اليمن: بعد عام، يكشف الإفلات من العقاب على استهداف مركز احتجاز عن تقاعس الولايات المتحدة عن المساءلة ومنع إلحاق الضرر بالمدنيين

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إنه بعد مرور عام على الغارة الجوية الأمريكية الدموية التي استهدفت مركز احتجاز للمهاجرين يديره الحوثيون في صعدة شمال غرب اليمن، لم يُسجَّل أي تقدم ملموس نحو تحقيق العدالة وجبر الضرر، فيما لا يزال الناجون يعانون من صدمات جسدية ونفسية شديدة. وقد دعت المنظمة إلى التحقيق في الغارة الجوية التي شنّتها الولايات المتحدة في 28 أبريل/نيسان 2025 وأوقعت عشرات القتلى والجرحى من المهاجرين الأفارقة باعتبارها جريمة حرب. وهذا الشهر تحدثت مرة أخرى إلى ستة من الناجين من الهجوم الذين أوردوا بالتفصيل التكلفة الإنسانية التي تحملوها.

بدلًا من أن تتخذ الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب خطوات موثوقة لضمان المساءلة بما في ذلك عبر إجراء تحقيقات فعالة وسريعة، أو تقديم تعويضات للمدنيين المتضررين، فكّكت التدابير والآليات الرامية إلى منع وقوع الأضرار التي تلحق بالمدنيين -نتيجة العمليات العسكرية الأمريكية في الخارج- والحدّ من آثارها والاستجابة لها، كما هددت بشنّ هجمات من المؤكد أنها ستتسبب في أضرار مدمّرة للمدنيين. وبعد أحد عشر شهرًا من الغارة الجوية على مركز احتجاز المهاجرين في اليمن، أسفرت غارة جوية أمريكية غير قانونية على مدرسة في ميناب بإيران عن مقتل 156 شخصًا، من بينهم 120 طفلًا.

كان ينبغي أن يُطلق نهج إدارة ترامب للغارات الجوية في اليمن خلال الفترة من مارس/آذار إلى مايو/أيار 2025 جرس إنذار في الولايات المتحدة وحول العالم، ما يشير بوضوح إلى الحاجة الملحّة لتعزيز التدابير الرامية إلى حماية المدنيين.

قالت نادية دار، مديرة الفرع الأمريكي لمنظمة العفو الدولية

قالت نادية دار، مديرة الفرع الأمريكي لمنظمة العفو الدولية: “كان ينبغي أن يُطلق نهج إدارة ترامب للغارات الجوية في اليمن خلال الفترة من مارس/آذار إلى مايو/أيار 2025 جرس إنذار في الولايات المتحدة وحول العالم، ما يشير بوضوح إلى الحاجة الملحّة لتعزيز التدابير الرامية إلى حماية المدنيين. وبدلًا من ذلك أضعفت الإدارة الأمريكية الضمانات بشكل ممنهج، من خلال تقليصها عدد المكاتب المعنية بالحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين، بينما أبدت في الوقت ذاته استهتارًا خطرًا بأرواح المدنيين المعرضين للخطر جراء النزاعات المسلحة. إن هجماتٍ مثل الهجوم الأمريكي على مدرسة في ميناب بإيران، الذي أسفر عن مقتل 156 شخصًا من بينهم 120 طفلًا، كانت نتيجةً مأساويةً يمكن التنبؤ بها لتقاعس في اتخاذ تدابير فعالة للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين”.

بعد مرور عام، تقاعس المسؤولون الأمريكيون عن مساءلة أي شخص أو حتى توضيح حالة أو نتائج التحقيقات التي كانوا قد أعلنوا عنها قبل عام.

إريكا غيفارا روساس، مديرة البحوث وأنشطة كسب التأييد والسياسات والحملات بمنظمة العفو الدولية

وقالت إريكا غيفارا روساس، مديرة البحوث وأنشطة كسب التأييد والسياسات والحملات بمنظمة العفو الدولية: “بعد مرور عام، تقاعس المسؤولون الأمريكيون عن مساءلة أي شخص أو حتى توضيح حالة أو نتائج التحقيقات التي كانوا قد أعلنوا عنها قبل عام. ولا تزال عائلات من قُتلوا في الهجوم على مركز الاحتجاز في اليمن محرومة من معرفة المعلومات الأساسية عمّا حدث، وما زالت دون تحقيق العدالة لذويها”.

