وثقت منظمة العفو الدولية ما شهده عام 2025 من انتهاكات واسعة النطاق ارتكبتها الحكومات وغيرها من الجهات الفاعلة، والتقاعس عن تحقيق المساءلة، والمظالم النُظمية، إلى جانب المجالات المحدودة التي أحرز فيها بعض التقدم. واستمر الكثير من هذه الأنماط في عام 2026 في ظل الهجوم المتواصل على النظام الدولي القائم على القواعد.
ارتكبت الجرائم المشمولة بالقانون الدولي على نطاق واسع؛ وكان من بينها الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها روسيا في أوكرانيا، وجرائم الحرب والجرائم المشمولة بالقانون الدولي في السودان، وميانمار، وغيرها من النزاعات. وظلت عمليات نقل الأسلحة غير المسؤولة تؤجج الفظائع، وإن كان النضال الحقوقي والضغط القانوني قد دفعا بعض الدول إلى فرض قيود على صادرات الأسلحة إلى إسرائيل أو منعها. وقوضت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا آليات المساءلة الدولية، وخصوصًا المحكمة الجنائية الدولية، خلال عام 2025، في حين أعلنت عدة دول أخرى انسحابها من نظام روما الأساسي. ومع ذلك، فقد نجحت المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من الآليات الأخرى في إصدار أوامر اعتقال وأحكام إدانة بارزة، كما أنشئت هيئات تحقيقية جديدة، من بينها محكمة خاصة بشأن جريمة العدوان على أوكرانيا.
وقد اشتدت ضراوة الممارسات الاستبدادية حول العالم؛ إذ عمدت حكومات أفغانستان، وإيران، والصين، وفنزويلا، ومصر، والمملكة المتحدة، وكينيا، والهند، والولايات المتحدة الأمريكية، فضلًا عن بلدان أخرى، إلى قمع المظاهرات باستخدام العنف، أو تجريم المعارضة من خلال قوانين مكافحة الإرهاب والقوانين الأمنية، أو استخدام الاختفاء القسري، والإعدام، وأساليب حفظ الأمن المسيئة في عام 2025. واستمر شيوع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، بما في ذلك استخدام أسلحة الصعق الكهربائي، رغم تصاعد الزخم من أجل إرساء معاهدة أممية بشأن تجارة خالية من التعذيب.
كان التمييز المجحف من المواضيع المحورية؛ فقد تعرض اللاجئون والمهاجرون لعمليات الترحيل الجماعي والسياسات التي تنطوي على التمييز العرقي، في حين ظل الأشخاص الذين نزحوا عبر الحدود الدولية في سياق تغير المناخ يفتقرون إلى الحماية إلى حد بعد. واستمرت المظالم العرقية المرتبطة بالاستعمار والصناعات الاستخراجية، واستمرت كذلك المطالبات بالتعويضات. وتفشت أعمال العنف القائم على النوع الاجتماعي والقيود المفروضة على حقوق النساء؛ وبالرغم مما شهدته بعض البلدان خلال عام 2025 من التقدم القانوني في توسيع حقوق الإجهاض، وحظر زواج الأطفال، ظلت العوائق التي تحول دون الحصول على خدمات الإجهاض والرعاية التالية لها قائمة. على صعيد آخر، تصاعد حول العالم الهجوم الشرس على مجموعة من حقوق أفراد مجتمع الميم، وخصوصًا العابرين جنسيًا.
أخفقت الحكومات في التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، في حين ظل التمويل المناخي ودعم التكيف مع تغير المناخ دون المستوى المطلوب بمراحل. وأسفرت الديون، وتقليص المساعدات، والهياكل الاقتصادية العالمية الجائرة عن تقويض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. واستمرت انتهاكات الشركات في عام 2025، بما في ذلك إلحاق الأضرار البيئية، والاعتداءات على حقوق العمال، واللجوء إلى الدعاوى القضائية، في حين جرى تمييع أحكام لائحة جديدة رائدة للاتحاد الأوروبي تتعلق بمسؤولية الشركات عن بذل العناية الواجبة.
وأخيرًا، سخَّرت الحكومات التكنولوجيا لتمكين الممارسات الاستبدادية وتعزيزها؛ فبمساعدة وتيسير جهات فاعلة في قطاع الشركات، لجأت الحكومات إلى توظيف أساليب المراقبة غير المشروعة في تقييد الحق في حرية التعبير أو قمع الاحتجاجات. ولئن كانت الأضرار التي لحقت بحقوق الإنسان من وراء منصات التواصل الاجتماعي والعدد المتصاعد من أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قد تجلت بوضوح متزايد خلال عام 2025، فقد ظل التنظيم الرقابي لها متخلفًا عن الركب.
الجرائم المشمولة بالقانون الدولي
الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب
ارتكبت إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية، إلى جانب العديد من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ضد الفلسطينيين في قطاع غزة؛ واستمرت الإبادة الجماعية بعد وقف إطلاق النار مع حركة حماس في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025. وأدى نظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل على جميع الفلسطينيين إلى وقوع خسائر فادحة، ولا سيما في الضفة الغربية المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، من خلال عمليات عسكرية مُكثَّفة وزيادة كبيرة في عنف المستوطنين المدعوم من الدولة. واندلعت مظاهرات حاشدة حول العالم ضد الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل؛ وأقر طيف واسع من المنظمات والهيئات الدولية والدول بأن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية. ومع ذلك، تقاعست أكثر حكومات العالم نفوذًا عن اتخاذ إجراء فعَّال لوقف الإبادة الجماعية، أو لوضع حد للاحتلال الإسرائيلي غير المشروع ونظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل.
واستمرت روسيا في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بما في ذلك تماديها في انتهاج أسلوب واسع النطاق من الاختفاء القسري، والتعذيب، واستهداف المدنيين الأوكرانيين بالطائرات المسيّرة بحسب ما ورد. وكثفت روسيا غاراتها الجوية التي تستهدف المرافق الحيوية للبنية التحتية في أوكرانيا؛ وكثرت الأنباء التي تفيد أن القوات الروسية أعدمت أسرى حرب أوكرانيين خارج نطاق القضاء. واتخذت روسيا أيضًا في الأراضي التي تحتلها تدابير لقمع أصحاب الهويات غير الروسية. وخارج إطار النزاع المسلح، انتهجت فنزويلا على نطاق واسع أساليب الاختفاء القسري، والاحتجاز التعسفي، والتعذيب ضد المعارضين وغيرهم، وهي انتهاكات ارتقت هي الأخرى إلى الجرائم ضد الإنسانية.
ارتكبت أطراف النزاع في كثير من البلدان الأخرى أفعالًا تشكل جرائم حرب؛ فكانت القوات الحكومية، والميليشيات المتحالفة معها، وجماعات المعارضة المسلحة مسؤولة عن قتل الآلاف من المدنيين إجمالًا. ففي جمهورية الكونغو الديمقراطية، قتلت عدة جماعات مسلحة المئات من المدنيين بصورة غير مشروعة؛ وشنت إحداها أيضًا هجمات على مستشفيات، واختطفت بعض المرضى ومقدمي الرعاية الصحية. وفي ميانمار، استخدم الجيش طيران مظلي مزود بمحركات في إسقاط الأسلحة المتفجرة على القرى وغيرها من المواقع، مما أسفر عن مقتل عشرات من المدنيين، من بينهم أطفال؛ كما منع المساعدات عن المناطق الخاضعة لسيطرة المقاومة. وفي السودان، قتلت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها العشرات من المدنيين في هجمات انتقامية شنتها عليهم للاشتباه في تعاونهم مع قوات الدعم السريع، التي ارتكبت هي الأخرى أعمال قتل غير مشروع بحق المدنيين، بما في ذلك عمليات القتل الجماعية خلال هجماتها على شمال دارفور. واستمرت الأنباء حول ارتكاب القوات الحكومية والجماعات المسلحة هجمات وعمليات قتل غير مشروع في إطار نزاعات أخرى طويلة الأمد في إفريقيا، من بينها النزاعات في بوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان والصومال والكاميرون ومالي وموزمبيق والنيجر ونيجيريا. وفي سوريا، ارتكبت المليشيات التابعة للحكومة موجة من عمليات القتل الجماعية التي حصدت أرواح المئات من المدنيين، بما في ذلك عمليات القتل على أساس طائفي.
