري مع مضي إسرائيل قدمًا في خطط الضم.[575] وتعيش هذه التجمّعات في مناطق مفتوحة وجدت فيها تاريخيًا مصادر المياه وأراضي الرعي لقطعانها. وفي الأغوار الشمالية وحدها، يوجد 38 تجمّعًا من هذا النوع، يقطنها نحو 7,000 شخص.[576] وعلى مدى سنوات، نظمت منظمة العفو الدولية حملات لمناهضة التهديدات الإسرائيلية بالإخلاء القسري لبعض هذه التجمّعات، ودعت السلطات الإسرائيلية إلى إلغاء‎ أوامر الهدم والطرد، وإعادة الممتلكات المصادرة، ووضع حد لمضايقات الدولة والمستوطنين.[577]

أطفال أمام مبنى في منطقة قروية
أطفال فلسطينيون أمام مدرسة في قرية طانا في منطقة الأغوار، أبريل/نيسان 2006.

تقع الأغوار الشمالية ضمن محافظة طوباس، والتي تمتد على مساحة نحو 410 كيلومترات مربعة، يُصنّف 320 كيلومترًا مربعًا منها ضمن المنطقة (ج).[578]

وقد صنّفت إسرائيل نحو 90% من مساحة الأغوار الشمالية أراضي دولة، أو مناطق عسكرية مغلقة، بما في ذلك “مناطق إطلاق نار”، أو محميات طبيعية، أو مواقع أثرية، ما يجعلها غير متاحة للفلسطينيين.[579] وتستخدم السلطات الإسرائيلية هذه التصنيفات أساسًا لإصدار أوامر الهدم بحق التجمّعات الفلسطينية، ولمنع الرعاة من رعي مواشيهم في المناطق المفتوحة. ومنذ يناير/كانون الثاني 2023، صنّفت الحكومة الإسرائيلية[580] أكثر من 20,000 دونم في منطقة الأغوار أراضٍ تابعة للدولة.

صورة أقمار صناعية مرفقة بشروح توضيحية.
المنطقة الممتدة بمحاذاة طريق آلون في الأغوار الشمالية، التي تضم أربعة تجمعات فلسطينية، وهي الفارسية، وعين الحلوة، ومكحول، والحديدية، حتى عام 2026. تظهر المناطق التي صنّفتها إسرائيل “مناطق إطلاق نار” بخطوط حمراء، والمناطق العسكرية المغلقة محدّدة باللون الأحمر، والمحميات الطبيعية مظللة باللون الأخضر. وتشير المربعات الصفراء إلى التجمّعات الفلسطينية الرعوية التي ما زالت مرئية في صور سبتمبر/أيلول 2025، بينما تشير المربعات البرتقالية إلى التجمّعات الرعوية التي لم تعد ظاهرة. وتمثّل الدوائر الزرقاء المستوطنات الإسرائيلية في المنطقة، في حين تشير المربعات الزرقاء إلى البؤر الاستيطانية. وتُظهر صور الأقمار الصناعية توسعًا في جميع المستوطنات تمثّل في إنشاء طرق جديدة، ورصف مساحات إضافية بالأسفلت، وتشييد منشآت جديدة منذ يناير/كانون الثاني 2023. كما توسّعت إحدى البؤر الاستيطانية ببناء منشآت جديدة، وأُقيمت بؤرة استيطانية أخرى، غرب طريق آلون، في عام 2024. مصادر البيانات: خريطة الشارع المفتوحة، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ومنظمة السلام الآن.

وعلى غرار أجزاء أخرى من المنطقة (ج)، شهدت منطقة الأغوار الشمالية توسعًا كبيرًا في الوجود الاستيطاني الإسرائيلي وتصاعدًا في عنف المستوطنين المدعوم من الدولة الذي يهدف إلى تهجير سكانها الفلسطينيين. وبحلول أبريل/نيسان 2026، أٌنشئت في هذه المنطقة ما لا يقل عن 19 بؤرة استيطانية،[581] معظمها بؤر رعوية تستولي على مساحاتٍ شاسعة من الأرض من خلال الرعي، رغم صغر مناطقها السكنية. وبحسب ما وثقته محافظة طوباس ومنظمة بتسيلم، أدى عنف المستوطنين بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و31 ديسمبر/كانون الأول 2025، إلى التهجير القسري الكلي أو الجزئي لما لا يقل عن تسعة تجمّعات في الأغوار الشمالية، ما أثر على ما لا يقل عن 435 شخصًا، من بينهم 207 أطفال.[582] وشهدت المنطقة تصعيدًا إضافيًا في هجمات المستوطنين منذ مطلع عام 2026.[583]

وبين فبراير/شباط 2024 وسبتمبر/أيلول 2025، زارت منظمة العفو الدولية أربعة تجمعات في الأغوار الشمالية تواجه تهديدًا مستمرًا بالتهجير القسري، وهي: الفارسية – نبع الغزال (الفارسية)، والحديدية، وعين الحلوة، ومكحول. وأجرت منظمة العفو الدولية مقابلات شخصية مع 11 من سكان هذه التجمعات، ومع مسؤول في محافظة طوباس مكلف برصد النشاط الاستيطاني في الأغوار الشمالية، كما قابلت خمسة من نشطاء الحضور بهدف الحماية، وخمسة ممثلين عن منظمات حقوقية تعمل في المنطقة. كما راجع فريق البحث خرائط، وصور أقمار صناعية، ووثائق إسرائيلية رسمية.

إلى جانب البؤر الاستيطانية غير المرخصة، تفصل تسع مستوطنات[584] يقطنها حوالي 4,000 مستوطن[585] تجمّعات الأغوار الشمالية عن بعضها البعض.[586] وإلى جانب ممارسات نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، بما في ذلك نظام تخصيص الأراضي التقييدي التمييزي، يجعل توسع المستوطنات والبؤر الاستيطانية الفلسطينيين في الأغوار الشمالية أكثر عرضةً لآثار عنف المستوطنين وهجمات الجيش الإسرائيلي ومضايقاته، بما يهدد سبل عيشهم مباشرة.

عين الحلوة

يتألف تجمّع عين الحلوة الصغير من 13 عائلة، أي نحو 50 شخصًا، بينهم 20 طفلًا، وتعود أصولهم إلى بلدة طمون المجاورة (محافظة طوباس). وقد انتقلت العائلات إلى عين الحلوة قبل أكثر من 100 عام بحثًا عن أراضي رعي وينابيع مياه.[587] ووفقًا لمهدي دراغمة، رئيس مجلس قروي المالح والمضارب البدوية، الذي تقع عين الحلوة ضمن اختصاصه، فإن السكان من مربّي المواشي، ويعتمدون بدرجة كبيرة على نبع المياه المجاور لتوفير المياه لحيواناتهم. وتعيش جميع العائلات في خيام، بعضها بأرضيات إسمنتية، أو في بيوت من الصفيح على أرضٍ تملكها البطريركية اللاتينية في القدس.[588]

وُلد الشقيقان قدري وفتحي دراغمة في عين الحلوة، وعاشا فيها مع عائلتيهما لأكثر من 60 عامًا. وأخبر قدري دراغمة منظمة العفو الدولية أنه بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كثّف المستوطنون هجماتهم، واعتدوا مرارًا على ممتلكاتهم وماشيتهم، فيما صعّد الجيش الإسرائيلي استخدامه للاعتقالات وعمليات الهدم.[589] وأفاد سكان آخرون بأن المستوطنين ألقوا الحجارة على منازلهم، وهدّدوهم بحرقها إذا رفضوا المغادرة، واعتدوا بالضرب على الرعاة أثناء خروجهم مع حيواناتهم، أو منعوهم من الدخول إلى مناطق الرعي.[590] وتُظهر صور متاحة على الإنترنت، وأخرى شاركها السكان مع منظمة العفو الدولية، أضرارًا واضحة لحقت بالمنازل وحظائر الحيوانات في التجمّع.

وأوضح قدري دراغمة كيف صُمّمت هذه التدابير مجتمعة لترهيبهم وإجبارهم على مغادرة أرضهم:

“أقسم بالله، صحتي تدهورت، أقصد أنهم حطّموني. أولًا أخذوا مني 60 رأسًا من الماشية. ثانيًا، عليّ أن أدفع 49,000 شيكل إسرائيلي [أي حوالي 14,000 دولار أمريكي] لأتمكن من استعادة أبقاري، فضلًا عن تكاليف استئجار السيارة والنقل. وثالثًا، أخذوا 48 رأسًا إضافيًا من الماشية وسجنوا أبنائي لمدة 20 يومًا قبل أن يفرجوا عنهم. فقد أبنائي الأمل، وفقدت زوجتي الأمل، لقد سئم الجميع ويريدون الرحيل”.[591]

وفي عامي 2023 و2024، وثّقت منظمة بتسيلم ما لا يقل عن خمس هجمات شنّها المستوطنون ضد عائلة دراغمة.[592] وشملت هذه الحوادث قيام المستوطنين برعي ماشيتهم في أرض العائلة، والاعتداء على أفرادٍ منها أثناء رعايتهم قطعانهم. وفي إحدى الحوادث التي أٌبلغ عن وقوعها في 13 أبريل/نيسان 2024 حوالي الساعة التاسعة مساءً، دخل نحو 15 مستوطنًا، مسلحين بالهراوات، إلى عين الحلوة.[593] وفرّ السكان وراقبوا من بعيد بينما دخل المستوطنون إلى خيامهم، وعبثوا بمقتنياتهم، وحطموا لوحي طاقة شمسية، وصبّوا التراب في مصفاة جرّار زراعي، وأضرموا النار في إحدى الخيام. وأطفأ فتحي دراغمة الحريق غير أن جزءًا من الخيمة كان قد احترق بالفعل. ودخل المستوطنون أيضًا حظيرة أغنام، وأخرجوا القطيع منها، وساقوه بعنف إلى مسافة تقارب 5 كيلومترات بعيدًا عن التجمّع. وحلّلت منظمة العفو الدولية 15 صورة تُظهر الأجزاء الداخلية لعدة منازل، بدت فيها أسرّة مقلوبة، وأدوات مطبخ متناثرة على الأرض، وقطع أثاث مبعثرة.[594] وتظهر علامات احتراق على ما يبدو أنها خيمة، كما تظهر أضرار واضحة لحقت بألواح طاقة شمسية.

وقالت “ليلى”، زوجة قدري، في مقابلة أُجريت معها في فبراير/شباط 2024، إنها تخشى أن يطردهم المستوطنون في نهاية المطاف من المنطقة:

“أنا خائفة! أرى أبنائي يُضربون ويُذلّون. أرى أنهم لا يجرؤون على النوم داخل بيت الصفيح خوفًا من هجمات المستوطنين ليلًا. أخشى أن نُجبر على المغادرة مثل غيرنا. وإذا فعلتُ ذلك، فسيكون ذلك خوفًا على أبنائي“.[595]

يُظهر هذا الفيديو الذي صوّره نشطاء مستوطنين وهم يقيمون منشأة ويرفعون علمًا إسرائيليًا فوق تلة تعلو خيام التجمّع في عين الحلوة، في 22 مارس/آذار 2025.