“لا يزال الناجون يكافحون، محرومين من الوسائل اللازمة لتأمين حياة كريمة أو حتى الحصول على علاج طبي كافٍ”.

“يجب أن يحصلوا على جبرٍ كامل وفعّال وفوري للضرر، بما يشمل رد الحقوق، والتعويض، وإعادة التأهيل، والترضية، وضمانات عدم التكرار، وذلك عبر آلية فعّالة وميسّرة”. 

استندت المنظمة في هذه النتائج إلى تحقيقها الأولي الذي نشرته في 19 مايو/أيار 2025، وبحوث المتابعة التي نشرتها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، حيث تحدثت إلى 15 ناجيًا وطلبت معلومات من الولايات المتحدة. وأجرت المنظمة مقابلات من جديد مع ستة من أولئك الناجين في أبريل/نيسان 2026. 

شكّلت غارة 28 أبريل/نيسان 2025 واحدة من أسوأ الضربات الأمريكية من حيث الخسائر في صفوف المدنيين التي وثّقتها منظمة العفو الدولية خلال سنوات. وبعد أقل من سنة في 16 مارس/آذار 2026، وثَّقت المنظّمة هجومًا آخر فادحًا من حيث الأضرار التي لحقت بالمدنيين، وهو الهجوم الأمريكي على مدرسة في ميناب بإيران، والذي أودى بحياة 156 شخصًا، من ضمنهم ما يزيد على 120 طفلًا. وتبين في التحقيق الذي أجرته المنظمة أن الولايات المتحدة انتهكت القانون الدولي الإنساني بتقاعسها عن اتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنّب إلحاق الضرر بالمدنيين عند شنّ الهجوم.

ورغم ذلك، أعرب الرئيس دونالد ترامب ومسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى، بمن فيهم وزير الدفاع بيت هيغسيث، عن ازدراءٍ للقانون الدولي وللقواعد والقيود الرامية إلى الحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين. 

وعقب الغارة الجوية في أبريل/نيسان 2025، قال مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية إنهم يقيّمون “مزاعم” وقوع خسائر في صفوف المدنيين. لكن، بعد مرور ما يقرب من عام، لم تنشر القيادة المركزية الأمريكية تقييماتها، ولم تعلن نتائج أي تحقيقات أُجريت حتى الآن. وفي 4 مارس/آذار 2026، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن التحقيق في الهجوم على ميناب لا يزال جاريًا. 

في 1 مايو/أيار، يتعيّن على وزارة الدفاع إصدار تقريرها السنوي بشأن الخسائر في صفوف المدنيين المرتبطة بأي عمليات عسكرية للولايات المتحدة خلال عام 2025، وفقًا للمادة 1057 من قانون تفويض الدفاع الوطني. قالت إريكا غيفارا روساس: “من أجل وقف هذا التصعيد الدموي، يجب على الولايات المتحدة أن تضمن إجراء تحقيقات سريعة وشفافة ونزيهة ومستقلة وفعّالة في الهجمات التي أسفرت عن خسائر في صفوف المدنيين، بما في ذلك تلك التي وقعت في اليمن وإيران. كما يجب على الكونغرس الأمريكي أن يعزّز على وجه السرعة دوره الرقابي وأن يطالب بإجابات، بما في ذلك تقديم تقرير علني بهذه الضربات، وضمان تقديم جبرٍ كافٍ وفوري للمدنيين المتضرّرين، والتأكد من عدم تخصيصه أموالًا قد تُسهم في انتهاكات للقانون الدولي”.