رصدت الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات الآلاف من حالات العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبطين بالنزاع في بلدان مثل جمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجنوب السودان، والسودان، والصومال. ففي السودان، استخدمت قوات الدعم السريع العنف الجنسي على نطاق واسع، وبصورة ممنهجة، لإذلال النساء ومعاقبتهن وتهجيرهن؛ كذلك ارتكبت القوات المسلحة السودانية العنف الجنسي، بما في ذلك الاغتصاب، ضد النساء والرجال.
يجب على الحكومات اتخاذ إجراءات جدية لوضع حد للإبادة الجماعية، والتعاون في إطار منظومة الأمم المتحدة وغيرها من المحافل للتصدي لجميع الجرائم المشمولة بالقانون الدولي ومنع وقوعها.
عمليات نقل وإنتاج الأسلحة غير المسؤولة
واصلت بعض الدول تنفيذ وتسهيل عمليات نقل الأسلحة غير المسؤولة، بما في ذلك توريدها إلى أطراف متورطة في ارتكاب جرائم مشمولة بالقانون الدولي، مما يعرضها لخطر التواطؤ في هذه الجرائم؛ فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية في صدارة الدول التي تقدم دعمًا عسكريًا هائلًا لإسرائيل. وزوَّدت الإمارات العربية المتحدة قوات الدعم السريع بالأسلحة، من بينها أسلحة صينية متطورة وناقلات جنود مُدرَّعة، استخدمتها هذه الجماعة في دارفور.
تصاعدت الضغوط على الدول وشركات الأسلحة، وكان لها بعض الأثر الملموس؛ فخلال السنوات السابقة لعام 2025، اتخذت عدة دول من بينها إسبانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، وكندا، والمملكة المتحدة، وهولندا، واليابان بعض التدابير للحد من توريد الأسلحة لإسرائيل، وإن كانت أفعالها في كثير من الأحيان قد اقتصرت على الامتناع عن إصدار تراخيص جديدة لتصدير الأسلحة، في الوقت الذي واصلت فيه توريد الأسلحة بموجب تراخيص قديمة. وشهد عام 2025 إحراز مزيد من التقدم؛ ففي بلجيكا، قضت إحدى المحاكم بأن يوقف إقليم فلاندر جميع عمليات إعادة شحن الأسلحة إلى إسرائيل، في أعقاب الحظر الذي فرضه إقليم والونيا على تصدير الأسلحة إلى إسرائيل. وفي ألمانيا، أعلنت الحكومة أنها لن تأذن بمزيد من صادرات الأسلحة إلى إسرائيل التي يمكن أن تُستخدم في قطاع غزة، ولكنها تراجعت لاحقًا عن تعليق صادرات الأسلحة إلى إسرائيل. وفي سلوفينيا، بالرغم من بعض الإشكالات المتعلقة بالتنفيذ، أعلنت الحكومة عزمها على حظر تجارة الأسلحة بجميع أنواعها مع إسرائيل، بما في ذلك العبور والواردات. وفي إسبانيا، صدر قانون يقنن الحظر الشامل على توريد الإسلحة إلى إسرائيل. والتزمت مجموعة لاهاي بوقف كافة أشكال تجارة الأسلحة مع إسرائيل، وهي تكتل من الدول التي تعهدت بـ “تنسيق التدابير القانونية والدبلوماسية” في ما بينها دفاعًا عن القانون الدولي، وتضامنًا مع الشعب الفلسطيني، وتضم بوليفيا، وجنوب إفريقيا، والسنغال، وكوبا، وكولومبيا، وماليزيا، وناميبيا، وهندوراس. وتنامى النشاط النضالي العالمي المناهض لتدفق الأسلحة إلى إسرائيل؛ فقد شهدت إيطاليا إضرابات في مختلف أنحاء البلاد، واتخذ عمال الموانئ في إسبانيا، وإيطاليا، والسويد، وفرنسا، والمغرب، واليونان، على سبيل المثال، إجراءات احتجاجية بهدف عرقلة مسارات شحن الأسلحة إلى إسرائيل.
غير أن بعض الدول تراجعت عن التزاماتها المتعلقة بالأسلحة المحظورة في عام 2025، أو أعربت عن عزمها على التراجع عنها؛ فقد انسحبت ليتوانيا من اتفاقية الذخائر العنقودية، وهي أول دولة تفعل ذلك منذ اعتماد الاتفاقية عام 2008. وأبلغت كل من إستونيا، وبولندا، وفنلندا، ولاتفيا، وليتوانيا الأمم المتحدة بنيتها الانسحاب من اتفاقية حظر استعمال وتكديس وإنتاج ونقل الألغام المضادة للأفراد وتدمير تلك الألغام (اتفاقية أوتاوا)، متعللة بتهديدات من روسيا. وقال مسؤولون في بولندا وفنلندا إن بلديهم يعتزمان استئناف الإنتاج المحلي للألغام المضادة للأفراد. وأبلغت أوكرانيا الأمم المتحدة بنيتها تعليق التعاون مع اتفاقية أوتاوا، وهو ما يتنافى مع أحكام الاتفاقية ذاتها؛ ومع ذلك، فقد أقرت معظم الدول ببواعث القلق الإنسانية والقانونية والأخلاقية المتعلقة بتوظيف الذكاء الاصطناعي وتقنيات التشغيل الذاتي في منظومات الأسلحة. وفي اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة، صوتت 156 دولة لصالح قرار يدعو إلى استكمال العمل المتعلق بالعناصر اللازمة لصياغة صك دولي بشأن أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل، تمهيدًا لمفاوضات مستقبلية.
يجب على الدول والشركات التوقف عن جميع عمليات نقل الأسلحة غير المسؤولة، بما في ذلك جميع عمليات نقلها إلى إسرائيل.1 ويجب على الدول الالتزام مجددًا باتفاقية الذخائر العنقودية واتفاقية أوتاوا، والتفاوض حول معاهدة لحظر أنواع محددة من أنظمة الأسلحة ذاتية التشغيل، وفرض ضوابط صارمة على استخدام الأنظمة التي يمكن استخدامها بصورة قانونية.
الإفلات من العقاب
هاجمت بعض الدول، من بينها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، آليات المساءلة الدولية أو قوضتها خلال عام 2025. وكان أشد هذه الإجراءات ضررًا ما فرضته الولايات المتحدة الأمريكية من عقوبات على مدعين عامين وقضاة في المحكمة الجنائية الدولية، فضلًا عن المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، والعديد من منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، بهدف إعاقة عمل المحكمة الجنائية الدولية، ومنح المواطنين الإسرائيليين والأمريكيين حصانة من المساءلة. وأصدرت محاكم وطنية روسية أوامر باعتقال بحق مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية؛ ولم تفعل الدول الأخرى شيئًا يذكر لحماية هؤلاء الأفراد والمنظمات، ولا المحكمة الجنائية الدولية ذاتها. ردًا على ذلك، آثر الاتحاد الأوروبي عدم تفعيل لائحته التشريعية المانعة، وهي أداة قانونية لمواجهة التطبيق خارج الحدود الإقليمية للقوانين الأجنبية التي تمس كيانات الاتحاد الأوروبي. وفي سبتمبر/أيلول، أعلنت بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر عن اعتزامها الانسحاب من نظام روما الأساسي، في حين ذهبت المجر لأبعد من هذا، إذ قدمت إخطارًا رسميًا بانسحابها عام 2026. وتقاعست عدة دول أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية عن تنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، من بينها إيطاليا، وطاجيكستان، والمجر.
ومع ذلك، واصلت الآليات الدولية عملها المهم من أجل تحقيق المساءلة؛ فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمرين باعتقال قائدَيْن في حركة طالبان بتهمة ارتكاب أعمال اضطهاد قائمة على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات وأفراد مجتمع الميم، منذ عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، إلى جانب رفع السرية عن أوامر اعتقال بحق مواطنين ليبيين متهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتم تسليم رئيس الفلبين السابق إلى المحكمة الجنائية الدولية تنفيذًا للأمر باعتقاله بتهمة ارتكاب الجريمة ضد الإنسانية المُتمثِّلة في القتل العمد، في إطار جرائم القتل التي ارتكبت أثناء “الحرب على المخدرات”. وفي ديسمبر/كانون الأول، أكدت الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية الدولية 39 تهمة وجهها مكتب المدعي العام للمحكمة إلى جوزيف كوني، القائد المؤسس لجيش الرب للمقاومة في أوغندا. وفي الشهر نفسه، سلَّمت ألمانيا إلى المحكمة الجنائية الدولية خالد محمد علي الهشري، وهو عضو رفيع في إحدى الميليشيات الليبية النافذة، وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت أمرًا باعتقاله بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في إطار انتهاكات وقعت في سجن معيتيقة سيء السمعة في العاصمة الليبية طرابلس. وأدانت المحكمة الجنائية الدولية أحد قادة ميليشيا الجنجويد بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بين عامي 2003 و2004 خلال هجمات وحشية في دارفور في السودان. وأدانت المحكمة الجنائية الخاصة، وهي محكمة مختلطة في جمهورية إفريقيا الوسطى، ستة من الأعضاء السابقين في إحدى الجماعات المسلحة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تتعلق بقتل عشرات من الأشخاص، وتشريد مئات آخرين، خلال هجوم شنته الجماعة عام 2020.