ويعتقد السكان والنشطاء الذين أجرت معهم منظمة العفو الدولية المقابلات أن المستوطنين المسؤولين عن الهجمات الموثقة يأتون من بؤر استيطانية غير قانونية قريبة من مستوطنتي روتم ومسكيوت. وفي عام 2020، أقام مستوطنون منشآت جديدة على تلة بالقرب من الطريق المؤدي إلى مستوطنة مسكيوت، على الجانب المقابل لطريق آلون، مباشرة مقابل منزل عائلة دراغمة.[596] ووفقًا لتحليل صور الأقمار الصناعية، أُقيمت مبانٍ جديدة في المنطقة عام 2023. وفي مارس/آذار 2025، صوّر نشطاء مستوطنين وهم يقيمون منشأة فوق تلة تعلو خيام التجمّع، حيث رفعوا علمًا إسرائيليًا كبيرًا.[597] وبدلًا من تفكيك المنشآت، سمحت السلطات الإسرائيلية بتوسيعها. ويُظهر مقطعا فيديو موثّقان نُشرا على منصتي إكس وإنستغرام في 30 مايو/أيار 2025 مجموعة من المستوطنين وهم ينصبون سياجًا على التلال المطلة على ممتلكات عائلة دراغمة والمقابلة لها، ما يعزز السيطرة على الأراضي المحيطة بالبؤر الاستيطانية ويقيّد وصول السكان إلى أراضيهم الزراعية.[598]

وفي عام 2025، ازدادت الضغوط على التجمّع الفلسطيني بعدما بدأت السلطات الإسرائيلية بتنفيذ أوامر الهدم للمرة الأولى منذ عقد من الزمن، بحجة أن المنشآت القائمة بُنيت بدون تصاريح.[599] وفي 24 يوليو/تموز 2025، هدم فريق من الإدارة المدنية، ترافقه قوات الجيش والشرطة، بعض المنشآت في عين الحلوة، من بينها منازل وحظائر مواشي. وأبلغ السكان منظمة العفو الدولية أنهم تُركوا دون سقف يأويهم، إذ منعتهم الإدارة المدنية حتى من نصب الخيام.[600] ويوثق مقطعا فيديو نُشرا على منصة إكس في 24 يوليو/تموز 2025، جرافة مدنية وهي تهدم منشآت داخل التجمّع.[601] ويظهر في التسجيلات جنديان إسرائيليان على الأقل كانا حاضرين أثناء عمليات الهدم.

صورة أقمار صناعية مرفقة بشروح توضيحية.
تُظهر صور أقمار صناعية من 24 سبتمبر/أيلول 2025 عين الحلوة والمنطقة المحيطة بها على امتداد طريق آلون.وتُظهر الإطارات المكبّرة المدرجة داخل الصور عين الحلوة في أغسطس/آب 2023 عندما كانت منشآت التجمّع الرعوي لا تزال ظاهرة، ثم في سبتمبر/أيلول 2025، بعد أن دُمّرت المنشآت. ويظهر توسّع مستوطنة مسكيوت الواقعة شرق طريق آلون من خلال بناء عدة مبانٍ وطرق جديدة معبدة، يُرجّح أنها رُصفت بخرسانة أسفلتية. وتحيط بالمنطقة “مناطق إطلاق نار” إسرائيلية (محددة بخطوط حمراء)، ومناطق عسكرية (مظللة باللون الأحمر)، ومحمية طبيعية (محددة باللون الأخضر).

وفي 21 أغسطس/آب 2025، هدمت السلطات الإسرائيلية منشآت تعود لعائلة دراغمة.[602] ووفقًا لنشطاء غور الأردن، حوالي الساعة السابعة صباحًا، استخدم جنود إسرائيليون، يرافقهم ممثل عن الإدارة المدنية، جرّافة مدنية لهدم مجمُّع عائلة قدري دراغمة، بما في ذلك منزلها وحظيرة أبقارها، فضلًا عن حظيرة الأبقار التي تعود لشقيقه فتحي.[603] وبالمجمل، دُمّرت 23 منشأة، وتُركت العائلة بلا مأوى.[604] ويُظهر مقطع فيديو موثق من 21 أغسطس/آب 2025، نُشر على منصة إنستغرام، آثار الهدم وقد تحوّلت جميع المنشآت إلى أنقاض.[605]

وواصل الجيش الإسرائيلي مضايقة التجمّع في الأسابيع التالية. ووفقًا لأقارب قدري دراغمة ونشطاء شهدوا بعض الأحداث وصوروها، نفّذ جنود مدجّجون بالسلاح مداهمات ليلية، وهدّدوا العائلة وروّعوها، واعتقلوا قدري دراغمة عدة مرات.[606] وفي مقطع فيديو نُشر على إنستغرام في 30 سبتمبر/أيلول 2025، يظهر جنود إسرائيليون وهم يعصبون عيني أحد أفراد عائلة دراغمة بعدما أجبروه على الجلوس على الأرض في منتصف الليل.[607] وأفاد النشطاء وأفراد العائلة بأن ثلاثة من الأقارب اعتُقلوا بتهم البناء غير القانوني بعدما حاولوا نصب خيام بدائية وملاجئ مؤقتة ليتمكنوا من البقاء في عين الحلوة.

مكحول

تعرّض تجمّع مكحول، وهو تجمّع فلسطيني رعوي آخر، لعمليات هدم متعددة نفّذتها الإدارة المدنية على مدى العقود الماضية. وكان أكبرها عام 2013، عندما هدمت السلطات جميع منشآت التجمع، وعددها 58 منشأة، بما في ذلك المنازل وحظائر المواشي. وتُرك نحو 50 شخصًا بلا مأوى.[608] وبينما غادرت نحو 20 عائلة بعد عمليات الهدم، قررت عائلات أخرى البقاء وإعادة البناء.

وأدّت عمليات هدم أخرى نفذتها السلطات الإسرائيلية إلى تهجير المزيد من العائلات في السنوات التالية.[609] واليوم، لا يضم تجمّع مكحول سوى أربع عائلات. وتحيط به قاعدتان عسكريتان هما بقعوت وبيليس؛ ومستوطنتان هما حمدات وروعي، يسكنهما نحو 550 مستوطنًا؛[610] وبؤرتان استيطانيتان هما أم زوقا التي أُنشئت في عام 2016،[611] ومزرعة غوشن، التي أُنشئت في عام 2018.[612]

وقد أدّى قرب هذه المواقع من التجمّع الفلسطيني إلى هجمات متكررة ومنسقة، حيث وُثقّت حالات قام فيها المستوطنون بمضايقة السكان، وتهديدهم، والاعتداء عليهم جسديًا، واستهداف مواشيهم. وقابلت منظمة العفو الدولية اثنين من السكان أعربا عن خوفهما المستمر من عنف المستوطنين. وقالا إنهما شعرا بأنهما مضطران إلى تنظيم مناوبات حراسة ليلية لحماية منزليهما ومواشيهما، وكانا غالبًا ما يجلسان في الخارج في ظروف جوية قاسية. وأضافا أن المستوطنين قد يحضرون إلى التجمّع في أي وقت، ليلًا أو نهارًا.

مقابلة مع اثنين من السكان الفلسطينيين في مكحول.

تضرّرت الثروة الحيوانية تضررًا بالغًا، وهي مصدر رئيسي لرزقهم. وقال الشخصان اللذان أجريت معهما المقابلة إن عنف المستوطنين الرامي إلى ترهيبهم وإيذاء حيواناتهم ازداد بصورة كبيرة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ووصفا هجمات المستوطنين التي شملت الاعتداءات الجسدية على الرعاة خارج تجمّعاتهم، وإحراق مناطق الرعي لحرمان القطعان من الغذاء، ومحاولات سرقة مواشيهم، والتهديد بإطلاق النار عليهم إذا رعوا في المناطق المفتوحة، وإضرام النار في الخيام، وقيادة مركباتهم باتجاه القطعان، وقتل المواشي.[613] وقد أدّى تقلص مساحات الرعي إلى انخفاض إنتاج الحليب، ما تسبب بخسائر وضائقة مالية للتجمّع الفلسطيني الرعوي.[614] وقال الشخصان إنهما يتعرّضان لخطر الاعتداء الجسدي عند محاولة الرعي في مناطق أوفر عشبًا، إذ لا يتمكنان غالبًا إلا من البقاء لفترة قصيرة قبل أن يهاجمهما المستوطنون. كما استهدف المستوطنون الأطفال بالعنف الجسدي والتهديد بالقتل.[615] وأفاد يوسف بشارات، وهو أب لعشرة أطفال، بأن المستوطنين اعتدوا عليه وعلى أبنائه بالضرب في مناسبات مختلفة أثناء رعيهم حيواناتهم بالقرب من التجمّع.[616] ووصف إحدى الحوادث قائلًا:

“ضرب المستوطن ابني البالغ من العمر 15 عامًا بينما كان يرعى الماشية. طرحه أرضًا، وجثم فوقه وضغطه إلى الأرض، وأخبره بأنه سيخنقه إذا رآه هناك مرة أخرى. لقد أصبح الرعي بمثابة مجازفة خطيرة بالنسبة إلينا“.

وتؤكد أدلة الفيديو الإفادات التي وردت في المقابلة. فقد حلّلت منظمة العفو الدولية 98 مقطع فيديو وصورة قدمها نشطاء توثّق 12 حادثة وقعت في مكحول في الفترة ما بين 23 فبراير/شباط إلى 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.[617] وتُظهر التسجيلات مجموعة من المستوطنين، بعضهم مسلحين، يصلون إلى مكحول، ويتعدّون على ممتلكات التجمع سيرًا على الأقدام وبالمركبات، ويضايقون السكان. كما توثق مقاطع الفيديو المستوطنين وهم يجلبون معدات مختلفة ويقيمون سياجات وخيام مؤقتة في المحيط المباشر لمكحول؛ وتُظهر أيضًا مستوطنين يضايقون النشطاء ويصورونهم؛ كما تُظهر عدة مقاطع فيديو مضايقاتهم للحيوانات أثناء الرعي.

أغنام في منطقة قروية
قرية مكحول البدوية تظهر مستوطنة إسرائيلية على قمة التلة إلى اليمين في الخلفية، 19 أغسطس/آب 2008.

من 1 يناير/كانون الثاني 2023 وحتى 1 أكتوبر/تشرين الأول 2025، سجّلت منظمة بتسيلم 11 حادثة اعتدى فيها مستوطنون على سكان مكحول.[618] وشملت هذه الحوادث سرقة الحيوانات من السكان الفلسطينيين، وإصابة الماشية، وعرقلة الرعي، وتخريب الممتلكات. وفي حادثتين صُوّرتا ونُشرتا على فيسبوك في يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول 2023، يظهر مستوطنون وهم يضايقون رعاة فلسطينيين وهم يرعون بمحاذاة الطريق الرئيسي.[619] وفي حادثة أخرى، في 26 أكتوبر/تشرين الأول 2024، يُظهر مقطع فيديو نُشر على فيسبوك وتحققت من صحته منظمة العفو الدولية مستوطنين يقودون مركباتهم باتجاه الأغنام ويضايقون الراعي.[620]

وأبلغ سكان مكحول منظمة العفو الدولية أن مستوطنًا، عُرف بأنه من سكان البؤرة الاستيطانية “مزرعة جلعاد”، يقود بصورة منتظمة قطعانًا كبيرة من الأبقار إلى الأراضي الزراعية الفلسطينية، ما يؤدي إلى تدمير المحاصيل وحقول الرعي. وغالبًا ما تقع هذه الاقتحامات ليلًا، فتكون الحقول قد دُمّرت بحلول الصباح. ويُنظر إلى هذه الأفعال باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى خلق ظروف معيشية قاسية تقوّض قدرة التجمّع على إعالة نفسه، وتفضي في نهاية المطاف إلى تهجيره قسرًا. وقد أعرب يوسف بشارات عن مخاوف التجمّع: “إذا ذهبنا إلى أي مكان، ولو حتى لأسبوع واحد، فلن يسمحوا لنا بالعودة. سنفقد كل شيء”.[621]

الفارسية

الفارسية تجمّع صغير اعتمد سكانه تاريخيًا على الرعي وإنتاج الألبان مصدرًا للدخل. وقد أنشأته عائلات جاءت من طوباس المجاورة قبل وقتٍ طويل من الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، وكان يضم في السابق عشرات العائلات. وتناقص عدد سكانه بصورة مطّردة على مدى الثلاثة عقود الماضية بسبب سياسات الأبارتهايد وعنف المستوطنين، ولم يبقَ فيه اليوم سوى أربع عائلات.[622]

ويكاد يكون التجمّع محاطًا بالمستوطنات من جميع الجهات، فتحدّه مستوطنة ميخولا من الشمال، وشدموت ميخولا من الشرق، وروتم من الجنوب الشرقي، حيث يقيم نحو 1,650 مستوطنًا.[623] وتقع بالقرب منه أيضًا عدة بؤر استيطانية، وهي تانا يروك،[624] ومسكيوت/مزرعة بينتاييم،[625] ومسكيوت شمال[626] ومسكيوت جنوب.[627] أما جفعات سلعيت، التي أُنشئت كبؤرة استيطانية عام 2002، فقد أُضفيت عليها الصفة القانونية بأثرٍ رجعي في عام 2012 باعتبارها حيًا تابعًا لمستوطنة ميخولا.[628]

خريطة تُظهر موقع أربع مستوطنات وأربع بؤر استيطانية تحيط بالفارسية.
يظهر تجمّع الفارسية الفلسطيني شبه محاط بالكامل بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية، وهي غير قانونية بموجب القانون الدولي والقانون الإسرائيلي، 2026.