“لم يتبقَّ لي أي شيء يجعلني أتابع حياتي” 

في أبريل/نيسان 2026، أجرت منظمة العفو الدولية مقابلات متابعة مع ستة رجال نجوا من الغارة الجوية الأمريكية على مركز الاحتجاز في صعدة، وجميعهم أثيوبيون. ووصف الرجال الستة جميعًا العواقب المدمّرة وطويلة الأمد التي ما زالت الغارة تُلقي بظلالها على حياتهم.

بعد عام على الهجوم، لا يزال جميعهم بحاجة إلى شكل من أشكال العلاج الطبي لا يستطيعون تحمّل تكاليفه. وفي حين أن الرجال الستة غادروا بلدانهم الأصلية بحثًا عن العمل، فإنهم نتيجة الهجوم الأمريكي أصبحوا جميعًا تقريبًا يعتمدون على دعم عائلاتهم. ولا يستطيع خمسة منهم العمل بسبب الإصابات التي تعرّضوا لها خلال الضربة الأمريكية. وقد بقي أربعة منهم في اليمن، بينما عاد اثنان إلى إثيوبيا.

 فقد جيراتا، وهو رجل إثيوبي عمره 30 عامًا، إحدى ساقيه في الهجوم الأمريكي ولديه الآن قضيب معدني في ساقه الأخرى. ويعيش في ألم متواصل:

“لقد فقدت الأمل، ولم يتبقَّ لي أي شيء يجعلني أتابع حياتي. لقد جئتُ إلى هنا [اليمن] للعمل مثل الجميع لأساعد أسرتي وأُغيِّر حياتي وحياتهم إلى الأفضل […]، والآن يحملني أشخاص إلى دورة المياه”.

“لقد تسبّبت الحكومة الأمريكية في كل هذا، ونتيجةً [للغارة الجوية] لم أعد قادرًا على العمل أو إعالة نفسي. أريد منهم أن يقدموا لي أي نوع من التعويض الذي يمكن أن يساعدنا في حياتنا بأي طريقة ممكنة، شيءٌ يعيد إليّ الأمل”. 

وعقب الهجوم الأمريكي، سلك أباي، وهو رجل إثيوبي عمره 32 عامًا، طريق الهجرة البحري الخطر عائدًا إلى إثيوبيا كي يعيش مع عائلته. وهو لا يستطيع العمل بسبب الإصابات البليغة في ساقيه ويده التي لا تزال تحتاج إلى علاج لا يستطيع تحمل تكلفته.

وقال لمنظمة العفو الدولية: “ذهبتُ إلى اليمن لتغيير حياة عائلتي، لكنني الآن جعلت حياتهم أصعب مما كانت عليه من قبل. أشعر بالانكسار كلما رأيت وجوههم. يمكنكم أن تروا الحزن في وجوههم. كنتُ آمل في حياة أفضل، وأن أعمل وأغيّر حياتنا، لكن كل شيء انقلب رأسًا على عقب”. 

وقد وصف أرايا، وهو رجل إثيوبي عمره 22 عامًا، أُصيب إصابة بالغة في ذراعه في الهجوم، كيف أن الألم الدائم الناتج عن إصابته يؤثر في صحته النفسية: “إذا لم أتناول مسكنات الألم، أشعر باليأس وأتمنى الموت. أفكّر في أنه في مثل هذا العمر الصغير لا أستطيع حتى إعالة نفسي، وما زلتُ أعتمد على مساعدة الآخرين. والقضيب المعدني داخل جسمي مؤلم جدًا وغير مريح بالمرة، وهو يدفعني إلى الجنون”. 

قالت إريكا غيفارا روساس: “قصة هؤلاء المهاجرين مأساوية ومؤلمة للغاية. فقد سافروا إلى اليمن بحثًا عن فرص أفضل، فاعتقلهم الحوثيون، وحرموهم من حريتهم، ثم تعرضوا لغارة جوية أمريكية. أما الناجون فقد تُركوا في حالةٍ من الضياع، دون أي أفق للعدالة أو الجبر، ودون تفسير لما حدث لهم، أو اعترافٍ بالظلم الذي لحق بهم، أو أي دعمٍ يُقدَّم لهم لمساعدتهم على مواصلة حياتهم”.  