من جهة أخرى، أنشئت آليات جديدة؛ فقد أنشأ مجلس أوروبا المحكمة الخاصة لجريمة العدوان على أوكرانيا، بهدف إخضاع كبار المسؤولين الحكوميين والقادة العسكريين من روسيا وغيرها من الدول المسؤولة عن ارتكاب هذه الجريمة في أوكرانيا للتحقيق والمحاكمة. فعلى الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت أوامر اعتقال بحق ستة من المسؤولين الروس، من بينهم فلاديمير بوتين، بتهمة التورط في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لا يشمل اختصاصها القضائي جريمة العدوان على أوكرانيا. وأنشأ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة آلية مستقلة للتحقيق بشأن أفغانستان.
يجب على الحكومات دعم المحكمة الجنائية الدولية وحمايتها، بما في ذلك تفعيل أو سن لوائح تشريعية مانعة لحماية المسؤولين في المحكمة، وغيرهم من العاملين في مجالات مرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية، من التهديدات والعقوبات. ويتعين عليها أيضًا ضمان تنفيذ أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين حكوميين، بدون السماح لهم بالتذرع بالحصانة من الملاحقة القضائية عن جرائمهم.2
الممارسات العقابية والاستبدادية
قمع المعارضة
لجأ المسؤولون الحكوميون وغيرهم من أصحاب النفوذ حول العالم إلى طيف من الممارسات الاستبدادية من أجل إسكات المجتمع المدني والتهرب من المساءلة. واستخدمت دول كثيرة القوة غير المشروعة لقمع المظاهرات التي قامت احتجاجًا على المظالم السياسية والاجتماعية الاقتصادية خلال عام 2025. وفي تنزانيا، أسفرت حملة قمع ضد المتظاهرين في أعقاب الانتخابات عن مئات الوفيات. وفي نيبال، أسفر قمع المظاهرات التي قادها الشباب احتجاجًا على الفساد وحظر وسائل التواصل الاجتماعي، عن مصرع 76 شخصًا، بينهم متظاهرون وأفراد من الشرطة. وخلال الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر/كانون الأول في العاصمة الإيرانية طهران وامتدت سريعًا إلى جميع أنحاء البلاد، استخدمت قوات الأمن بشكل غير مشروع البنادق والبنادق الخرطوشية المحشوة بطلقات معدنية ضد المتظاهرين، مما أدى إلى وقوع قتلى وإصابات. ووُثِّق أيضًا سقوط وفيات في صفوف المتظاهرين من جراء الاستخدام غير المشروع للقوة في بلدان مثل الإكوادور، وإندونيسيا، وأنغولا، وباكستان، وبيرو، وتركيا، والكاميرون، وكينيا، ومدغشقر. وفي بعض البلدان، لجأت الشرطة إلى استخدام أنواع من الأسلحة لا تخضع لضوابط تنظيمية كافية، كالأجهزة الصوتية بعيدة المدى في صربيا، وإلى الاستخدام المتهور للغاز المسيل للدموع في كثير من البلدان.
وفي بعض البلدان، مثل أفغانستان، وأوغندا، وباكستان، وبوركينا فاسو، وبيلاروس، وروسيا، والصين، وفنزويلا، وكوبا، وكوريا الشمالية، ومالي، وميانمار، ونيكاراغوا، عمدت السلطات إلى استخدام الاختفاء القسري ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، والنشطاء، والصحفيين، وغيرهم كأداة لبث الخوف في النفوس. وهناك دول أخرى، من بينها إيران والسعودية، اتخذت من عقوبة الإعدام أداة لترهيب الناس وإيهامهم باستتباب الأمن وحزم الحكومة وقبضتها القوية.3
وأساءت بعض الحكومات استخدام قوانين مكافحة الإرهاب والأمن القومي خلال عام 2025 للنيل من المعارضين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، وغيرهم من النشطاء بسبب معارضتهم، بما في ذلك أعمال العصيان المدني السلمية. ففي مصر، أحالت السلطات آلاف الأشخاص للمحاكمة بتهم تتعلق بالإرهاب، واستُهدف كثيرون منهم لمجرد ممارستهم السلمية لحقوقهم الإنسانية. وفي الهند وإقليمي هونغ كونغ وماكاو الإداريَّيْن في الصين، استخدمت السلطات قوانين الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب على نطاق واسع لاحتجاز المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء. وفي فنزويلا، ظل ما لا يقل عن 806 أشخاص رهن الاحتجاز التعسفي، وأخضع الكثيرون منهم للاختفاء القسري في ظل تمادي الحكومة في انتهاج سياسة القمع ضد المعارضين الفعليين أو المفترضين. وفي تونس، أخضعت السلطات المعارضين السياسيين لمحاكمات جماعية ذات دوافع سياسية، وأنزلت بهم عقوبات السجن لمدد وصلت إلى 45 عامًا بموجب قانون مكافحة الإرهاب أو قانون مكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال. وفي المملكة المتحدة، حظرت السلطات حركة فلسطين أكشن (Palestine Action) – وهي حركة احتجاجية تعتمد أساليب التحرك المباشر وتعارض مشاركة المملكة المتحدة في العمليات العسكرية الإسرائيلية – بموجب قوانين مكافحة الإرهاب المبهمة؛ وألقت السلطات القبض على أكثر من 2,000 شخص في مختلف أنحاء المملكة المتحدة لمجرد معارضتهم السلمية للحظر. كما رفعت السلطات دعاوى قضائية على 16 ناشطًا من تحالف جاست ستوب أويل (Just Stop Oil)، وهو تحالف للنشطاء البيئيين، بسبب مشاركتهم في أعمال مختلفة من العصيان المدني الرامية إلى وقف التوسع في استخراج الوقود الأحفوري، مما أدى إلى صدور أحكام بالسجن عليهم تتراوح بين خمسة أشهر وخمس سنوات. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، استهدفت السلطات طلابًا أجانب ممن أعربوا عن تضامنهم مع الفلسطينيين بالاعتقال والترحيل، واعتقلت المحتجين على الحملة الصارمة لوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك ضد المهاجرين الذين لا يحملون وثائق رسمية.
يجب على الحكومات أن تكف عن قمعوتجريم المعارضة، بما في ذلك أنشطة العصيان المدني السلمية؛ ويجب عليها أن تضمن تحقيق المساءلة عن جميع الانتهاكات التي ارتُكبت في سياق المظاهرات والاحتجاجات، وأن تضمن إتاحة سبل الانتصاف الفعالة للضحايا.
ممارسات إنفاذ القانون المسيئة
ارتكبت دول كثيرة انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان في سياق إنفاذ القانون خلال عام 2025؛ بل ولجأ بعضها إلى أعمال القتل المدعومة من الدولة. ففي سبتمبر/أيلول، بدأ الجيش الأمريكي في قصف القوارب، وارتكاب عمليات إعدام خارج نطاق القضاء بشكل علني في أمريكا اللاتينية، والبحر الكاريبي، والمحيط الهادئ استنادًا إلى ادعاءات بأن المستهدفين “إرهابيون من تجار المخدرات” ضبطوا أثناء تهريب المخدرات. وفي أكتوبر/تشرين الأول، قامت الشرطة المدنية والعسكرية في العاصمة البرازيلية ريو دي جانيرو بعملية لمكافحة المخدرات في الأحياء الفقيرة (الفافيلا)، أدت إلى مصرع أكثر من 120 شخصًا، معظمهم من السود وممن يعيشون في فقر، وتواترت أنباء متعددة تفيد بوقوع عمليات إعدام خارج نطاق القضاء. وكثيرًا ما ضربت السلطات عرض الحائط بالضمانات والقيود الدولية المتعلقة باستخدام عقوبة الإعدام باسم الحفاظ على الأمن، وسط تصاعد تطبيق عقوبة الإعدام على مرتكبي جرائم تتعلق بالمخدرات.