علاوةً على ذلك، أعلنت السلطات الإسرائيلية القرية نفسها، فضلًا عن مساحات واسعة إلى جنوبها وشمالها وغربها، منطقة “إطلاق نار” عسكرية.[629] وفي عام 2020، أعلنت الإدارة المدنية الأرض الممتدة بين مستوطنتي روتم ومسكيوت، والتي تقع الفارسية ضمنها، محمية طبيعية (انظروا الشكل 30 أعلاه).[630] وقد أثّرت هذه القيود بشدة على قدرة التجمّع على الحفاظ على سبل عيشه، ولا سيما من خلال الرعي والزراعة. ووفقًا لمنظمة بتسيلم، صُنّفت الأراضي المجاورة ضمن نطاق اختصاص المستوطنات المحيطة، ما منع سكان الفارسية عمليًا من الوصول إلى مناطق الرعي.[631]

وفي مقابلات مع منظمة العفو الدولية، أفاد أفراد من التجمّع بأن عنف المستوطنين تصاعد بصورة حادة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ما أدّى إلى تهجير ست عائلات قسرًا بحلول ديسمبر/كانون الأول 2025.[632] وأفاد السكان بأن المستوطنين قيّدوا حركتهم إلى داخل التجمع وخارجه، واعتدوا جسديًا على الرعاة في مناطق الرعي المفتوحة، واعتدوا جسديًا على سكان آخرين داخل منازلهم، ودمّروا ممتلكات. ووصفت إحدى النساء خوفها الدائم قائلة:

“يذهب أطفالي إلى مدرسة خارج التجمّع. في كل مرة يغادرون، أخشى على سلامتهم من المستوطنين. يرعى زوجي قطيعنا بالقرب من هنا، وفي كل مرة يذهب للرعي، أخشى أن يهاجموه. قبل شهرين، طعنوا شقيق زوجي، بينما كان يرعى. الحياة صعبة هنا“.[633]

وبين 1 يناير/كانون الثاني 2023 و20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وثّقت منظمة بتسيلم ما لا يقل عن 27 حادثة عنف ارتكبها مستوطنون في الفارسية.[634] وشملت هذه الحوادث اعتداءات جسدية ولفظية، وعرقلة الرعي، وتدمير الممتلكات، والتعدّي على أملاك خاصة، وتهديد السكان ومطالبتهم بالمغادرة، وسرقة المواشي.[635] ويؤكد صحة هذه التقارير تحليل أُجري لـ48 مقطع فيديو وصورة، نُشرت على الإنترنت أو قدّمها سكان أو نشطاء لمنظمة العفو الدولية. وتُظهر المواد الموثقة مستوطنين يرعون في أراضٍ تعود لمزارعين فلسطينيين، وينصبون سياجًا وأبراج مراقبة، ويتعدّون على ممتلكات سكنية، ويدمّرون كاميرات مراقبة، ويتلفون حظائر الحيوانات والمنشآت السكنية، ويخربون أنظمة المياه، ويمنعون السكان من الرعي.

ويُظهر مقطع فيديو موثّق نشره نشطاء محليون على منصة إكس في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 أضرارًا لحقت بألواح طاقة شمسية. ومع رفض السلطات الإسرائيلية ربط التجمّع بشبكتي الكهرباء والمياه، تُعد هذه الألواح المصدر الوحيد للكهرباء لسكان الفارسية.[636] وفي يوليو/تموز 2024، وثّق نشطاء إسرائيليون هجومًا أفرغ خلاله المستوطنون خزانات المياه.[637] وخلال فترة من الحرّ الشديد في أغسطس/آب 2025، عندما تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية، أُفرغت خزانات المياه التي تزوّد التجمّع بالمياه مرة أخرى، وقُطع عدد من أنابيب المياه.[638]

يُظهر هذا الفيديو أنابيب المياه بعد فصلها عن الخزانات التي تزوّد التجمّع بالمياه، ما أدى إلى إفراغ الخزانات.

كما وقعت حوادث دمّر فيها الجيش الإسرائيلي ممتلكات فلسطينية، دعمًا لما بدا أنه مفتّش أراضي من المجلس الإقليمي لمستوطنات غور الأردن[639] كان يضايق السكان الفلسطينيين بالدخول إلى ممتلكاتهم الخاصة من دون إذن؛ ومنع مزارعًا فلسطينيًا من الزراعة. ويُظهر مقطع فيديو، نشره نشطاء غور الأردن على منصة إكس، جنديًا إسرائيليًا يلقي حجرًا ضخمًا على جهاز إلكتروني لتدميره، ثم انتزع منه الكابلات. [640] ووقعت الحادثة ليلة 18 سبتمبر/أيلول 2024. وتُظهر صورتان التقطتا في اليوم التالي آثار الحادثة، إذ تعطّل جهاز المراقبة، وبرزت كابلاته من الأرض بالقرب من السياج.[641]

وتُظهر مقاطع فيديو موثقة نُشرت على منصة إكس جنودًا إسرائيليين يمنعون أحد سكان الفارسية الفلسطينيين من حراثة أرض مجاورة لطريق آلون في 5 يناير/كانون الثاني 2024، وذلك بسبب اتهامات وجهها مفتش الأراضي التابع للمجلس الإقليمي لمستوطنات غور الأردن بأن المزارع كان يعمل في أرض “غير مسموح له” بزراعتها.[642] ويؤكد المزارع أن الأرض يملكها فلسطينيون. ووفقًا لنشطاء غور الأردن، فقد كُبلت يدا المزارع، وعُصبت عيناه، واعتُقل بدون مذكرة اعتقال؛ وأُطلق سراحه بعد ثماني ساعات، ولكن بعد مصادرة جرّاره الزراعي. ويُظهر مقطع فيديو موثق آخر، نُشر على منصة إكس في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، مفتش الأراضي نفسه مسلحًا، وبرفقة عناصر من الشرطة الإسرائيلية داخل تجمّع الفارسية.[643] ويظهر وهو يتعدّى على أملاك خاصة ويدخل منشآت سكنية من دون إذن. كما يظهر التسجيل شرطيًا يرافقه ويدخل خيمة من دون أن يقدّم أي سبب للتفتيش.

وفي مقابلاتهم مع منظمة العفو الدولية، ذكر السكان مرارًا مستوطنًا يُدعي ديدي عموسي وابنه بوصفهما المرتكبين الأساسيين لأعمال العنف والمضايقات. وأكّد متطوعو الحضور بهدف الحماية هذه المعلومات، وقد تعرّضوا هم أيضًا لهجمات المستوطنين في الفارسية.[644]

يزعم ديدي عموسي ملكيته للأرض التي عاش عليها التجمّع على مدى أجيال، ويرعى قطيعه في الحقول الزراعية.[645] وفي عام 2012، أنشأ تانا يروك، وهي بؤرة استيطانية رعوية تلقّت منذ ذلك الحين تمويلًا من وزارة الزراعة الإسرائيلية[646] ودعمًا من منظمة هاشومير يوش الاستيطانية، بما في ذلك من خلال جمع التبرعات على الإنترنت وتوفير “المتطوعين”.[647] وكان ديدي عموسي قد عمل سابقًا كضابط أمن في مستوطنة روتم، وفي خطوة نادرة من السلطات الإسرائيلية، وبّخه الجيش عام 2020 بسبب اعتدائه على أحد نشطاء غور الأردن.[648]

وتعرّف النشطاء على ديدي عموسي وابنه في عدة مقاطع فيديو. وأكّدت منظمة العفو الدولية هويتيهما بالاستناد إلى تسجيلات إضافية موثقة، تُظهر تورّط كلا المستوطنين في وقائع متعددة من أعمال العنف شملت المضايقة، والتعدّي على الأملاك، والبناء غير القانوني للبؤر الاستيطانية وتوسيعها.

يظهر هذا الفيديو مجموعة من المستوطنين يبنون منشأة غير قانونية على قمة تلة تبعد أقل من 200 متر عن الفارسية، 1 مايو/أيار 2025

فعلى سبيل المثال، في مقطع فيديو نُشر على منصة إكس في 15 يوليو/تموز 2024، يظهر ديدي عموسي واقفًا على تلة مطلّة على الفارسية، ويقول للشخص الذي يصوّره إنه ينوي بناء بؤرة استيطانية.[649] وبعد عدة أشهر تُظهر مقاطع فيديو موثّقة مجموعة من المستوطنين، من بينهم ابنه، يبنون منشآت أولية على التلة ذاتها، على بعد أقل من 200 متر من القرية.[650] ثم نصب المستوطنون سياجًا، ما أدى عمليًا إلى تطويق أجزاء من الفارسية.[651] وفي مقطع فيديو موثق صُوّر في 24 يونيو/حزيران 2025، يظهر ابنه وهو يحفر في الأرض على بعد نحو 50 مترًا من منازل الفلسطينيين، موسعًا خط السياج، بينما يحاول أحد النشطاء منعه.[652]

وفي سبتمبر/أيلول 2024، أصدرت محكمة الصلح في القدس أمرًا بعدم التعرّض لمدة ستة أشهر، حظرت بموجبه على ابن ديدي عموسي الاقتراب من الفارسية لمسافة تقل عن 30 مترًا، وذلك بعدما دأب على مضايقة راعٍ فلسطيني.[653] غير أن الأمر سمح له بقيادة مركبته رباعية الدفع عند مروره بالقرب من التجمّع.[654] وبدا أن أثر الأمر، الذي مُدّد بعد ذلك حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، ظلّ محدودًا؛ حيث واصل ترهيب الفلسطينيين ومضايقتهم[655] بينما تقاعست الشرطة الإسرائيلية عن فتح تحقيقات في الحوادث المبلغ عنها وتوفير الحماية للسكان.[656] وتشير مقاطع فيديو ووثائق لمنظمات حقوقية إلى أن ابن ديدي عموسي ومستوطنين آخرين دأبوا على استخدام المنشآت المقامة فوق التلة لترهيب السكان ومنع الحيوانات من الرعي.[657] كما اعتادوا قيادة مركباتهم داخل القرية أو في مناطق الرعي المحيطة بها.[658]

وفي ليلة 26 مارس/آذار 2025، تُظهر مقاطع فيديو ابن ديدي عموسي ومستوطنيْن آخرَين على الأقل جالسين أو واقفين بجانب مركبة دفع رباعي تحمل علمًا إسرائيليًا فوق تلة متاخمة للقرية. وبعد أن قاد أحدهم مركبة الدفع الرباعي إلى داخل التجمع،[659] اتصل النشطاء، الذين كانوا يبيتون في المكان لحماية السكان، بالشرطة. ووفقًا لناشط قابلته منظمة العفو الدولية، وصلت الشرطة، واستجوبت النشطاء والمستوطنين، وسجّلت أرقام بطاقات الهوية، ثم غادرت.[660] وعلى مدى الساعتين والنصف التاليتين، ظل المستوطنون فوق التلة، بينما راقب النشطاء تحركاتهم من داخل القرية. لاحقًا، دخل مستوطن مسلح إلى القرية. وعندما حاول النشطاء منعه من التقدم أكثر، ضرب المستوطن ثلاثة منهم ببندقيته.[661] ووفقًا للناشط، وصل الجيش في صباح اليوم التالي. وبدلًا من التحقيق مع المستوطنين، اعتقلت الشرطة أحد النشطاء بتهمة الاعتداء على المستوطنين.[662]

يُظهر هذا الفيديو سيارة إسرائيلية تسير باتجاه قطيع من الأبقار في الفارسية. وتعرّف نشطاء غور الأردن على هوية السائق، وهو ديدي عموسي.