غياب الشفافية والمعلومات والتعويضات

بعد عام من الهجوم، لم تُفصح السلطات الأمريكية عن أي تفاصيل تتعلق بتقييمات الأضرار التي لحقت بالمدنيين أو نتائج أي تحقيق في مقتل العشرات من المهاجرين في مركز الاحتجاز. 

وفي 27 أغسطس/آب 2025، أي بعد أربعة أشهر من الهجوم، طلبت منظمة العفو الدولية رسميًا معلومات من القيادة المركزية الأمريكية، موضحةً نتائجها وطالبةً توضيح الهدف العسكري الذي استُهدف والاحتياطات التي اتُّخذت. ولم ترسل القيادة المركزية الأمريكية سوى رد مقتضب، في ذات اليوم الذي أرسلت فيه المنظمة طلب المعلومات، قائلة إنها “لا تزال تقيّم جميع التقارير المتعلقة بالأضرار التي لحقت بالمدنيين”، وإنها تتعامل مع جميع التقارير “بجدية”، وتقيمها “بصورة شاملة”. 

ومع ذلك، وبعد مرور عام، ورغم سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، لم تُعلن السلطات الأمريكية عن أي تقييمات تتعلق بالأضرار التي لحقت بالمدنيين جراء الهجوم على مركز احتجاز المهاجرين أو أي غارة جوية أخرى على اليمن خلال عمليتها العسكرية في عام 2025 والمعروفة باسم “بالفارس الخشن”.

وبموجب القانون الدولي، إذا تبيّن أن ضررًا قد لحق بالمدنيين نتيجة هجوم ينتهك القانون الدولي الإنساني، فيجب أن يحصل الضحايا وأسرهم على جبرٍ كامل للضرر.

وبالإضافة إلى التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني، تشير تعليمات وزارة الدفاع الأمريكية بشأن التخفيف من الأضرار التي تلحق بالمدنيين والاستجابة لها إلى أن الحدّ من هذه الأضرار لا يقتصر على الامتثال للقانون الدولي الإنساني، بل تشجّع القادة على “اتخاذ تدابير حماية إضافية غير مطلوبة بموجب قانون الحرب كلما رأوا ذلك مناسبًا”. علاوة على ذلك، إذا وجدت التحقيقات وقوع هجمات مباشرة على المدنيين والأعيان المدنية أو هجمات عشوائية أصابت أهدافًا عسكرية ومدنيين دون تمييز وأسفرت عن مقتل أو إصابة مدنيين، يجب التحقيق فيها واعتبارها انتهاكات للقانون الدولي وجرائم حرب محتملة. وقد خلص تحقيق منظمة العفو الدولية في الغارة الجوية إلى أنها كانت عشوائية، وبالتالي ينبغي التحقيق فيها باعتبارها جريمة حرب. 

ينبغي للولايات المتحدة أن تنشر على وجه السرعة وبشفافية تقييماتها بشأن الغارة على مركز احتجاز المهاجرين في اليمن، وغيرها من الهجمات في اليمن وإيران، بما في ذلك النتائج الواضحة المتعلقة بالأضرار التي لحقت بالمدنيين والتدابير المتخذة لمعالجتها.

إريكا غيفارا روساس

وقالت إريكا غيفارا روساس: “ينبغي للولايات المتحدة أن تنشر على وجه السرعة وبشفافية تقييماتها بشأن الغارة على مركز احتجاز المهاجرين في اليمن، وغيرها من الهجمات في اليمن وإيران، بما في ذلك النتائج الواضحة المتعلقة بالأضرار التي لحقت بالمدنيين والتدابير المتخذة لمعالجتها. وحيثما تتوفر أدلة كافية، ينبغي للسلطات المختصة أن تضمن تقديم المسؤولين إلى العدالة، عبر ملاحقة أي شخص يُشتبه في مسؤوليته الجنائية عن جرائم حرب، بما في ذلك بموجب مبدأ مسؤولية القيادة”. 
 
*تم التعريف بالمهاجرين الذين قابلتهم منظمة العفو الدولية باستخدام أسماء مستعارة لأسباب تتعلق بالسلامة.