وحول العالم، لجأت وكالات إنفاذ القانون أيضًا إلى انتهاج أساليب بلغت حد التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. فقد استخدم بعضها معدات الصعق بالصدمات الكهربائية بالالتماس المباشر، مثل مسدسات وهراوات الصعق الكهربائي، في الشوارع، وعلى الحدود، وفي مراكز احتجاز المهاجرين واللاجئين، ومؤسسات الصحة النفسية، ومراكز الشرطة، والسجون، وغيرها من أماكن الاحتجاز. وقد استُخدمت هذه الأجهزة المسيئة بطبيعتها، التي تطلق صدمات كهربائية مؤلمة بمجرد الضغط على زر، ضد المتظاهرين، والطلاب، والمعارضين السياسيين، والنساء، والفتيات (بما فيهن المساء الحوامل)، والأطفال، والمدافعين عن حقوق الإنسان، وغيرهم. ومن صعقوا بهذه الصدمات الكهربائية أصيبوا بالحروق، والخدر، والإجهاض، والاضطرابات البولية، والأرق، والإعياء، والصدمات النفسية الجسيمة. واستمرت الدول والشركات في تصنيع مثل هذه المعدات والترويج لها وبيعها. كما أسيء استخدام أسلحة الصعق الكهربائي بالمقذوفات على نطاق واسع، وهي أسلحة قد يكون لها دور مشروع في إنفاذ القانون، ولكن كثيرًا ما استخدمت في أعمال التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، مما يؤكد الحاجة إلى فرض ضوابط تجارية صارمة تستند إلى حقوق الإنسان على المعدات النموذجية لإنفاذ القانون.4
على الرغم من ذلك، شهد عام 2025 ما ينعش الآمال، إذ تنامت الضغوط من أجل إرساء معاهدة أممية بشأن تجارة خالية من التعذيب. ففي إطار دعوة لتعزيز المسؤولية والمساءلة في عمليات حفظ الأمن أثناء المظاهرات أعربت الآليات الأممية الأربعة لمناهضة التعذيب، في يونيو/حزيران، عن تأييدها للمقترحات الداعية لإنشاء هذه المعاهدة. كذلك، اعتمدت لجنة الوزراء التابعة لمجلس أوروبا قرارًا يحث الدول الـ 46 الأعضاء في المجلس على تأييد إنشاء صك دولي ملزم قانونًا بشأن التجارة الخالية من التعذيب. وفي يوليو/تموز، وسَّع الاتحاد الأوروبي نطاق السلع المشمولة بلائحته التنظيمية الرائدة لمناهضة للتعذيب، مما عزز تدابيره السارية على المنطقة بأسرها، التي تقضي بمنع نقل معدات إنفاذ القانون إلى أي جهة قد تستخدمها في التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة حول العالم.5
يجب على الحكومات وقف أعمال القتل المدعومة من الدولة، بما فيها تلك التي تنفذ باسم الأمن؛ ويتعين عليها مضاعفة جهودها لحظر معدات إنفاذ القانون المؤذية بطبيعتها، وفرض ضوابط تجارية تستند إلى حقوق الإنسان على المعدات النموذجية لإنفاذ القانون من خلال دعم المفاوضات الرامية لإرساء معاهدة أممية بشأن تجارة خالية من التعذيب.
التمييز
انتهاكات حقوق اللاجئين والمهاجرين
انتهجت الحكومات حول العالم ممارسات استبدادية في سياق اللجوء والهجرة؛ وأجازت بعضها تدابير غير مشروعة أو تحايلت على الإجراءات التشريعية من أجل فرض سياسات ضارة في ما يتعلق بالهجرة. ففي عام 2025، اعتمدت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية، من بينها إيطاليا، وبولندا، وفنلندا، وقبرص، والمجر، واليونان، إلى جانب بلدان أخرى، أو نفذت تدابير متشددة لتنفيذ عمليات الترحيل وغيرها من أشكال الإعادة، ومنعت الوصول غير النظامي للاجئين والمهاجرين، في انتهاك لالتزاماتها تجاه حقوق الإنسان. فقد أعادت إيران وباكستان قسرًا، أو رحلتا، أكثر من 1.8 مليون و990,000 مواطن أفغاني، على الترتيب، بالرغم من الانتهاكات المستمرة التي ترتكبها حركة طالبان. وخلال الفترة بين ديسمبر/كانون الأول 2024 وفبراير/شباط 2025، أعادت السلطات الإثيوبية قسرًا إلى إريتريا أكثر من 600 مواطن إريتري ممن سعوا لطلب اللجوء في إثيوبيا، واعتبرت الحكومة الإريترية طلبهم للجوء بمثابة دليل على الخيانة العظمى.
وكثيرًا ما تصوِّر الحكومات سياساتها بشأن الهجرة وأنظمة اللجوء لديها على أنها أدوات محايدة لتأكيد سيادة الدولة، أو تحقيق الأمن القومي والمصلحة الاقتصادية، أو تجنب العبء المفرط على مواردها العامة. ولكن إرث الاستعمار والاسترقاق لا يزال يلقي بظلاله على الأنظمة، والقوانين، والسياسات، والممارسات التي تنطوي على التمييز، المباشر أو غير المباشر، ضد الفئات المصنفة عرقيًا حول العالم. وفي عام 2025، نددت منظمة العفو الدولية بالممارسات الممنهجة للعنصرية الهيكلية في ما يتعلق بسياسات اللجوء والهجرة التي تنتهجها عدة بلدان، من بينها تونس، والجمهورية الدومينيكية، والسعودية، وفرنسا، وكندا، وليبيا، والولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب البلدان الأوروبية في منطقة شنغن بوجه عام.6 وفي بعض الحالات، استخدمت الحكومات التكنولوجيا الرقمية لتعزيز النظم الحدودية التي تمارس التمييز على أساس العرق، أو الإثنية، أو الأصل القومي.7 وكان التمييز القائم على النوع الاجتماعي أحيانًا سببًا في تفاقم بواعث القلق؛ ففي الجمهورية الدومينيكية، رحّلت السلطات النساء الهايتيات الحوامل والمرضعات رأسًا من المستشفيات.
لقد تقاعست الحكومات حول العالم عمومًا عن حماية النازحين عبر الحدود الدولية في سياق تغير المناخ. فلم تصدر أي منها تقريبًا التأشيرات المخصصة لسكان المناطق المتضررة بوجه خاص من تغير المناخ، وهي تأشيرات تسمح لهم بالهجرة الآمنة. بل أجبرتهم على التعامل مع الإجراءات والمسارات القائمة التي كثيرًا ما تتسم بالتمييز والتقييد. وكان من بين الناس الأشد تضررًا الفئات المصنفة عرقيًا، والمجتمعات الفقيرة، والنساء، والفئات الأخرى المهمشة. وكثيرًا ما يُستبعد كبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة، والمرضى، بسبب عجزهم عن استيفاء شروط التأشيرة، مثلما تجلى في حالة الأشخاص الذين رحلوا عن جزر توفالو وكيريباتي في المحيط الهادئ إلى أوتياروا نيوزيلندا.
يجب على الحكومات إلغاء أو إصلاح أنظمة التأشيرات المقيِّدة وتصاريح الإقامة الهشّة التي تتسم بالتمييز والاستغلال، ومنع استخدام التكنولوجيا الرقمية في تعزيز الممارسات التمييزية في إجراءات ضبط الحدود، وإرساء أطر قانونية لحماية النازحين في سياق تغير المناخ.8
التمييز العرقي
استخدمت الحكومات في مختلف مناطق العالم خطابًا عنصريًا وتمييزيًا أثناء انخراطها في ممارسات استبدادية في سياق اللجوء والهجرة، إلى جانب قمع المعارضة وإنفاذ القانون. وأفادت بلدان كثيرة أيضًا بارتفاع معدلات جرائم الكراهية. وسعيًا لمعالجة الأسباب الجذرية للتمييز العرقي، واصلت المجتمعات المتضررة حول العالم حملاتها المطالبة بتعويضات عن المظالم التاريخية الموروثة من حقب الاستعمار والاسترقاق، وآثارها المعاصرة؛ فقد شهد عام 2025، الذي خصصه الاتحاد الأفريقي عامًا للتعويضات، انعقاد مهرجان واكاتي ويتو الرائد بمشاركة المئات من الأشخاص – من الفنانين، والموسيقيين، وصانعي السياسيات، وفاعلي الخير، والنشطاء، والمربين الثقافيين – لإمعان النظر في الإرث الدائم لتجارة الرقيق والاستعمار، وترسيخ خطاب العدالة التعويضية. كذلك شهد عام 2025 حلول الذكرى المئوية الثانية لفرض فرنسا “دين الاستقلال” على هايتي عما فقدته من الأرباح الاستعمارية التي كانت تجنيها من العمالة المستعبدة؛ وحث النشطاء والمنظمات في هايتي، وفي الشتات، فرنسا على تقديم تعويضات، ومواجهة ماضيها الاستعماري في البلاد بغير ذلك من السبل.