واستمرت الممارسات المماثلة حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، إذ تُظهر مقاطع الفيديو ديدي عموسي، وابنه، ومستوطنين مسلحين آخرين يرعون حيواناتهم بالقرب من التجمّع أو مباشرة في أراضي الفلسطينيين، ويقودون مركباتهم إلى داخل الفارسية، أو باتجاه قطيع من الأبقار يملكه رعاة فلسطينيون، ويعتدون جسديًا على سكان الفارسية وعين الحلوة ويضايقونهم.[663]

وتأتي حالات عين سامية وزنوتا وعدد من التجمّعات في الأغوار الشمالية في سياق نمطٍ متصاعد منذ عام 2023 من الممارسات التمييزية الممنهجة بحق التجمّعات الفلسطينية في المنطقة (ج)، وتشمل هذه الممارسات تقديم العون والمساعدة للمستوطنين في شنّ هجمات عنيفة ترمي إلى تدمير هذه التجمعات، وإرغام سكانها الفلسطينيين على مغادرة منازلهم.

انتهاكات القانون الدولي

يخضع الوضع في الأرض الفلسطينية المحتلة أساسًا لفرعين من فروع القانون الدولي، وهما: القانون الدولي الإنساني (بما في ذلك قواعد قانون الاحتلال)، والقانون الدولي لحقوق الإنسان. كما يكتسي القانون الجنائي الدولي أهمية في هذا السياق، إذ قد تشكّل بعض الانتهاكات الجسيمة جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.

وقد خلصت منظمة العفو الدولية سابقًا إلى أن إسرائيل تفرض نظامًا مُمأسسًا لقمع السكان الفلسطينيين والهيمنة عليهم لصالح الإسرائيليين اليهود، وهو نظام الأبارتهايد، وذلك أينما مارست سيطرتها على تمتع الفلسطينيين بحقوقهم: في أنحاء إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة، وكذلك فيما يتعلّق باللاجئين الفلسطينيين. ويُنفّذ هذا الفصل بشكلٍ ممنهج ومُمأسس إلى حدٍ بعيد، من خلال قوانين وسياسات وممارسات تهدف جميعها إلى منع الفلسطينيين من المطالبة بحقوق مساوية لحقوق الإسرائيليين اليهود، والتمتع بها داخل إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة. وقد ترسّخ هذا القمع وهذه الهيمنة بفعل نظام قانوني يتحكّم في حقوق اللاجئين الفلسطينيين الذين يقيمون خارج إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة في العودة إلى ديارهم، وذلك بإنكار حق العودة.

وخلص التقرير أيضًا إلى أن الأفعال اللاإنسانية التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين بقصد إدامة هذا النظام تشكّل جزءًا من هجوم ممنهج وواسع النطاق موجّه ضد السكان الفلسطينيين، وترقى إلى الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الأبارتهايد.[664] وفي الأرض الفلسطينية المحتلة، شملت هذه الأفعال النقل القسري، والاعتقال الإداري، والتعذيب، وعمليات القتل غير المشروع، والحرمان من الحقوق والحريات الأساسية، بما في ذلك من خلال فرض قيود قاسية على حرية التنقل.[665]

واستنادًا إلى هذه النتائج، خلصت أبحاث منظمة العفو الدولية وتحليلاتها إلى أن إسرائيل ارتكبت، منذ تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين في ديسمبر/كانون الأول 2022 وطوال الفترة التي يغطيها التقرير حتى ديسمبر/كانون الأول 2025، انتهاكاتٍ جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وذلك في سياق حملة تطهير عرقي استهدفت التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية في المنطقة (ج). وتشمل هذه الانتهاكات جريمة الحرب المتمثلة في الإبعاد أو النقل غير المشروعين، والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبعاد أو النقل القسري للسكان.

ورغم أن هذا التقرير ركّز على فترة تمتدّ ثلاث سنوات، فقد أثبتت تقارير سابقة لمنظمة العفو الدولية أن إسرائيل ارتكبت هذه الانتهاكات والجرائم في الأرض الفلسطينية المحتلة في سنوات سابقة أيضًا.[666]

النقل القسري

جريمة ضد الإنسانية

يُدرج نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية “الإبعاد أو النقل القسري” ضمن الجرائم ضد الإنسانية، ويعرّفه بأنه “نقل الأشخاص المعنيين قسرًا من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة، بالطرد أو بأي فعل قسري آخر، دون مبررات يسمح بها القانون الدولي”.[667] ويتحقق النقل القسري عندما يكون التهجير داخل أرض الدولة نفسها، بينما يفترض الإبعاد التهجير إلى خارج حدود الدولة.[668] وعلى غرار سائر الجرائم ضد الإنسانية، يشترط نظام روما الأساسي أن تُرتكب الجريمة “في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، وعن علمٍ بالهجوم”، تنفيذًا لسياسة دولة أو منظمة، أو تعزيزًا لهذه السياسة.[669]

ولا يقتصر تعريف النقل القسري، في نظام روما الأساسي، على حالات التهجير القسري بالطرد أو باستخدام القوة البدنية، بل يشمل أيضًا التي يُرغم فيها الأشخاص على مغادرة مناطق إقامتهم بوسائل قسرية أخرى.[670] وقد وضحت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أن الإكراه، في سياق النقل القسري، قد يشمل “الخوف من العنف، أو الإكراه، أو الاعتقال، أو القمع النفسي، أو إساءة استعمال السلطة”[671] فضلًا عن فرض ظروف معيشية قاسية، مثل قطع خدمات المياه والكهرباء والهاتف، والمضايقات، والاعتقالات، وتفتيش المنازل، على نحو يجعل بقاء المستهدفين في أماكن إقامتهم مستحيلًا.[672] وبصورة حاسمة، يشكّل غياب “الخيار الحقيقي” وانتفاء الموافقة الفعلية الصادرة “طوعًا” عنصرين أساسيين في تحديد ما إذا كان النقل قسريًا.[673]

ولكي ترقى الأفعال الفردية المتمثلة في الإبعاد أو النقل القسري إلى جرائم ضد الإنسانية، يجب أن تُرتكب كجزء من هجوم واسع النطاق أو ممنهج موجّه ضد سكان مدنيين، مع العلم بهذا الهجوم، وأن تكون تنفيذًا لسياسة دولة أو منظمة أو تعزيزًا لها. ولا يُشترط أن يكون الهجوم واسع النطاق وممنهجًا في آنٍ واحد. ويُحَدَّد وصف “واسع النطاق” بالاستناد إلى عدد الأفعال أو جسامتها[674] أو إلى “تعدّد الضحايا”.[675] أما وصف “الممنهج” فيعني أن أعمال العنف ارتُكبت وفق نمط منظم، بما ينفي احتمال كونها مجرّد أحداث عشوائية. وقد درجت المحاكم عمومًا إلى اعتبار عتبة “الممنهج” متحققة عند وجود “أنماط من الجرائم – أي التكرار غير العرضي لسلوك إجرامي مشابه بصفة منتظمة”.[676]

وكما هو مفصّل في هذا التقرير وفي البحث الذي أجرته منظمة العفو الدولية عام 2022 بشأن الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، ترى منظمة العفو الدولية أن الأركان السياقية للجرائم ضد الإنسانية متحققة فيما يتّصل بسلوك إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة.

جريمة حرب

إضافةً إلى ذلك، يُشكّل إبعاد جميع سكان الإقليم المحتل أو بعضهم، أو نقلهم قسرًا داخل هذا الإقليم أو خارجه جريمة حرب.[677] ويحظر القانون الدولي الإنساني حظرًا صارمًا “النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين أو نفيهم من الأراضي المحتلة” أيًا كان الدافع.[678] كما لا يجوز إخلاء منطقة جزئيًا أو كليًا إلا لحماية المدنيين أو “لأسباب عسكرية قهرية”. ومع ذلك، يتعيّن على سلطة الاحتلال إعادة الأشخاص المنقولين فور توقف الأعمال القتالية، وضمان توفير مأوىً لهم في ظروف آمنة وملائمة إلى حين عودتهم.[679]

وكما أشارت محكمة العدل الدولية، فإن عمليات الإجلاء التي تتخذ طابعًا “دائمًا أو غير محدد المدة” تنتهك الحظر المفروض على النقل القسري. كما خلصت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة إلى أن غياب الترتيبات اللازمة لإعادة الأشخاص الذين جرى إجلاؤهم إلى أماكن إقامتهم، مقترنًا بتدمير منازلهم، يشكّلان دليلًا إضافيًا على انتهاك سلطة الاحتلال للحظر المفروض على النقل القسري.[680]

وقد خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن “سياسات إسرائيل وممارساتها تتعارض مع الحظر المفروض على النقل القسري للسكان المحميين، وذلك بموجب الفقرة الأولى من المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة.[681]

التطهير العرقي

رغم أن التطهير العرقي ليس مصطلحًا قانونيًا، فقد عرّفته لجنة خبراء الأمم المتحدة المعنية بيوغوسلافيا السابقة بأنه “”سياسة مدروسة تصمّمها مجموعة عرقية أو دينية لإزالة السكان المدنيين المنتمين لمجموعة عرقية أو دينية أخرى من مناطق جغرافية محدّدة باستخدام العنف وأساليب بثّ الرعب”. [682]

وأوردت اللجنة الوسائل القسرية التي يُنفّذ بها التطهير العرقي، وتشمل: “القتل الجماعي، والتعذيب، والاغتصاب وغيره من أشكال الاعتداء الجنسي؛ وإلحاق إصابات جسدية بالغة بالمدنيين؛ وإساءة معاملة السجناء المدنيين وأسرى الحرب؛ واستخدام المدنيين كدروع بشرية؛ وتدمير الممتلكات الخاصة والعامة والثقافية؛ ونهب الممتلكات الشخصية وسرقتها وسلبها؛ والاستيلاء القسري على الممتلكات العقارية؛ والتهجير القسري للسكان المدنيين”.[683]

كما وصفت اللجنة التطهير العرقي بأنه سياسة تُنفّذ لتعزيز عقيدة سياسية من خلال ارتكاب أعمال عنف صُمّمت “لبثّ الرعب في نفوس السكان المدنيين” و”دفعهم إلى الفرار وعدم العودة نهائيًا”. وأشارت كذلك إلى أن مغادرة السكان قبل وقوع أعمال العنف قد تشكّل مؤشرًا على وجود سياسة تطهير عرقي، وأوضحت أن حملات التطهير العرقي قد تنفّذها أيضًا جهات فاعلة غير حكومية.

وتُظهر أبحاث منظمة العفو الدولية أن الحكومة الإسرائيلية تنتهج سياسة التطهير العرقي في أجزاءٍ واسعة من الضفة الغربية، وذلك من خلال ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية سواء بصورة مباشرة على أيدي قواتها، أو من خلال دعمها لهجمات المستوطنين العنيفة. وقد توصّلت منظمات أخرى وهيئات الأمم المتحدة إلى استنتاجات مماثلة.[684]

الاستنتاجات القانونية

تُبيّن الأدلة الواردة في هذا التقرير أن إسرائيل واصلت تنفيذ سياسة النقل القسري، التي تنتهجها في سياق احتلالها غير المشروع للأرض الفلسطينية، والتي تشكّل أحد مكونات الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في نظام الأبارتهايد.

ورغم أن هذا السلوك غير القانوني ليس جديدًا، فقد تسارع تنفيذ هذه السياسة بحدة ووتيرة غير مسبوقتين منذ نهاية ديسمبر/كانون الأول 2022، وعلى نطاق واسع وبصورة ممنهجة، واقترن بانتهاكات جسيمة أخرى مثل عمليات القتل غير المشروع، والاعتقال التعسفي، وتدمير الممتلكات والاستيلاء عليها، والنهب.

