إسرائيل/الأرض الفلسطينية المحتلة: يجب أن يدفع الملف الذي قدّمته جنوب إفريقيا إلى محكمة العدل الدولية الدولَ إلى الضغط على إسرائيل لإنهاء الإبادة الجماعية التي ترتكبها في غزة

قالت منظمة العفو الدولية اليوم إن الأدلة التي قدّمتها جمهورية جنوب إفريقيا إلى محكمة العدل الدولية، والتي توثّق عدم امتثال إسرائيل للتدابير المؤقتة الملزِمة قانونًا الصادرة عن المحكمة في القضية المتعلقة بادعاءات ارتكاب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة المحتل، ينبغي أن تدفع الدول الأخرى إلى الضغط على إسرائيل لحملها على الامتثال لهذه التدابير.

وتحاجج جنوب إفريقيا، في الملف الذي قدّمته إلى محكمة العدل الدولية، بأن إسرائيل تقاعست عن الامتثال للتدابير التي أمرت بها المحكمة. ويتّسق ذلك مع النتائج التي خلصت إليها منظمة العفو الدولية، حيث وجدت أن السلطات الإسرائيلية لم تنفّذ التدابير، وذلك من خلال مواصلة ارتكاب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، حتى بعد ما يُسمى بوقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وقالت هبة مرايف، مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية: “منذ أن أصدرت محكمة العدل الدولية الرزمة الأولى من التدابير المؤقتة في يناير/كانون الثاني 2024، واصلت السلطات الإسرائيلية إلحاق أضرار لا يمكن جبرها بحقوق الفلسطينيين في قطاع غزة، وهي حقوق تكفل حمايتها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، في تجاهل تام لأوامر المحكمة ولالتزاماتها القانونية بموجب القانون الدولي. وبدلًا من الامتثال لتدابير المحكمة الإلزامية، تواصل إسرائيل ارتكاب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة”.

يمثّل الملف الذي قدمته جنوب إفريقيا استثناءً في ظل تقاعس عدد كبير من الدول عن اتخاذ أي إجراءات لمنع الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، وإسهام بعضها في تمكين الإبادة من الاستمرار.

هبة مرايف، منظمة العفو الدولية

“يمثّل الملف الذي قدمته جنوب إفريقيا استثناءً في ظل تقاعس عدد كبير من الدول عن اتخاذ أي إجراءات لمنع الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، وإسهام بعضها في تمكين الإبادة من الاستمرار. فقد أسهمت دول ثالثة عديدة في إدامة حالة الإفلات من العقاب التي تحظى بها إسرائيل، فمنها من تقاعس عن اتخاذ تدابير فعالة لإنفاذ التدابير المؤقتة الملزمة الصادرة عن المحكمة، ومنها من قدّم أيضًا غطاءً دبلوماسيًا وموارد مالية ودعمًا ماديًا بصورة فعّالة، ما مكّن إسرائيل من ارتكاب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. وفي خضم ذلك كله، تستمر لامبالاة المجتمع الدولي إزاء الاحتلال غير المشروع ونظام الأبارتهايد اللذين تفرضهما إسرائيل، بما في ذلك حملة التطهير العرقي التي تنفّذها إسرائيل بحق الفلسطينيين في المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة”.

وتواصل السلطات الإسرائيلية إخضاع الفلسطينيين في غزة عمدًا لظروف معيشية يُراد بها تدميرهم المادي، كليًا أو جزئيًا، من خلال فرض قيود مشددة على إدخال الإمدادات الأساسية وتوزيعها، بما في ذلك الموارد والمعدات الطبية الكافية، والأطعمة المتنوعة غذائيًا، والكميات الكافية من الوقود، ومواد إعادة الإعمار والإصلاح الضرورية، في وقت تقيّد فيه عمل الوكالات الإنسانية المنقذ للحياة. ويشكّل ذلك انتهاكًا لأمر المحكمة الصادر في يناير/كانون الثاني 2024 والذي يقضي بـ”باتخاذ إجراءات فورية وفعالة لتمكين تقديم الخدمات الأساسية والمساعدات الإنسانية التي تمس الحاجة إليها”، وهو ما أعادت المحكمة التأكيد عليه في مارس/آذار ومايو/أيار 2024.

وقالت هبة مرايف: “تواصل إسرائيل حجب الصورة الكاملة للفظائع الناجمة عن سلوكها غير المشروع في قطاع غزة، كما تنتهك أمر محكمة العدل الدولية القاضي بالحفاظ على الأدلة المتعلقة بارتكاب أفعال الإبادة الجماعية، وذلك من خلال قتل العاملين الفلسطينيين في وسائل الإعلام الذين يوثقون انتهاكاتها في غزة، ومنع وسائل الإعلام الدولية والمحققين في مجال حقوق الإنسان والهيئات المكلفة بولاية من الأمم المتحدة من دخول قطاع غزة، فضلًا عن منع اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الوصول إلى المحتجزين الفلسطينيين، رغم صدور حكم عن المحكمة الإسرائيلية العليا بهذا الشأن”.