وفي عام 2025، واصلت حكومات الإكوادور، وبوليفيا، وكندا، إلى جانب بلدان أخرى، التوسع في المشاريع الاستخراجية في أراضي الشعوب الأصلية بدون التشاور معهم من خلال إجراءات تتوافق مع المعايير الدولية المتعلقة بالموافقة الحرة والمُسبقة والمُستنيرة. وقد لجأت الشعوب الأصلية – التي كثيرًا ما تعتمد في ثقافاتها وسبل عيشها على النظم البيئية السائدة – إلى القنوات القانونية والسياسية في نضالها للمطالبة بتعويضات عما لحق بها من أضرار من جراء نزع ملكية أراضيها، فضلًا عن الأضرار الناجمة عن الاستعمار والإبادة. وفي قضية بارزة عام 2025، نجح شعب أفا غوراني باراناينسي الأصلي – بعد نضال دام أكثر من 40 عامًا – في الحصول على بعض الإنصاف والتعويض عما كابده من الأضرار بسبب نزع ملكية أراضيه وإغراقها. وأمر القضاء الشركة التي أنشأتها حكومتا البرازيل وباراغواي لبناء وتشغيل السد الكهرومائي الذي تسبب في هذه الأضرار بتمويل شراء 3,000 هكتار من الأراضي للمجتمعات المتضررة.
يجب على حكومات الدول التي تورطت في مظالم تاريخية أو تربحت منها، كالاستعمار وتجارة الرقيق والعبودية، تنفيذ تدابير مناسبة لتحقيق العدالة التعويضية؛ ويجب ألا تقتصر تلك التدابير على إنصاف المتضررين من المظالم، بل أن تعمل كذلك على تفكيك البنى والأنظمة المعاصرة للتمييز العرقي واللامساواة.
التمييز والعنف القائمان على النوع الاجتماعي
عانت النساء والفتيات حول العالم من العنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلًا عن العوائق التي تحول دون حصولهن على الحماية، والعدالة، وسبل الانتصاف، وهي عوائق زاد من وطأتها أحيانًا التمييز القائم على أسس أخرى، من بينها وضع الهجرة، أو الطائفة، أو العمل، أو الطبقة، أو الدين. ففي أفغانستان، أدت المراسيم التي أصدرتها حركة طالبان إلى منع النساء من التعليم والعمل وحرية التنقل، وأجَّجت العنف القائم على النوع الاجتماعي وزواج الأطفال. وفي نيبال، لم يجرِ أي تحقيق بشأن ما تعرضت له نساء طائفة الداليت من العنف القائم على النوع الاجتماعي. وفي سوريا، تجاهلت السلطات بلاغات العائلات العلوية عن اختطاف نساء وفتيات على أيدي مسلحين مجهولي الهوية. وفي الأمريكيتين، ظلت النساء والفتيات يواجهن مستويات من العنف مثيرة للقلق البالغ، من بينها جرائم قتل النساء؛ ففي الأرجنتين، بالرغم من أن جرائم قتل النساء المرصودة تقع بمعدل واحدة كل 35 ساعة تقريبًا، فقد ألغت الحكومة 13 من البرامج الرئيسية لمنع العنف القائم على النوع الاجتماعي والتصدي له. وفي جورجيا، ترافق الخطاب الذي ينضح بالتحيز الجنسي وكراهية المرأة الصادر عن كبار المسؤولين مع ممارسات مسيئة قائمة على النوع الاجتماعي ضد المتظاهرات، بما في ذلك تهديدهن بالاعتداء الجنسي، وإخضاعهن للتفتيش المهين بتعريتهن من ثيابهن بالكامل. وكان من بين التطورات الإيجابية صدور قوانين جديدة في بوركينا فاسو وبوليفيا تحظر زواج الأطفال من الفتيات والفتيان على السواء.
وشهد عام 2025، شأنه شأن الأعوام السابقة، بعض التقدم في عدة بلدان على صعيد توسيع نطاق حقوق الإجهاض. ففي جزر فارو والدنمارك والمملكة المتحدة والنرويج، أصدرت البرلمانات تشريعات لتحسين سبل الحصول على الإجهاض؛ أما لوكسمبورغ فقد كرست الحق في الإجهاض في دستورها باعتباره من الحريات المكفولة. وفي ملاوي، أكدت المحكمة العليا حق الفتيات اللواتي تعرضن للعنف الجنسي في الحصول على الإجهاض. ولكن في الجمهورية الدومينيكية، صدر قانون جديد ينص على فرض حظر كامل على عمليات الإجهاض. وفي كثير من البلدان الأخرى، ظلت العوائق التي تحول دون الحصول على خدمات الإجهاض والرعاية التالية لها قائمة.
وتصاعد في شتى أنحاء العالم الهجوم الشرس على مجموعة من حقوق أفراد مجتمع الميم، وخصوصًا العابرين جنسيًا، وكثيرًا ما ساهم في تأجيجه طيف متنوع من الأطراف المناهضة للنوع الاجتماعي. ففي بوركينا فاسو، صدر قانون جديد يجرِّم العلاقات الجنسية المثلية بالتراضي. وفي كل من سلوفاكيا والمجر، أقر البرلمان الوطني تعديلات دستورية من شأنها أن تؤدي إلى الاعتراف بنوعين اجتماعيين فقط (الذكر والأنثى)، وأن ترسِّخ التمييز ضد الشركاء المثليين. وفي باراغواي، وبورتو ريكو، وبيرو، وكندا، والولايات المتحدة الأمريكية، طُبقت قوانين أو سياسات قيّدت حقوق العابرين جنسيًا. وفي الصين، امتثل عدد من المنصات والمواقع وبوابات المناقشة الإلكترونية لتوجيهات الرقابة الحكومية، مما أدى إلى إسكات المناقشات الفردية والجماعية حول حقوق أفراد مجتمع الميم، إلى جانب حقوق النساء. وفي كثير من دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ألقي القبض على أفراد وقُدِّموا للمحاكمة بسبب ميولهم الجنسية أو هوية النوع الاجتماعي الخاصة بهم، وصدرت بحقهم أحكام قاسية بسبب إقامة علاقات جنسية مثلية بالتراضي. من جهة أخرى، عززت أحكام القضاء الصادرة في المكسيك واليابان الاعتراف القانوني بالأشخاص العابرين جنسيًا.
يجب على الحكومات القضاء على التمييز القائم على النوع الاجتماعي والجنسانية، وتنفيذ الإصلاحات اللازمة في القوانين والسياسات بما يكفل منح حقوق متساوية وكاملة لجميع النساء والفتيات، وأفراد مجتمع الميم، بما في ذلك حقوقهن الجنسية والإنجابية. كما يتعين عليها تيسير السبل أمام جميع ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، والناجين منه، للحصول على الحماية، والعدالة، والإنصاف في الوقت المناسب وعلى نحو فعال.
انعدام العدالة الاقتصادية والمناخية
التقاعس عن التصدي لأزمة المناخ
شهدت بلدان على مختلف مستويات الدخل تسارع وتيرة انعدام الأمن الغذائي، والتهجير القسري، وتدمير المنازل وسبل العيش من جراء الكوارث التي صارت أرجح حدوثًا وأشد وطأة بسبب تغير المناخ، مثل موجات الجفاف، والفيضانات، والأعاصير، وموجات الحر، وحرائق الغابات. وكالعادة، كانت البلدان التي تتحمل الوزر الأصغر في تغير المناخ هذا هي التي تنوء بالعبء الأكبر من تداعياته.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ذكر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن العالم يسير في طريق الوصول إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بما يقارب 3 درجات مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية بحلول نهاية القرن، بفرض أن بلدان العالم تلتزم بما وضعته من سياسات، وهو أمر يبدو كل يوم أبعد منالًا من ذي قبل. فعلى مدى السنوات الأخيرة، لم تكد الحكومات تفعل أي شيء يذكر من أجل التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري أو التصدي لسائر المحفزات الرئيسية لتغير المناخ؛ بل إن عدة حكومات، مثل البرازيل وكندا، ذهبت لأبعد من هذا في عام 2025، إذ اتخذت خطوات جوهرية لتعزيز إنتاجها وصادراتها من الوقود الأحفوري، معتمدة في كثير من الأحيان على إعانات مدعومة بأموال دافعي الضرائب. وأكرهت الولايات المتحدة الأمريكية دول الاتحاد الأوروبي على التعهد باستيراد الوقود الأحفوري واستخدامه. ولم يقدم سوى نحو ثلث الأطراف في اتفاق باريس للمناخ خطط العمل المناخي الواجب تقديمها (المساهمات المحددة وطنيًا)، بحلول الموعد النهائي لعام 2025.