وقد أظهرت الحكومة الإسرائيلية السابعة والثلاثين وأجهزتها نية واضحة لضمّ الضفة الغربية رسميًا بموجب القانون الإسرائيلي، ويظل هذا الضمّ باطلًا ولاغيًا لمخالفته القانون الدولي، ولإعادة تشكيل التكوين الديموغرافي من خلال نقل أجزاء من سكان إسرائيل اليهود إلى الأرض المحتلة، ولا سيما المنطقة (ج).

وتتجلّى هذه النية في الاتفاقيات الحكومية، وتصريحات وزراء الحكومة، ومشاريع القوانين المقترحة والتشريعات التي أُقرّت حديثًا، وقرارات المجلس الوزاري، بما في ذلك القرارات المتعلقة بنقل صلاحيات إدارة الضفة الغربية من السلطات العسكرية إلى السلطات المدنية.

وفي غضون ثلاث سنوات فقط منذ تشكيلها، سرّعت الحكومة إجراءات المصادقة على بناء المستوطنات وتوسيعها، بما في ذلك من خلال التخلّي عن بعض الضوابط والإجراءات البيروقراطية، وزادت بصورة كبيرة التمويل المخصّص لتطوير البنى التحتية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية على حد سواء. كما أوقفت منذ ذلك الحين إنفاذ القانون بحق أعمال بناء المستوطنات، وتراجعت عن عمليات الهدم المحدودة التي طالت بؤرًا استيطانية غير مرخصة، ما سمح بتزايدها بوتيرة غير مسبوقة، واتّجهت نحو إضفاء الصفة الرسمية على العديد من هذه البؤر من خلال تسوية أوضاعها القانونية وتوفير التمويل اللازم للبنية التحتية الأمنية وغيرها من البنى التحتية.

وأبدت الحكومة تجاهلًا تامًا للفتوى الاستشارية الصادرة عن محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024 التي خلصت إلى عدم مشروعية الاحتلال وطالبت إسرائيل بإنهائه.[685]

كما عزّزت دعمها المؤسسي لأجندات الحركة الاستيطانية الرامية إلى الضمّ الرسمي والتوسّع الاستيطاني، من خلال الزيارات العلنية التي أجراها وزراء في الحكومة، والتصريحات المتكررة لكبار المسؤولين الحكوميين التي عبروا فيها عن دعمهم للتوسع الاستيطاني بوصفه أولوية وطنية، فضلًا عن الدعم المقدم إلى منظمات استيطانية ومستوطنين أفراد، بمن فيهم أشخاص وجّهت إليهم تهم بارتكاب أعمال عنف موثّقة علنًا.

وفي الوقت نفسه، أُجبر آلاف الفلسطينيين من التجمّعات الرعوية والبدوية على الفرار من منازلهم في ظل التصاعد غير المسبوق في عنف المستوطنين المدعوم من الدولة منذ عام 2023. فقد أرهب المستوطنون الإسرائيليون المؤدلجون التجمّعات الفلسطينية من خلال المداهمات المسلّحة المتكررة لقراهم ومنازلهم، والاعتداء العنيف عليهم بالضرب، وتهديدهم بالقتل إذا لم يغادروا، ومضايقتهم باستمرار في بعض الحالات حتى بعد تهجيرهم، وتدمير ممتلكاتهم والبنى التحتية لقراهم، وحرمانهم من المياه والكهرباء، وسرقة مواشيهم وممتلكاتهم. وكثيرًا ما كان الجنود وأفراد الشرطة الإسرائيليون حاضرين أثناء أعمال العنف، فإما وقفوا متفرجين مما أتاح وقوع الاعتداءات العنيفة، أو شاركوا فيها أحيانًا بصورة مباشرة، بينما أدى التسليح الحكومي المتزايد للمستوطنين إلى طمس الحدود الفاصلة بين المستوطنين المسلحين وقوات الأمن.

وقد أدّت هذه الممارسات مجتمعة إلى ترسيخ البيئة القهرية القائمة أصلًا، في إطار قصد متعمّد يهدف إلى تهجير سكان التجمعات الفلسطينية في المنطقة (ج)، والاستيلاء على أرضهم ومنعهم من العودة إلى منازلهم. أما الذين حاولوا العودة فوجدوا قراهم قد أحيطت بالسياج أو دمّرها المستوطنون، أو تعرّضوا لهجمات المستوطنين ومضايقاتهم المتكررة، وقد تقاعس الجيش باستمرار عن وقفها وتقاعست الشرطة عن التحقيق فيها. ودفعهم ذلك إلى الفرار مجددًا، حتى في الحالات النادرة التي تمكّنوا فيها من إثبات حقهم بالعودة من خلال المحاكم الإسرائيلية. وعمليًا، جعلت هذه السياسات والممارسات المناطق التي عاشت فيها هذه التجمّعات لأجيال غير صالحة للسكن.  

ورغم أن المستوطنين هم من ارتكبوا هذه الأفعال، فإنها لم تكن حوادث فردية معزولة. بل جاءت نتيجة سياسة دولة متعمّدة جمعت بين رؤية الحركة الاستيطانية لـ”إسرائيل الكبرى”، التي تعتبر الضفة الغربية جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل، وهدف واضح يتمثل في تهجير أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين مع توسيع نطاق الصلاحيات الحكومية الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.

وقد شجّع كبار المسؤولين الإسرائيليين عنف المستوطنين ضد التجمّعات البدوية والرعوية، وسهّلوه، وتغاضوا عنه، واستخدموه عمدًا أداةً للتهجير القسري. ويتجلّى ذلك في سياسات الحكومة الرامية إلى تسليح المستوطنين؛ والإحجام عن حماية الفلسطينيين، والتقاعس عن التحقيق في الجرائم التي يرتكبها المستوطنون بحقهم وملاحقة مرتكبيها؛ فضلًا عن مواصلة تقديم الدعم المالي واللوجستي والقانوني والسياسي للبؤر الاستيطانية غير المرخصة والمنظمات الاستيطانية المتورطة في تجريد الفلسطينيين من ملكيتهم باستخدام وسائل قسرية.

كما شارك الجيش الإسرائيلي في أعمال عنف المستوطنين أو امتنع عمدًا عن حماية الفلسطينيين رغم توفر أدلة واسعة على هذه الانتهاكات، ما يشير إلى وجود سياسة تسمح بهذه الهجمات وتقاعس عن معاقبة مرتكبيها.

وفي الحالات القليلة التي قدّمت فيها المحاكم قدرًا من الإنصاف، ولو جزئيًا، من خلال قرارات تسمح بعودة السكان المهجّرين قسرًا، أو أوامر مؤقتة تحظر تنفيذ المزيد من عمليات هدم المنشآت المؤقتة، أو أوامر منع تعرّض تحول دون مضايقة أفراد من المستوطنين للفلسطينيين، تقاعست الشرطة والجيش الإسرائيليين بصورة ممنهجة عن تنفيذ تلك الأوامر والقرارات.

عند تولّي الحكومة السلطة، كانت التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية في المنطقة (ج) معرَضة أصلًا بصورة خاصة لتداعيات عنف المستوطنين وهجمات الجيش الإسرائيلي، وذلك نتيجة عقود من الإفلات من العقاب الذي يُمنح لمرتكبي الانتهاكات من الجهات الحكومية وغير الحكومية، فضلًا عن سياسات النقل القسري التي تنفّذها إسرائيل بحق الفلسطينيين في أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967. وقد شملت هذه السياسات عمليات هدم فعلية أو التهديد بها بذريعة البناء بدون تصريح، في ظل نظام تمييزي للتقسيم والبناء؛ والاستيلاء على الأراضي، الذي يسّرته سلطة قضائية منحازة وأضفت عليه الصفة الشرعية؛ وخلق بيئة قهرية عمدًا من خلال الحرمان من الخدمات الأساسية، فضلًا عن هجمات المستوطنين وقوات الأمن ومضايقاتهم السابقة. وفي الفتوى الاستشارية الصادرة عام 2024، أكّدت محكمة العدل الدولية أن عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، مقترنًا بتقاعس دولة إسرائيل عن “منعه أو المعاقبة عليه، واستخدامها المفرط للقوة ضد الفلسطينيين، أسهم في خلق بيئة قهرية ضد الفلسطينيين وإدامتها”.[686]

وقد انطوت سياسات الضمّ الإسرائيلية وتنفيذها بحق التجمّعات الفلسطينية البدوية والرعوية في المنطقة (ج) على ارتكاب الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبعاد أو النقل القسري للسكان، في انتهاكٍ للقواعد الأساسية للقانون الدولي، وعلى النحو المنصوص عليه في نظام روما الأساسي.

كما تُشكّل سياسات الإبعاد أو النقل غير المشروعين المنتهجة في المنطقة (ج)، والتي لا تُنفذ لضرورة عسكرية أو لحماية سكان الأرض المحتلة، جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي.

ارتكبت السلطات الإسرائيلية أيضًا طيفًا واسعًا من انتهاكات حقوق الإنسان، وذلك باقتلاع سكان التجمّعات الفلسطينية من أرضهم، والسماح عمدًا بتدمير منازلهم ومقتنياتهم، وتهجيرهم قسرًا ومنعهم من العودة إلى تجمّعاتهم. وتشمل هذه الانتهاكات انتهاك الحق في مستوى معيشي ملائم، بما في ذلك الحق في سكن لائق؛[687] والحق في التعليم، لا سيما للأطفال؛[688] والحق في العمل؛[689] والحق في الصحة.[690] وهذه الحقوق مكفولة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي صدقت عليه إسرائيل عام 1991، والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز، التي تحظر الفصل العنصري والأبارتهايد، وصدقت عليها إسرائيل عام 1979.

الالتزامات القانونية الدولية المترتبة على الدول الثالثة

لم تتخذ معظم الدول سوى إجراءات محدودة لوقف سياسة التطهير العرقي التي تنتهجها إسرائيل بحق الفلسطينيين في المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، ولم يفعل بعضها شيئًا على الإطلاق، رغم التزاماتها القانونية بالعمل على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع ونظام الأبارتهايد الوحشي، وضمان التحقيق مع المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وملاحقتهم قضائيًا.

في سبتمبر/أيلول 2024، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يطالب إسرائيل بإنهاء وجودها غير المشروع في الأرض الفلسطينية المحتلة خلال 12 شهرًا، وذلك امتثالًا للفتوى التاريخية التي أصدرتها محكمة العدل الدولية، والتي تحدد التزامات الدول الثالثة الناشئة عن احتلال إسرائيل غير المشروع للأرض الفلسطينية.

وقد حثّ القرار الدول على “عدم تقديم العون أو المساعدة للحفاظ على الوضع القائم بسبب وجود إسرائيل” في الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك في أي تعاملات دبلوماسية أو سياسية أو قانونية أو عسكرية أو اقتصادية أو تجارية أو مالية مع إسرائيل. كما حثّها على “فرض العقوبات، بما في ذلك حظر السفر وتجميد الأصول، على الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الضالعين في إدامة الوجود الإسرائيلي غير المشروع في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك فيما يتعلق بعنف المستوطنين”، ضمن سلسلة من التدابير الرامية إلى ضمان امتثال الدول لالتزاماتها بموجب القانون الدولي.[691] وشملت هذه التدابير الامتناع عن المعاملات التجارية أو الاقتصادية التي من شأنها أن ترسّخ الاحتلال الإسرائيلي أو التي تدعي فيها إسرائيل بالتصرف بالنيابة عن الأرض الفلسطينية المحتلة؛ ورفض الاعتراف بالوجود الإسرائيلي غير المشروع في الأرض الفلسطينية المحتلة من خلال البعثات الدبلوماسية، بما في ذلك بإنشاء السفارات في القدس الشرقية المحتلة؛ ووقف الاستيراد من المستوطنات الإسرائيلية؛ ووقف نقل الأسلحة والذخيرة والعتاد ذي الصلة إلى إسرائيل؛ ودعم جهود المساءلة.