“كما تواصل إسرائيل انتهاك الأمر القاضي بمنع التحريض العلني على الإبادة الجماعية والمعاقبة عليه، من خلال التقاعس عن التحقيق مع أي سياسي رفيع المستوى أدلى بتصريحات تحرّض على الإبادة الجماعية، ناهيك عن ملاحقته قضائيًا، وتشجيع الانتشار المستمر للخطاب المجرِّد للإنسانية الذي يتبناه كبار السياسيين الإسرائيليين”.

وعلى الرغم من بعض التحسّن في الوضع الإنساني وتراجع نطاق الهجمات وحدّتها منذ ما يُسمّى بوقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل شنّ غارات جوية قاتلة، وإلحاق دمار واسع النطاق بأعيان مدنية، وتنفيذ عمليات قتل وتهجير قسري جماعي. وقد أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل ما لا يقل عن 1,303 فلسطينيين، من بينهم أكثر من 300 طفل، منذ إعلان ما يُسمى بوقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025.

ويعاني عشرات الآلاف من الفلسطينيين في قطاع غزة من إصابات جسدية وأضرار نفسية غيّرت مجرى حياتهم، ما يستلزم علاجًا وإعادة تأهيل على المدى الطويل، في وقتٍ حُرم فيه قطاع غزة من توفيرهما. “ومع تهجير جميع سكان قطاع غزة تقريبًا، العديد منهم لمرات عديدة، تُفاقم إسرائيل من أزمة المأوى التي دبّرتها من خلال منع عملية إعادة الإعمار ونشر قواتها وميليشيات محلية في نحو 65% من مساحة قطاع غزة، بما يحول دون عودة الفلسطينيين المهجّرين إلى منازلهم وأراضيهم شرق ما يُسمّى بـ”الخط الأصفر”، وهو خط ترسيم حدود متغيّر باستمرار وآخذ بالتوسع يؤدي إلى تفتيت قطاع غزة.  

وأضافت هبة مرايف، “يؤكد هذا الواقع القاتم على الحاجة الملحّة إلى حماية الفلسطينيين في قطاع غزة، وضمان امتثال إسرائيل الفوري لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها،”

“يجب على جميع الدول ممارسة الضغط على إسرائيل لتوقف انتهاكاتها للقانون الدولي، والدفع نحو تنفيذ التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، ووقف نقل الأسلحة والمساعدات العسكرية إليها، وإنهاء العلاقات التجارية أو الاقتصادية التي تُسهم في الاحتلال غير المشروع للأرض الفلسطينية المحتلة، وذلك وفقًا للفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024. وعلى وجه التحديد، تدعو منظمة العفو الدولية جنوب إفريقيا إلى تعليق أي اتفاقات تجارية مع إسرائيل قد تنطوي على خطر الإسهام في ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، بما في ذلك شحنات الفحم الحراري المنقولة بحرًا”.

خلفية

في إطار قضية الإبادة الجماعية الجارية التي رفعتها جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، خلصت محكمة العدل الدولية في أمرها الصادر في 26 يناير/كانون الثاني 2024 إلى أن حق الفلسطينيين في قطاع غزة في الحماية من أفعال الإبادة الجماعية والأفعال المحظورة ذات الصلة المنصوص عليها في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، هو حق ذو أساس معقول، ما استدعى إصدار تدابير مؤقتة ملزمة لحماية هذا الحق من ضرر لا يمكن جبره.

وأصدرت المحكمة ثلاث رزم من التدابير المؤقتة في يناير/كانون الثاني، ومارس/آذار، ومايو/أيار 2024، أمرت جميعها إسرائيل بمنع ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية، ومنع التحريض العلني والمباشر على الإبادة الجماعية والمعاقبة عليه، وضمان توفير الخدمات الأساسية والإمدادات الإنسانية من دون عوائق، ومنع إتلاف الأدلة المتعلقة بادعاءات ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية وضمان الحفاظ على هذه الأدلة.

وفي أمرها الصادر في 24 مايو/أيار 2024، دعت المحكمة إسرائيل إلى أن “توقف […] هجومها العسكري، وأي أفعال أخرى في محافظة رفح من شأنها أن تُخضع الفلسطينيين في قطاع غزة لظروف معيشية يمكن أن تُفضي إلى تدميرهم المادي”. ولم تكتفِ إسرائيل بعدم الامتثال لهذه الأوامر، بل مضت إلى تدمير معظم مدينة رفح، وفرض ظروف معيشية تحمل طابع الحصار على قطاع غزة في مراحل مختلفة، ومواصلة قصفه بلا هوادة. ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في 2025، رفضت إسرائيل عمدًا اتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة الآثار المدمّرة والتراكمية لأفعالها في قطاع غزة، فيما استمرت الإبادة الجماعية.