وبالإضافة إلى التسبب في المزيد من تغير المناخ، يشكل الوقود الأحفوري مخاطر جسيمة على صحة ما لا يقل عن مليارَيْن من البشر يعيشون على مسافة لا تتجاوز 5 كيلومترات من أكثر من 18,000 من مواقع البنية التحتية للوقود الأحفوري الموزعة على 170 بلدًا حول العالم. ويُقدّر أن أكثر من 520 مليونًا من هؤلاء أطفال، وأن ما لا يقل عن 463 مليونًا يعيشون على بُعد كيلومتر واحد أو أقل من هذه المواقع، مما يعرّضهم لمخاطر بيئية وصحية أعلى بكثير.9
وقد تقاعس قادة العالم المشاركون في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ المنعقد في البرازيل في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 (كوب 30)، في التأسيس على ما تعهدوا به من “التحول بعيدًا عن” الوقود الأحفوري كما اتُفق عليه في مؤتمر كوب 28، أو حتى التأكيد عليه مجددًا. وتقاعسوا أيضًا عن تقديم التمويل الموسع على هيئة منح الذي تحتاج إليه البلدان منخفضة الدخل للتكيف مع تغير المناخ.10 ويشكل تقديم التمويل المناخي التزامًا يقع على عاتق البلدان مرتفعة الدخل لمساعدة البلدان منخفضة الدخل في التكيف مع الآثار المدمرة، الراهنة والمستقبلية، لتغير المناخ الذي لا تتحمل هذه البلدان المسؤولية عنه. وتقدر الاحتياجات بما لا يقل عن 300 مليار دولار سنويًا، وبإمكان الحكومات تمويل هذا المبلغ من خلال فرض ضرائب عادلة، وإعادة توجيه الإعانات الكبيرة المخصصة للوقود الأحفوري.11
في هذا السياق، تجلّت أهمية في إصدار فتاوى استشارية عن محكمتين دوليتين – هما محكمة العدل الدولية ومحكمة الدول الأمريكية لحقوق الإنسان – تؤكد على التزامات الدول بحماية البشر والمنظومات البيئية التي يعتمدون عليها من أضرار تغير المناخ، بما في ذلك التزامها بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. إلى جانب ذلك، أعلنت حكومتا كولومبيا وهولندا، خلال مؤتمر كوب 30، أنهما سوف تشتركان في استضافة المؤتمر الدولي الأول بشأن التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري في أبريل/نيسان 2026.
يجب على الحكومات الالتزام بالتخلص التدريجي السريع والعادل والمموَّل من الوقود الأحفوري، وتحقيق تحول عادل بعيدًا عن هذا الوقود، بما في ذلك المصادقة على معاهدة عدم انتشار الوقود الأحفوري، والمشاركة في الجهد متعدد الأطراف الذي تقوده حكومتا كولومبيا وهولندا.
انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
تزامنت الأزمات الاقتصادية والنزاعات العالمية طويلة الأمد مع هذه الأضرار المناخية المتسارعة، وساهمت في تفاقمها كل من منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية الجائرة التي يدور محورها حول صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي لم تعد صالحة للغرض الذي أنشئت من أجله، وما اتخذته الدول مرتفعة الدخل من قرارات كان بالإمكان تجنبها بسحب التمويل اللازم لإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، من خلال التقليص الهائل للمساعدات.
وظل التضخم يزيد من تكاليف سداد فوائد الديون حتى وقع الكثير من البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل في ديون لا تقوى على تحملها بشكل دائم، وباتت عاجزة عن الاستثمار في إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بما فيها الحق في الصحة، والتعليم، والضمان الاجتماعي. وكان من شأن النُظم الضريبية غير العادلة والتقاعس عن كبح جماح التهرب الضريبي وتجنب سداد الضرائب من جانب الشركات والأفراد الأثرياء، أن تزيد من حرمان الحكومات من العوائد التي باتت في أمسّ الحاجة إليها لإعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وأدى التقليص الفوضوي والمفاجئ للمساعدات الإنمائية الدولية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية إلى تعطيل أو إغلاق البرامج الصحية، وعدم تيسر الأدوية المنقذة للأرواح بصفة مستمرة في كثير من البلدان منخفضة الدخل، مما ألحق أضرارًا بالغة بالفئات المهمشة بوجه خاص.12 وهذا التقليص، الذي يأتي في إطار توجه عام نحو تقليص المساعدات من جانب البلدان مرتفعة الدخل، بما فيها البلدان الأوروبية، زاد من اتساع الهوة القائمة أصلًا، التي تبلغ نحو 25 مليار دولار، بين الأموال اللازمة لتلبية النداءات الصادرة عن الأمم المتحدة وما تتلقاه من أموال. ووفقًا لتحليل أصدرته لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) في مايو/أيار 2025، تضرر من هذا النقص بوجه خاص أشد الناس احتياجًا للمساعدات الإنسانية – الذين يقدَّر عددهم بنحو 300 مليون، ويعيش الكثيرون منهم في مناطق النزاع؛ وقد عانى من الجوع الشديد قرابة نصف سكان كل من جنوب السودان، والسودان، وهايتي، واليمن، في حين عانى كثيرون آخرون من سوء التغذية.
ويأتي كل هذا في ظل غياب تقدم كافٍ نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ولم يبقَ على الموعد المحدد لبلوغ أهداف عام 2030 سوى أقل من خمس سنوات. ووفقًا لتقرير أصدره الأمين العام للأمم المتحدة في يوليو/تموز 2025، فإن ما يزيد قليلًا عن ثلث (35%) الأهداف يسير في مساره الصحيح للتحقق أو يحرز تقدمًا معتدلًا، في حين أن قرابة نصفها (48%) يراوح مكانه؛ ولا يحقق سوى 31% مكاسب هامشية، ولا يحرز 17% منها أي تقدم ملحوظ على الإطلاق؛ بل إن الأمر الأدعى للقلق هو أن 18% من الأهداف قد تراجعت إلى ما دون مستويات خط الأساس لعام 2015.
من شأن المفاوضات الجارية في الأمم المتحدة بشأن اتفاقية ضريبية ملزمة أن تتيح الفرصة أمام الدول لإصلاح جوانب الإجحاف في المنظومة الضريبية العالمية، من خلال الاتفاق على المبادئ التي تمنع التجاوزات الضريبية، وتفرض الضرائب على المسؤولين عن الثلوث البيئي، وتوفر إيرادات كافية لتمويل جميع حقوق الإنسان. وقد أحرز تقدم كبير في عام 2025 في التوصل لاتفاق على الإطار المرجعي الذي يشمل ضرورة انسجام المعاهدة النهائية مع الالتزامات القائمة للدول حيال حقوق الإنسان؛ وهناك ضرورة ملحة لعملية وآلية مماثلة بشأن الديون.
يجب على الحكومات تخصيص ما لا يقل عن 0.7% من دخلها القومي الإجمالي للمساعدات الدولية بدون تمييز، إذا كان بمقدورها ذلك؛ ومعالجة أزمة الديون من خلال تخفيف أعباء الديون في الوقت المناسب عن كاهل جميع البلدان التي ترزح تحت وطأة مديونية حرجة أو المعرضة لخطر المديونية الحرجة؛ ودعم اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التعاون الضريبي الدولي.
انتهاكات الشركات
تواصل الجهات الفاعلة في قطاع الشركات تأجيج الأزمات العالمية والتربح منها. وتشمل هذه الأزمات النزاعات في السودان، وقطاع غزة، وميانمار، والأزمة المناخية العالمية، وتدمير الموائل الحيوية، إلى جانب حوادث لا حصر لها تنتهك فيها الشركات حقوق العمال والأشخاص المتضررين من عملياتها. وتتقاعس السلطات عن حماية ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الشركات. وتذهب الولايات المتحدة الأمريكية لأبعد من هذا، إذ تتراجع عن اللوائح والقواعد التنظيمية وتجرِّد الوكالات الرئيسية من مضمونها وفعاليتها.