ومع ذلك، ظلّت الإجراءات المحدودة التي اتّخذتها الدول لوقف التطهير العرقي والانتهاكات في الأرض الفلسطينية المحتلة أضيق نطاقًا بكثير، وتركزت على فرض عقوبات فردية على أفراد من المستوطنين، ومنظمات استيطانية متطرفة، وبؤر استيطانية. [692]

فعلى سبيل المثال، في عام 2024، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على تسعة مستوطنين يهود بسبب إنشائهم بؤر استيطانية في الضفة الغربية المحتلة وارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بحق الفلسطينيين، كما فرض عقوبات على خمسة كيانات استيطانية، من بينها بؤرتان استيطانيتان، ومنظمة واحدة معروفة بضلوعها في عنف المستوطنين.[693] غير أن الاتحاد الأوروبي لم يفرض عقوبات على أي مسؤول أو كيان حكومي ضالع في السياسات التي تنتهجها إسرائيل في سياق الاستيطان والنقل القسري، ولا على أي منظمات استيطانية تُعرف بضلوعها في تجريد الفلسطينيين من أرضهم وممتلكاتهم، أو بمشاركتها المباشرة في بناء المستوطنات والبؤر الاستيطانية وتوسيعها.[694]

كما لم يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على رئيس الوزراء الإسرائيلي ولم يعزله سياسيًا حتى، رغم أنه مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية على خلفية تهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة المحتل.

ولم تفرض بعض الدول، ومن بينها أستراليا،[695] وكندا، ونيوزيلندا، والنرويج، وسلوفينيا[696] ، والمملكة المتحدة، عقوبات على الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير إلا في منتصف عام 2025، وذلك على خلفية تحريضهما المتكرر على “العنف المتطرف” بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية والدعوة إلى تهجيرهم قسرًا.

ورغم أنها كانت خطوة مرحّبًا بها، فإن اقتصار الإجراءات على هذين الوزيرين فقط جعلها غير كافية، كما أن هذا الخطوة لم تنطوِ على الإقرار بأن النقل القسري سياسة راسخة وركيزة يستند عليها نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل على جميع الفلسطينيين الذين تسيطر على حقوقهم، ولا بأن هذه السياسة سبقت تشكيل الحكومة السابعة والثلاثين.

وفي استثناءٍ نادر، في يوليو/تموز 2025، تعهّدت 13 دولة من إفريقيا، وآسيا، ومنطقة البحر الكاريبي، والشرق الأوسط، وأمريكا الجنوبية، في بيانٍ مشترك صدر خلال اجتماع مجموعة لاهاي، بإجراء “مراجعة عاجلة لجميع العقود العامة، لمنع المؤسسات العامة والأموال العامة… من دعم الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني”. [697] ودعا البيان المشترك إلى إعمال الولاية القضائية العالمية لضمان تحقيق العدالة لجميع الضحايا في الأرض الفلسطينية المحتلة ومنع توريد أو نقل الأسلحة، والذخيرة، والوقود العسكري والعتاد ذي الصلة، بما يضمن عدم تمكين أو تيسير ارتكاب الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب تدابير أخرى.[698]

وفي الوقت نفسه، فشلت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مرارًا في تعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، عقب مراجعة أجرتها المفوضية الأوروبية في يونيو/حزيران 2025، استندت أساسًا إلى سلوك إسرائيل في قطاع غزة، وخلصت إلى وجود “مؤشرات” على أن إسرائيل تنتهك التزاماتها إزاء حقوق الإنسان بموجب المادة الثانية من الاتفاقية.[699]

وبسبب الاستياء من تقاعس الاتحاد الأوروبي، بدأت عدة دول أعضاء باتخاذ إجراءات أحادية الجانب. ففي يوليو/تموز 2025، أعلنت سلوفينيا[700] حظر استيراد الأسلحة وتصديرها وعبورها من إسرائيل وإليها. وبعد شهر، أعلنت حظر استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية.[701] ورغم اتخاذها خطوات لإنفاذ الحظر على نقل الأسلحة، لم تكن قد اتخذت، حتى أبريل/نيسان 2026، أي إجراءات لتنفيذ الحظر على الواردات من المستوطنات الإسرائيلية.[702]

وفي سبتمبر/أيلول 2025، اعتمدت إسبانيا مرسومًا يقضي بحظر شراء الأسلحة، والذخيرة، والعتاد العسكري من إسرائيل وبيعها إليها، ويمنع عبور جميع السفن التي تحمل وقودًا للقوات الإسرائيلية عبر الموانئ الإسبانية، ويحظر استيراد المنتجات الصادرة من المستوطنات الإسرائيلية. كما فرض المرسوم قيودًا على الإعلانات الترويجية للسلع والخدمات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية.[703] وجاء ذلك امتدادًا لسياسة صارمة انتهجتها إسبانيا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، عندما علّقت إصدار تراخيص جديدة لبيع العتاد الدفاعي، وتوقفت عن ترخيص تصدير المعدات التي يمكن استخدامها في “مكافحة الشغب”.[704]

وفي الوقت نفسه، تعهّدت حكومات بلجيكا، وأيرلندا، وهولندا بفرض حظر على الواردات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.[705]

ويمكن لهذه التدابير أن تُحدث أثرًا حقيقيًا على سلوك إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن تسهم في وضع حد للجرائم التي يشملها القانون الدولي وللتطهير العرقي، فقط إذا نُفّذت بصورة متّسقة وإذا حذت دول أخرى حذوها، وهو أمر بالغ الأهمية.

ولا تندرج هذه التدابير في إطار الإجراءات السياسية الطوعية؛ إذ تترتب على الدول الثالثة التزامات قانونية لضمان احترام القانون الدولي الإنساني،[706] والامتناع عن تقديم العون والمساعدة للاحتلال الإسرائيلي غير المشروع والمستوطنات غير القانونية أو لغيرهما من الانتهاكات الجسيمة، والتعاون من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع.[707]

النتائج و التوصيات

النتائج

خلص بحث منظمة العفو الدولية إلى وجود أدلة قاطعة على أن إسرائيل ارتكبت، بين ديسمبر/كانون الأول 2022 وديسمبر/كانون الأول 2025، انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، في إطار سعيها إلى تنفيذ سياسة للتطهير العرقي في المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، من خلال التهجير القسري للتجمعات الفلسطينية البدوية والرعوية. وتشمل هذه الانتهاكات جريمة الحرب المتمثلة في الإبعاد أو النقل غير المشروعين والجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبعاد أو النقل القسري للسكان.

ويشير الرصد المتواصل الذي تجريه منظمة العفو الدولية للوضع على الأرض إلى أن هذه الانتهاكات مستمرة. ومع أن العديد من هذه الانتهاكات بدأ قبل تولي الحكومة السابعة والثلاثين السلطة بوقت طويل، فإن تسارعها وتفاقمها منذ ذلك الحين يستلزمان من المجتمع الدولي أن يواجه بشكل كامل المشروع الإسرائيلي الذي تقوده الدولة، وتسميته بمسمّاه، والتحرك بحزم لمنع تدمير التجمّعات الفلسطينية وضم الضفة الغربية.

ظلّت معظم الدول تحجم عن اتخاذ أي إجراء في مواجهة هذا الانتهاك الفادح والمستمر لحقوق الفلسطينيين، حتى في الوقت الذي أعلن فيه مسؤولون إسرائيليون، في تحدٍّ، عن نية الحكومة الإسرائيلية وأفعالها الرامية إلى ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية رسميًا بموجب القانون الإسرائيلي. وحيثما اتُّخذت إجراءات، فقد اقتصرت إلى حد كبير على فرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين أفراد معروفين بتنفيذ هجمات على التجمعات والقرى الفلسطينية البدوية والرعوية أو بالتحريض عليها، إلى جانب بعض منظمات المستوطنين والبؤر الاستيطانية التي أنشأها هؤلاء المستوطنون؛ وعلى زعيميْ حزبيْ “القوة اليهودية” و”الصهيونية الدينية” المصنفين على أنهم “متطرفان”. ومن خلال تركيز هذه التدابير على البؤر الاستيطانية وعلى من أنشأوها، فقد صوّرت عنف المستوطنين على أنه مشكلة تتعلق بـ”متطرفين” أو “وزراء متطرفين” أفراد، بدلًا من معالجة حقيقته: أنه عنصر أساسي في حملة تطهير عرقي تحظى بموافقة الدولة، تُنفَّذ من خلال جريمة ضد الإنسانية تتمثل في النقل القسري، وغيرها من الجرائم.  

يكشف هذا التقرير كيف تصرّف المستوطنون بدعم وحماية كاملين من الدولة الإسرائيلية، وهم ينفذون مشروعًا وطنيًا يهدف إلى طرد الفلسطينيين من مجتمعاتهم للاستيلاء على الأراضي وضم مساحات متزايدة من الضفة الغربية المحتلة.

لقد أخفقت التدابير الملموسة القليلة جدًا التي اتخذتها دول ثالثة إخفاقًا تامًا في الاعتراف بأن التهجير القسري للفلسطينيين في الضفة الغربية يشكل منذ أمد طويل جزءًا من سياسة الحكومة الإسرائيلية، وعنصرًا أساسيًا في نظام الأبارتهايد الذي أقامته إسرائيل على مدى عقود. إن التعامل مع سياسات إسرائيل لضم الأراضي، وحملتها للتطهير العرقي، والتهجير القسري للفلسطينيين على أنها من أفعال عدد قليل من الوزراء المتطرفين والمستوطنين الأفراد أمر يأتي بنتائج عكسية، ويتجاهل الأدلة على وجود سياسة ونية واضحتين للدولة، التي يعرضها هذا التقرير.

وفي ضوء هذا البحث والأدلة القوية التي قدمتها منظمات أخرى لحقوق الإنسان ووكالات تابعة للأمم المتحدة، تخلص منظمة العفو الدولية إلى أنه من أجل وقف الانتهاكات الممنهجة لحقوق الفلسطينيين التي ترتكبها إسرائيل، يجب على الدول التصدي للعوامل البنيوية التي تقف وراء انتهاكات إسرائيل وجرائمها في الأرض الفلسطينية المحتلة، وفرض تكاليف سياسية واقتصادية ودبلوماسية على إسرائيل بسبب استمرارها في احتلال غير مشروع وترسيخها لنظام أبارتهايد.

وطالما أن الدول، ولا سيما الدول التي تتمتع بنفوذ لدى إسرائيل، لا تفعل ذلك، فإن التهجير القسري، وبناء المستوطنات، وضم الأراضي، والانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان الأخرى ستستمر بلا هوادة، وستترتب عليها عواقب مأساوية أخرى على الشعب الفلسطيني.

إن مواصلة منح إسرائيل الإفلات من العقاب على ما ترتكبه من انتهاكات وجرائم فظيعة عديدة بحق الفلسطينيين، وعلى نظامها الممأسس العام للهيمنة والاضطهاد، لها تداعيات عالمية على المكانة المتدهورة أصلًا للقانون الدولي والنظام الدولي القائم على القواعد.

التوصيات

في ضوء ما خلصت إليه المنظمة، وتقاعس المجتمع الدولي عن الوفاء بالتزاماته القانونية بالتعاون من أجل وضع حد لانتهاكات إسرائيل للقانون الدولي، تقدم منظمة العفو الدولية التوصيات التالية:

إلى الدول الثالثة:

تدعو منظمة العفو الدولية جميع الدول إلى الوفاء بالتزاماتها الدولية واتخاذ جميع التدابير المتاحة لها للضغط على إسرائيل لإنهاء احتلالها غير المشروع، وتفكيك نظام الأبارتهايد الذي تفرضه على الفلسطينيين، ووضع حد لجميع الانتهاكات المرتكبة في إطار هذا النظام. ويشمل ذلك جميع الدول التي تتمتع بنفوذ لدى إسرائيل، بما فيها حلفاؤها، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وألمانيا وغيرها من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وكذلك الدول الأخرى التي تربطها بإسرائيل علاقات دبلوماسية وسياسية واقتصادية، أو التي تسعى إلى إقامة مثل هذه العلاقات، مثل الدول العربية، ولا سيما الدول الأعضاء في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فضلًا عن الدول الإفريقية ودول الأمريكتيْن.