لقد دفعت الولايات المتحدة الامريكية نحو توسيع صناعة الوقود الأحفوري، بينما أدى العداء للتعددية، والخطاب العدواني لكبار قادة العالم، والتنافس الاقتصادي المحتدم مع الصين، إلى تأجيج سباق محموم تحركه دوافع أمنية للحصول على المعادن، التي تكتسي أهمية في مساعي التحول إلى الطاقة المتجددة وفي الاستخدامات العسكرية المختلفة. ويوسع هذا السباق نطاق الاستخراج المكثف للموارد الطبيعية، حيث تتجاهل الشركات حقوق الإنسان من أجل تعظيم أرباحها. وكانت التكاليف الناجمة عن ذلك باهظة هي الأخرى، ومن بينها الإخلاء القسري، وانتهاكات حقوق العمال، وتلوث المياه والهواء والتربة الذي يلحق أضرارًا بالصحة والزراعة.
أُنعشت الآمال بإصدار الاتحاد الأوروبي التوجيه الخاص بالعناية الواجبة بشأن استدامة الشركات، وهو لائحة تنظيمية بارزة تلزم الشركات الكبرى باحترام قواعد جديدة تتعلق بحقوق الإنسان، والآثار البيئية، والمناخ؛ وبات لزامًا على الشركات في عدة بلدان أخرى حول العالم الامتثال لتلك القواعد أيضًا كي يتسنى لها التعامل التجاري مع الاتحاد الأوروبي. وحظي هذا التوجيه بتأييد شعبي واسع؛ فقد أظهر استطلاع للرأي أجرته منظمة العفو الدولية ومنظمة غلوبال ويتنس (Global Witness) في عام 2025 أن نحو ثلاثة أرباع المشاركين في الاستطلاع، الذين تجاوز عددهم 10,000 مشارك، في 10 بلدان أوروبية، يؤيدون هذا التوجيه.13 وكان هذا التوجيه مبعث إلهام لدول أخرى أيضًا، من بينها إندونيسيا، وتايلند، وكوريا الجنوبية، إذ حدا بها إلى النظر في اعتماد قواعد مماثلة. ولكن في أعقاب ضغوط من الشركات متعددة الجنسيات ودول أخرى، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، صوَّت البرلمان الأوروبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 لصالح فرض قيود شديدة تقلص نطاق التوجيه.14
فضلًا عن ذلك، كان لتزايد الدعاوى القضائية الاستراتيجية ضد المشاركة العامة أثرٌ رادعٌ على جهود المجتمع المدني الرامية إلى مكافحة التدهور البيئي وغيره من المخالفات التي ترتكبها الشركات النافذة. وانتهت إحدى هذه الدعاوى بصدور أمر قضائي من محكمة أمريكية يلزم منظمة غرينبيس (Greenpeace) بدفع 660 مليون دولار لشركة الوقود الأحفوري إنرجي ترانسفير (Energy Transfer)، مما يشكل خطرًا يهدد وجود هذه المنظمة غير الحكومية الدولية. فقد أيدت المحكمة ادعاءات الشركة ضد غرينبيس الناجمة عن معارضة هذه الأخيرة لخط أنابيب داكوتا أكسيس الذي ينقل النفط الخام من ولاية نورث داكوتا إلى إيلينوي، وأدانت غرينبيس بالتشهير، والتعدي على الممتلكات، والإزعاج، إلى جانب تهم أخرى. وحاولت الشركة أيضًا منع غرينبيس من رفع دعوى قضائية في هولندا، حيث توفر الأطر القانونية المحلية والأوروبية حماية قوية لمنظمات المجتمع المدني من استخدام الشركات للدعاوى القضائية الاستراتيجية ضد المشاركة العامة.15
يجب على الحكومات سن قواعد جديدة صارمة لمنع الشركات من انتهاك حقوق الإنسان، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وكذلك ضمان إتاحة سبل انتصاف فعالة للضحايا.
التكنولوجيا والأضرار اللاحقة بحقوق الإنسان
المراقبة غير المشروعة والقمع الرقمي
سخَّرت الحكومات التكنولوجيا لتمكين الممارسات الاستبدادية وتعزيزها. وأظهرت تحقيقات جديدة أجريت عام 2025 مدى توظيف أدوات المراقبة والرقابة. وكشفت منظمة العفو الدولية عن بيع نسخة تجارية من نظام جدار الحماية العظيم (Great Firewall) – وهو نظام للتصفية والرقابة على الإنترنت تستخدمه الحكومة الصينية للتحكم في المعلومات التي يمكن للناس في الصين الاطلاع عليها عبر الإنترنت – إلى الحكومة الباكستانية، وتوظيف الحكومة الأمريكية لأدوات المراقبة ضد المتظاهرين من الطلاب والمهاجرين. وعمدت السلطات في بعض البلدان، من بينها أفغانستان، وباكستان، وتنزانيا، وجنوب السودان، إلى فرض قيود على إمكانية الوصول إلى الإنترنت بهدف تقييد الحق في حرية التعبير، غالبًا في سياق المظاهرات. وفي كينيا، وظَّفت السلطات على نحو ممنهج أساليب القمع التي تسهلها التكنولوجيا، بما في ذلك التخويف على الإنترنت، والتهديد، والتحريض على الكراهية، والمراقبة غير المشروعة، في إطار حملة منسقة ومستمرة لقمع المظاهرات التي يقودها الشباب.
لقد ساهمت الجهات الفاعلة في قطاع الشركات في تسهيل هذه الممارسات؛ إذ تواصل ظهور أدلة على وقوع هجمات استخدمت فيها برمجيات تجسس شديدة الانتهاك للخصوصية من إنتاج شركات مثل إنتلكسا (Intellexa)، وإن إس أو (NSO)، باراغون (Paragon)، مما يظهر بجلاء استمرار الخطر الذي تشكله هذه السوق غير المنظمة لبرمجيات التجسس المتطورة.
يجب على الحكومات فرض حظر فوري على استخدام أو نقل برمجيات التجسس شديدة الانتهاك للخصوصية، ووقف استخدام أو نقل جميع برمجيات التجسس ريثما يتم إرساء نظام من الضمانات قادر على الحماية من انتهاكات حقوق الإنسان في الممارسة الفعلية.
الذكاء الاصطناعي والأضرار اللاحقة بحقوق الإنسان
استمر الانتشار الهائل لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بوتيرة لا تحدها قيود، حتى صارت في متناول عامة الناس بسهولة ويسر؛ فشهد عام 2025 إصدار العديد من النماذج الجديدة من شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل غوغل، وميتا، ومايكروسوفت، وكبرى شركات الذكاء الاصطناعي مثل أنثروبيك (Anthropic) وأوبن إيه أي (OpenAI). وأدى إنشاء وتشغيل البنية التحتية المادية الهائلة اللازمة لتحقيق أهداف هذا القطاع والمستثمرين في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك بناء مراكز للبيانات، إلى تصاعد استغلال الموارد الطبيعية، كالمعادن الضرورية لتصنيع الأجهزة، ومياه التبريد، وموارد الطاقة. وكان لذلك آثاره على حقوق الإنسان، ومن بينها التدهور البيئي في محيط مراكز البيانات وتقويض حقوق العمال. وتصديًا لذلك، تصاعد النشاط الحقوقي لمكافحة استشراء بناء مراكز البيانات في بلدان مثل إيرلندا، والبرازيل، والمكسيك، والولايات المتحدة الأمريكية. كذلك، تزايد تنظيم العاملين لصفوفهم في قطاع التكنولوجيا – من المقار الرئيسية للشركات في سيليكون فالي بالولايات المتحدة الأمريكية إلى مراكز العمل الرئيسية الموكل إليها تطوير المحتوى وتصنيف البيانات في إفريقيا وغيرها – للمطالبة بظروف عمل أكثر أمانًا.
لا يزال مجال الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى التنظيم الكافي؛ فأدوات الحوكمة الجديدة الصادرة عام 2025، مثل المبادئ التوجيهية لحوكمة الذكاء الاصطناعي التي أصدرتها الهند، كانت غير ملزمة أو فضفاضة للغاية. وسعى الاتحاد الأوروبي لتبسيط لوائحه التنظيمية المتعلقة بمساءلة الشركات وبالتكنولوجيا؛ وطُرحت هذه اللوائح في إطار توجه أعم نحو الحد من “التعقيدات البيروقراطية” وتعزيز “المنافسة”. ولكن هذه الخطوات تهدف إلى إضعاف الضمانات التشريعية القائمة، مثل قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي، وهو قانون يرمي إلى جعل أنظمة الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الاتحاد الأوروبي آمنة، وشفافة، وغير تمييزية، وتحترم الحقوق الأساسية، ومن شأنه أن يؤثر على العديد من الضمانات التنظيمية الأخرى لدى الاتحاد الأوروبي.
واصلت الحكومات الاستثمار في مشاريع البنية التحتية الرقمية العامة. ففي عام 2025، أعلنت المملكة المتحدة عن نظام جديد للهوية الرقمية، فيما واصل الاتحاد الأوروبي تطوير محفظة للهوية الرقمية خاصة بالاتحاد الأوروبي. ويأتي هذا في إطار توجه مستمر للحكومات منذ سنوات نحو إنشاء أنظمة هوية رقمية كبرى، مثل نظام آدهار في الهند. وقد رافقت هذه الأنظمة أو وضعت الأساس لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الحماية الاجتماعية، مما أدى إلى تفاقم اللامساواة. كذلك، زاد دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل حفظ الأمن، والهجرة، والجيش، من انتهاكات حقوق الإنسان، خصوصًا تلك التي تتعرض لها المجتمعات المصنفة عرقيًا.
يجب على الحكومات أن تصدر لوائح تنظيمية ملزمة، وقابلة للإنفاذ، وقائمة على حقوق الإنسان، لتنظيم أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك فرض حظر على تطوير وتوظيف أنظمة الذكاء الاصطناعي غير المتوافقة مع القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وسائل التواصل الاجتماعي والأضرار اللاحقة بحقوق الإنسان
تزايد على نحو مطرد الوعي العام بالتقاطع بين أضرار وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من القضايا الاجتماعية. وقد أسهمت منظمة العفو الدولية في تعميق هذا الوعي من خلال تحليلها لنظام التوصية في منصة التواصل الاجتماعي إكس، واتخذت مثالًا لذلك أعمال الشغب العنصرية التي شهدتها المملكة المتحدة عام 2024، في أعقاب هجوم وقع في مدينة ساوثبورت بإنجلترا، وأسفر عن مقتل ثلاثة أطفال صغار.16 وانتشرت في الفضاء الإلكتروني ادعاءات كاذبة تزعم أن مرتكب الهجوم مهاجر أو طالب لجوء مسلم، واكتسبت زخمًا واسعًا. وبينما أمست منصة إكس بؤرة للخطاب العنصري، والمعادي للإسلام وللأجانب، اندلعت أعمال العنف خارج شبكة الإنترنت، وراحت الغوغاء تستهدف المساجد، ومراكز إيواء اللاجئين، والمجتمعات الآسيوية والسوداء والمسلمة. من جهة أخرى، قلَّصت كل من منصة إكس وشركة ميتا، التي تدير منصتي فيسبوك وإنستغرام، إلى حد كبير الموظفين المعنيين بالثقة والسلامة – وهم المسؤولون عن الحفاظ على سلامة منصاتهم كي تظل بيئة آمنة، وموثوقة، وخالية من أي سلوكيات ضارة – وتراجعتا عن برامج التحقق من الوقائع.
نظرت دول كثيرة في أفضل السبل لحماية الأطفال في الفضاء الإلكتروني. فأصدرت أستراليا قانونًا جديدًا عام 2025 يحظر على الأطفال دون سن السادسة عشرة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، في حين أعلنت ماليزيا عن اعتزامها فرض مثل هذا الحظر الشامل. ورغم أن هذه التدابير تظهر التزامًا بالتصدي للمنصات الضارة، فإنها تقيد حق الشباب في التعبير عن أنفسهم، وفي الاطلاع على المعلومات على الإنترنت؛ ثم أنها في الوقت ذاته لا تعالج السبب الجذري الحقيقي للمشكلة، ألا وهو أن منصات التواصل الاجتماعي تعرض جميع مستخدميها للأضرار من خلال سعيها المحموم لتعظيم تفاعلهم واستغلالها لبياناتهم الشخصية. وقد سلطت منظمة العفو الدولية الضوء عام 2025 على سهولة اجتذاب الأطفال والشباب الذين يبدون اهتمامًا بقضايا الصحة النفسية إلى “متاهات” من المحتوى الذي يسبب الاكتئاب والتفكير الانتحاري على منصة تيك توك.17
اعترض المزيد من المنظمات والنشطاء على الشركات الكبرى التي تشغِّل منصات التواصل الاجتماعي؛ وتحقق انتصار أولي باهر عام 2025 في قضية مرفوعة على شركة ميتا في كينيا، طرحت فيها أسئلة قانونية مهمة بشأن الممارسات الخوارزمية لمنصة فيسبوك. إذ أكدت المحكمة العليا الكينية اختصاصها القضائي بالبت في انتهاكات الحقوق الدستورية في مواجهة طعن من شركة ميتا. وقد رفع القضية مواطنان إثيوبيان ومعهد كاتيبا الكيني بدعوى أن منصة فيسبوك روجت لمحتوى إلكتروني خطير أثناء النزاع المسلح في إثيوبيا بين عامي 2020 و2022؛ وأيدت منظمة العفو الدولية هذه القضية.18 ويُعدُّ هذا الحكم القضائي خطوةً مهمةً لضمان تيسر سبل تحقيق العدالة أمام المجتمعات المهمشة بغض النظر عن موقعها الجغرافي؛ كما يتحدى المفهوم السائد حول أن البلدان خارج الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ليست سوى أسواق لاستخلاص الأرباح.
يجب على شركات التواصل الاجتماعي إصلاح نماذج أعمالها التجارية لمنع أي أضرار تلحق بحقوق الإنسان، ومعالجة هذه التداعيات عند حدوثها. ويتعين على الدول إرساء لوائح تنظيمية أكثر صرامة لحماية جميع المستخدمين، وتنفيذ اللوائح التنظيمية القائمة بقوة.
- “أوقفوا عجلة الاقتصاد السياسي الذي يمكّن إسرائيل من ارتكاب جرائمها”، 18 سبتمبر/أيلول ↑
- “International Law Commission: Adoption of expanded article on exceptions to ‘functional immunity’ broadly welcome, but further improvements require continued attention”, 23 May ↑
- “Tool of fear: Executions on the rise as death penalty used to show heavy hand of the state”, 10 October ↑
- “‘I Still Can’t Sleep at Night’: The Global Abuse of Electric Shock Equipment”, 6 March ↑
- “EU: Welcome changes to the EU’s Anti-Torture Regulation should inspire more ambitious global efforts against torture”, 5 August ↑
- Closing the Door? How Visa Policies in Europe’s Schengen Area Fail Human Rights Defenders, 30 October ↑
- “لماذا ترتبط العنصرية الممنهجة بشكل كبير بنظم الهجرة واللجوء”، 18 ديسمبر/كانون الأول ↑
- Advocacy Briefing for Defending the Rights of Refugees, Asylum Seekers, and Migrants in The Digital Age, 12 September ↑
- Extraction Extinction: Why the Lifecycle of Fossil Fuels Threatens Life, Nature and Human Rights, 12 November ↑
- “COP30: Rights trampled, yet people power demonstrates that humanity will win”, 22 November ↑
- “Plenty to go around: Mobilizing finance for climate justice”, 16 January ↑
- USA: Lives at Risk: Chaotic and Abrupt Cuts to Foreign Aid Put Millions of Lives at Risk, 29 May ↑
- “EU: New research suggests majority of Europeans favour human rights and environmental protection in face of EU rollback”, 2 October ↑
- “Disastrous Omnibus proposal erodes EU’s corporate accountability commitments and slashes human rights and environmental protections”, 10 March ↑
- “USA: Chilling verdict against Greenpeace sets damaging precedent for protection and promotion of human rights and climate justice”, 20 March ↑
- UK: Technical Explainer on X’s Recommender System and the 2024 Racist Riots, 6 August ↑
- France: Dragged into the Rabbit Hole: New Evidence of TikTok’s Risks to Children’s Mental Health, 20 October ↑
- “Kenya: Meta can be sued in Kenya for role in Ethiopia conflict”, 3 April ↑