من بين أمور أخرى، ينبغي للدول:

  • فرض عقوبات موجهة، بما في ذلك حظر السفر وتجميد الأصول، على بنيامين نتنياهو، وبتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير، ويسرائيل كاتس، وأوريت ستروك، بوصفهم مسؤولين إسرائيليين متورطين بشكل مباشر في فرض إسرائيل حملة تطهير عرقي وعمليات تهجير قسري على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وفي استمرار احتلالها غير المشروع ونظام وجريمة الأبارتهايد.
  • اتخاذ خطوات لحظر التجارة أو العلاقات الاستثمارية أو أي شكل من أشكال المساعدة أو التعاون أو الدعم المالي الذي يسهم في احتلال إسرائيل غير المشروع، أو يرتبط به ارتباطًا مباشرًا، أو يسهم في نظام الفصل العنصري الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين، أو في تطهيرها العرقي للفلسطينيين. ويشمل ذلك ما يلي:
    • سنّ أو تعديل التشريعات واللوائح و/أو تنفيذ التشريعات واللوائح القائمة، بهدف منع تقديم أي شكل من أشكال المساعدة، بما في ذلك من خلال التدابير السياسية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية أو غيرها، لسياسات إسرائيل المتمثلة في التطهير العرقي والتهجير القسري، واحتلالها غير المشروع أو نظام الأبارتهايد.
    • اتخاذ خطوات لمنع التجارة والتمويل والاستثمار التي قد تساعد أو تساهم في الإبقاء على نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل أو احتلالها غير المشروع للأرض الفلسطينية، أو تسهم فيهما، أو ترتبط بهما ارتباطًا مباشرًا، بما في ذلك من خلال:
      • حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية أو الاستثمار فيها؛
      • حظر التجارة والتعاون مع الجهات المتورطة في إنشاء المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية والحفاظ عليها، وفي النظام المرتبط بها، وكذلك في نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل والانتهاكات ذات الصلة، مثل التهجير القسري المرتكب بقصد الإبقاء عليه. ويشمل ذلك مؤسسات الدولة، بما فيها الوزارات، ومن بينها وزارات الزراعة والأمن الغذائي، والاستيطان والمهام الوطنية، والدفاع، والمواصلات والأمان على الطرق، والمالية؛
      • حظر تقديم الأموال أو الموارد الاقتصادية أو أي شكل آخر من أشكال المساعدة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى جميع المنظمات الإسرائيلية التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من المشروع الاستيطاني ونظام الأبارتهايد. ويشمل ذلك المنظمات التي تبني المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وتطوّرها وتموّلها، بما في ذلك من خلال حملات جمع التبرعات. ويشمل ذلك أيضًا المنظمات التي تستغل القوانين التمييزية بطبيعتها ضد الفلسطينيين لبدء إجراءات إخلائهم أو الدفع نحو تنفيذ أوامر هدم منشآتهم، أو التي تجنّد متطوعين للمساعدة في بناء البؤر الاستيطانية غير المرخصة أو توسيعها، أو للمشاركة في أعمال تهدف إلى التطهير العرقي للفلسطينيين من المنطقة (ج) أو من أجزاء أخرى من الأرض الفلسطينية المحتلة؛
      • تنظيم عمل الشركات التي يقع مقرها في نطاق اختصاصها القضائي، على نحو يمنع مساهمتها في الاحتلال غير المشروع والأبارتهايد والتطهير العرقي أو ارتباطها المباشر بهم، وذلك من خلال حظر عمل الشركات في المستوطنات أو الاتجار بسلع المستوطنات الإسرائيلية، أو التعامل مع الشركات المسجلة في المستوطنات أو المتورطة بأي شكل في تطوير المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة أو استدامتها.
    • حظر جميع الصادرات التي قد تستخدمها إسرائيل أو الكيانات الخاصة، بما فيها المنظمات الخيرية وغير الربحية، العاملة داخل إسرائيل و/أو في الأرض الفلسطينية المحتلة، لترسيخ احتلال إسرائيل غير المشروع أو نظام الأبارتهايد أو التطهير العرقي.
  •   فرض حظر فوري على توريد جميع أنواع الأسلحة والعتاد العسكري والمعدات الأمنية لإسرائيل أو بيعها أو نقلها بطرق مباشرة أو غير مباشرة، بما في ذلك التكنولوجيات المتعلقة بها، أو قطع الغيار أو المكونات، أو المساعدة التقنية، أو التدريب، أو المساعدات المالية أو غيرها. ويتضمن ذلك حظر عبور هذه السلع وشحنها عبر المناطق الخاضعة لولايتها (الموانئ أو المطارات أو المجال الجوي أو الأراضي) في طريقها إلى إسرائيل.
  • فرض حظر فوري على توريد جميع معدات المراقبة إلى إسرائيل، وبيعها أو نقلها إليها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بما في ذلك العبور وإعادة الشحن، وكذلك أي معدات للذكاء الاصطناعي، وبنى تحتية سحابية وغيرها من معدات تكنولوجيا المعلومات، والبرمجيات والأجهزة، وبالأخص المواد والخدمات التي تُستخدم في دعم أنشطة المراقبة، أو حفظ الأمن، أو الأنشطة العسكرية أو الأمنية التي تمارسها إسرائيل. ويشمل هذا التكنولوجيات المتعلقة بها، وقطع الغيار، والمكونات، والمساعدة التقنية، والتدريب، والمساعدات المالية أو غيرها. 
  • التحرك على وجه السرعة لوضع حد لجريمة الحرب والجريمة ضد الإنسانية المتمثلتين في الإبعاد أو النقل القسري للسكان، المرتكبتين في سياق حملة إسرائيل للتطهير العرقي ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة منذ نهاية عام 2022، وملاحقة المسؤولين عنها لتحقيق العدالة بصورة عادلة وفعالة وضمان مساءلتهم الجنائية الفردية. وينبغي أن يشمل ذلك ممارسة الولاية القضائية الجنائية الوطنية أو العالمية أو غيرها من أشكال الولاية القضائية خارج الحدود الوطنية، وإلغاء أي تقادم أو غيره من العوائق القانونية أو المتعلقة بالسياسات العامة التي تحول دون التحقيق في الجرائم الدولية وملاحقة مرتكبيها قضائيًا، وضمان عدم منح أي حصانة شخصية أو وظيفية من الملاحقة القضائية أو أي عفو عن هذه الجرائم.
  • حيثما تتوافر أدلة كافية، يجب على السلطات المختصة إجراء التحقيقات والمحاكمات الجنائية أمام محاكم مدنية. وينطبق هذا على الأفراد الخاضعين لاختصاص الدول القضائي، بناء على مبادئ الولاية القضائية العالمية وجنسية الجناة والضحايا، بما في ذلك حالات ازدواج الجنسية. وينبغي أن يشمل ذلك مرتكبي الجرائم المحتملين الذين توجد أسباب معقولة للاشتباه في مسؤوليتهم عن ارتكاب الجرائم، بمن فيهم أفراد الجيش الإسرائيلي والمستوطنون. وإلى جانب ذلك، ينبغي التعاون بصورة استباقية مع الدول الأخرى التي فتحت تحقيقات على الصعيد الوطني.
  • ضمان أن يتصدّى الدبلوماسيون الموجودون في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة بنشاط لانتهاكات إسرائيل لحقوق الفلسطينيين، بما في ذلك من خلال زيارة التجمّعات المهجّرة وتلك المعرّضة لخطر التهجير القسري ودعمها.     

إلى الاتحاد الأوروبي:

  • مراجعة جميع الاتفاقيات وعمليات التبادل البحثي والعلاقات التجارية مع إسرائيل، وتعليق اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل استنادًا إلى إخلال إسرائيل ببند حقوق الإنسان فيها (المادة 2)، بما يضمن ألا تسهم هذه العلاقات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في احتلال إسرائيل غير المشروع وجرائمها التي يشملها القانون الدولي.
  • استخدام النفوذ الاقتصادي للاتحاد الأوروبي، بوصفه أكبر شريك تجاري لإسرائيل، للضغط عليها من أجل تفكيك نظام الأبارتهايد الذي تفرضه، وإنهاء احتلالها غير المشروع، وسياسة التطهير العرقي التي تنتهجها، وانتهاكاتها المستمرة في الأرض الفلسطينية المحتلة. 
  • اتخاذ خطوات لحظر التجارة والعلاقات الاستثمارية أو أي شكل من أشكال المساعدة أو التعاون أو الدعم المالي الذي يسهم في احتلال إسرائيل غير المشروع، أو نظام الأبارتهايد الذي تفرضه، أو تطهيرها العرقي للفلسطينيين، أو يرتبط بها ارتباطًا مباشرًا. ويشمل ذلك اتخاذ خطوات لمنع التجارة والتمويل والاستثمار التي قد تساعد أو تساهم في الإبقاء على نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل أو احتلالها غير المشروع للأرض الفلسطينية أو تطهيرها العرقي، أو ترتبط بها ارتباطًا مباشرًا، وذلك لمواءمة العلاقات التجارية للاتحاد الأوروبي مع إسرائيل مع القانون الدولي، بما في ذلك من خلال:
    • فرض حظر شامل على مستوى الاتحاد الأوروبي على جميع واردات وصادرات السلع والخدمات من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الأرض الفلسطينية المحتلة وإليها، وكذلك على الاستثمارات فيها، باعتبار ذلك خطوة نحو مواءمة العلاقات التجارية للاتحاد الأوروبي مع إسرائيل مع القانون الدولي، في إطار السياسة التجارية المشتركة للاتحاد الأوروبي؛
    • حظر التجارة والتعاون مع الجهات المتورطة في إنشاء المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية والحفاظ عليها، وفي النظام المرتبط بها، وكذلك في نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل والانتهاكات ذات الصلة، مثل التهجير القسري المرتكب بقصد الإبقاء عليه. ويشمل ذلك مؤسسات الدولة، بما فيها الوزارات، ومن بينها وزارات الزراعة والأمن الغذائي، والاستيطان والمهام الوطنية، والدفاع، والمواصلات والأمان على الطرق، والمالية؛
    • حظر تقديم الأموال أو الموارد الاقتصادية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى جميع المنظمات الإسرائيلية التي تشكل جزءًا لا يتجزأ من المشروع الاستيطاني ونظام الأبارتهايد. ويشمل ذلك المنظمات التي تبني المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وتطوّرها وتموّلها، بما في ذلك من خلال حملات جمع التبرعات. ويشمل ذلك أيضًا المنظمات التي تقود أنشطة تهدف إلى تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم، من خلال استغلال القوانين التمييزية بطبيعتها ضد الفلسطينيين لبدء إجراءات إخلائهم أو الدفع نحو تنفيذ أوامر هدم منشآتهم، أو التي تجنّد متطوعين للمساعدة في بناء البؤر الاستيطانية غير المرخصة وتوسيعها، أو للمشاركة في أعمال تهدف إلى التطهير العرقي للفلسطينيين من المنطقة (ج) أو من أجزاء أخرى من الأرض الفلسطينية المحتلة. 
  • فرض عقوبات موجهة، بما في ذلك حظر السفر وتجميد الأصول، على بنيامين نتنياهو، وبتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير، ويسرائيل كاتس، وأوريت ستروك، بوصفهم المسؤولين الإسرائيليين الأكثر تورطًا بشكل مباشر في حملة إسرائيل للتطهير العرقي في الضفة الغربية المحتلة والتهجير القسري، وفي استمرار الاحتلال غير القانوني ونظام الأبارتهايد وجريمة الأبارتهايد التي تفرضها إسرائيل على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
  • إنهاء الاستثناءات المتعلقة بالسفر إلى الاتحاد الأوروبي من دون تأشيرة للمستوطنين الإسرائيليين: فمن خلال إتاحة السفر إلى الاتحاد الأوروبي من دون تأشيرة للمواطنين الإسرائيليين المقيمين في المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية في الأرض الفلسطينية المحتلة، مع اشتراط الحصول على تأشيرات للفلسطينيين المقيمين في الأرض الفلسطينية المحتلة، يسهم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء في نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين. كما أن إتاحة السفر للمستوطنين من دون تأشيرة تنتهك أيضًا الالتزام بعدم الاعتراف بشرعية الوضع الناشئ عن الوجود غير المشروع لإسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة، وفقًا لفتوى محكمة العدل الدولية الصادر في يوليو/تموز 2024، وكذلك سياسة الاتحاد الأوروبي الخاصة بالتمييز بين إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة.

إلى السلطات الإسرائيلية:

  • الوقف الفوري للتهجير القسري للتجمعات الفلسطينية الرعوية والبدوية في المنطقة (ج) من الضفة الغربية وفي أي مكان آخر من الأرض الفلسطينية المحتلة.
  • السماح فورًا للفلسطينيين المهجّرين بالعودة إلى منازلهم في الضفة الغربية، بما فيها المنطقة (ج). وإلى حين عودتهم، ضمان تلبية الاحتياجات الإنسانية لجميع المدنيين المهجرين، بما في ذلك الحصول على المياه والغذاء والمأوى والرعاية الصحية، بما يتماشى مع التزامات إسرائيل بوصفها دولة الاحتلال.
  • الوقف الفوري لتدمير المنازل والأراضي وغيرها من الممتلكات دون وجود ضرورة عسكرية مطلقة، على النحو الذي يحدده القانون الدولي الإنساني. ينبغي أن يحصل كل من دُمّرت ممتلكاته بصورة غير قانونية دون إخطار مسبق كافٍ وإتاحة فرصة فعلية للطعن في القرار أمام محكمة قانونية على جبر للضرر، وأن يُسمح له، حيثما أمكن، بإعادة بناء ممتلكاته في المكان نفسه.
  • إنهاء الاحتلال غير المشروع للضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، التزامًا بالفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية في 19 يوليو/تموز 2024. تفكيك جميع المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية ومرافق البنية التحتية المرتبطة بها، التي أُنشئت بصورة غير مشروعة على الأراضي الفلسطينية في الأرض الفلسطينية المحتلة؛ ونقل جميع المستوطنين إلى خارج الأرض الفلسطينية المحتلة.
  • إنهاء نظام الأبارتهايد ضد الفلسطينيين بتفكيك إجراءات التمييز المجحف والعزل والاضطهاد السارية حاليًا ضد السكان الفلسطينيين.     

إلى مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية:

  • النظر في ارتكاب الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبعاد أو النقل القسري وجريمة الحرب المتمثلة في الإبعاد أو النقل غير المشروعين للتجمعات الفلسطينية الرعوية والبدوية في المنطقة (ج)، في إطار التحقيق الجاري في الحالة في دولة فلسطين.
  • ضمان أن يشكّل وضع الأبارتهايد المستمر عنصرًا سياقيًا أساسيًا وصريحًا في التحقيق برمته في الحالة في دولة فلسطين، بما في ذلك أي تحقيقات في الجرائم التي يشملها القانون الدولي المحددة في هذا التقرير.
  • اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة للتواصل مع التجمعات المتضررة، والقيام بأنشطة للتوعية الجماهيرية فيما يتعلق بالتحقيق الجاري لمكتب المدعي العام بشأن الحالة في دولة فلسطين.
المرفق 1: رسالة منظمة العفو الدولية الموجّهة إلى وزير الدفاع يسرائيل كاتس
الملحق 2: ترجمة ردّ وحدة المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عبر البريد الإلكتروني على رسالة منظمة العفو الدولية

From: IDF International Press Desk <[email protected]>
Sent: 23 May 2026 10:08
To: Philip Luther <[email protected]>
Subject: Re: Amnesty International letter offering right of reply by 28 May 2026

إن مهمة جيش الدفاع الإسرائيلي هي ضمان أمن جميع سكان يهودا والسامرة، الفلسطينيين والإسرائيليين على حدٍ سواء، والعمل على إحباط الإرهاب وإنفاذ القانون وإرساء النظام في أنحاء يهودا والسامرة لحماية أمن المدنيين الإسرائيليين.

عندما يُشتبه في عدم امتثال القوات لأوامر جيش الدفاع الإسرائيلي، تُفحَص الحوادث بصورة شاملة، وفي الحالات المناسبة، يتخذ القادة إجراءات تأديبية أو يُفتح تحقيق جنائي لتوضيح ملابساتها. وينطبق ذلك أيضًا على الحالات التي يُشتبه فيها بأن القوات وقفت موقف المتفرج من دون التدخل، خلافًا لتوجيهات جيش الدفاع الإسرائيلي وقيمه. وفي الحالات التي تتعلق بانتهاكات يُشتبه في ارتكاب مدنيين إسرائيليين لها، فإن الجهة الرئيسية المسؤولة عن التعامل مع هذه الادعاءات هي الشرطة الإسرائيلية.

ووفقًا للإجراءات المتبعة، في حال تلقي أي بلاغ بشأن وقوع احتكاك بين الإسرائيليين والفلسطينيين، أو بشأن حوادث تنطوي على اعتداء يرتكبه مدني إسرائيلي، تُرسَل قوات الجيش الإسرائيلي إلى موقع الحدث. وفي كل حادثة تنطوي على احتكاك أو اعتداء، يُتوقع من الجنود الإسرائيليين العمل على تفريق المتورطين واستعادة النظام في المنطقة، بما في ذلك في حالات العنف أو محاولات طرد الرعاة، كما يتعامل الجنود مع الحوادث الاستثنائية وفقًا للإجراءات المعمول بها.

وعندما تواجه القوات حالات انتهاك للقانون يرتكبها مدنيون إسرائيليون، بما في ذلك حوادث عنف أو حوادث تُوجَّه فيها أفعال ضد الفلسطينيين أو ممتلكاتهم، يتعين على القوات التدخل لوقف الانتهاك، وعند الضرورة، احتجاز المشتبه فيهم أو إلقاء القبض عليهم إلى حين وصول الشرطة إلى مكان الحادث.

بالإضافة إلى ذلك، هناك فريق مشترك بين الأجهزة يضم جيش الدفاع الإسرائيلي وجهاز الأمن العام [الشاباك] والشرطة الإسرائيلية وشرطة حرس الحدود، ويعمل على التصدي لظاهرة انتهاك المدنيين الإسرائيليين للقانون في المنطقة وتحسين الاستجابة العملياتية. وفي إطار هذه الجهود، بدأ جيش الدفاع عملية لمصادرة ممتلكات ومعدات المدنيين الإسرائيليين الضالعين في هذه الحوادث، وكذلك إخلاء البؤر الاستيطانية غير القانونية، التي ينطلق منها معظم المدنيين المشاركين في مثل هذه الأحداث. ووفقًا للتقييمات الميدانية، تُنشر القوات مسبقًا في مناطق الاحتكاك المعروفة، بهدف الحد من وقوع الأحداث ومنع تصعيدها.

يعمل جيش الدفاع بالتعاون مع الشرطة الإسرائيلية وغيرها من الأجهزة الأمنية، وفي الحالات ذات الصلة، تُجرى أيضًا تحقيقات مشتركة، بهدف إنفاذ القانون وتقديم الضالعين في حوادث العنف إلى العدالة.

وتؤدي قوات وحدات الدفاع الإقليمي (هغمار) دورًا مهمًا في حماية المدنيين الإسرائيليين المقيمين في المنطقة، وتعمل ضمن نطاق جغرافي محدد ومحدود من المسؤولية. وفي كثير من الحالات، منعت قوات وحدات “هغمار” وقوع هجمات وأنقذت أرواحًا. وتخضع هذه القوات لتوجيهات جيش الدفاع والإجراءات ذات الصلة. وفي حالات الخروج عن هذه التوجيهات، تُراجَع الحوادث ويُتخذ الإجراء المناسب في ضوء النتائج.

نظرًا إلى الاحتياجات التي برزت في الأشهر الأخيرة، تعمل جميع الألوية على تعزيز البروتوكولات، وتوضيح الإجراءات، وتنظيم دورات تدريبية. بالإضافة إلى ذلك، خُفّض عدد مواقع “هغمار” خلال الأسبوع الماضي، بما يتماشى مع خفض عدد القوات في القطاع.

فيما يتعلق بالحوادث المذكورة في الرسالة:

فيما يتعلق بشِعب البطم، في 19 يوليو/تموز 2024، ورد بلاغ بشأن احتكاك بين راعٍ إسرائيلي وفلسطينيين، أفاد خلاله الراعي بأنه تعرّض للاعتداء وأن عددًا من أغنامه قد سُرقت منه. وعقب ورود البلاغ، وصل جندي إلى المنطقة للبحث عن الأغنام. وخلال هذه العملية، أُلقيت حجارة على الجندي، فردّ بتنفيذ إجراء توقيف مشتبه به، شمل إطلاق عيار نار واحد تحذيري في الهواء. وأٌلقي القبض على مشتبه به فلسطيني ونُقل إلى الشرطة الإسرائيلية لاستكمال الإجراءات.

في 4 سبتمبر/أيلول، ورد بلاغ بشأن اعتداء عدد من المدنيين الإسرائيليين على فلسطينيين في خلة الضبع، في منطقة مسؤولية لواء يهودا. وعقب ورود البلاغ، أُرسلت قوات من جيش الدفاع الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية إلى مكان الحادث. وعند وصول القوات إلى المنطقة، لم يُعثر على أي من المشتبه فيهم. وجيش الدفاع على علم بالادعاء المتعلق بإصابة عدد من الفلسطينيين. وأحيلت القضية إلى الشرطة الإسرائيلية لاستكمال الإجراءات.

خربة زنوتا هي بؤرة فلسطينية أٌقيمت بشكل غير مشروع على موقع ذي قيمة تاريخية كبيرة.

في أعقاب اندلاع الحرب، غادر سكان البؤرة غير القانونية منازلهم بعد أن أُجبروا على مغادرتها على يد إسرائيليين يقيمون في المنطقة.

وفي الإجراءات القضائية التي أقامها السكان أمام محكمة العدل العليا، أبلغت الدولة المحكمة بأن المنطقة المعنية ليست منطقة عسكرية مغلقة بموجب القانون، وأنه في حال عودة السكان الفلسطينيين إلى المنطقة، فإن جيش الدفاع سيكون مستعدًا للحفاظ على النظام والأمن لهم وللمنطقة ككل. وفي الوقت نفسه، شددت السلطات الإقليمية على عدم قانونية أعمال البناء في الموقع، وعلى عزمها إنفاذ أنظمة البناء فيه وفقًا للقانون وللإفادات السابقة التي قدمتها إلى المحكمة في إجراءات قضائية سابقة بشأن هذه المسألة.

وعندما عاد السكان الفلسطينيون إلى البؤرة، أمّنت قوات جيش الدفاع عودتهم ونسّقتها، ومنذ ذلك الحين، عملت قوات جيش الدفاع على الحفاظ على الأمن والنظام بالتعاون مع الشرطة الإسرائيلية، وهي الجهة المسؤولة عن التعامل مع الشكاوى المتعلقة بانتهاكات القانون التي يرتكبها الإسرائيليون.

في حالات العنف، يمكن الاتصال بالسلطات المختصة، وسيجري النظر في الأمر.

ولا علم لجيش الدفاع بالادعاء المتعلق بعمليات إخلاء سكان قرية خربة زنوتا نفذتها قوات الجيش.

وفيما يتعلق بالحوادث التي وقعت في إبزيق والحديدية، فلا علم لجيش الدفاع بهذه الادعاءات.

للاستخدام غير المخصص للنشر:
شعبة التحقيقات الجنائية في الشرطة العسكرية والشرطة الإسرائيلية تتمتعان بصلاحية متوازية للتحقيق مع جندي ارتكب مخالفة أثناء الخدمة العسكرية. ووفقًا للسياسة التي وضعها نائب المدعي العام، تُحقَّق الشرطة الإسرائيلية في الحالات التي يرتكب فيها جندي مخالفة بحق أحد سكان يهودا والسامرة خارج نطاق مهامه، وتُعالَج هذه الحالات ضمن منظومة إنفاذ القانون المدنية.

قسم الإعلام الأجنبي

وحدة المتحدث باسم جيش الدفاع الإسرائيلي

جيش الدفاع الإسرائيلي