- تصاعد حاد في وتيرة ونطاق إجراءات الضم في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية
- حملة التطهير العرقي تقودها وترعاها الدولة، ولا يقف وراءها مستوطنون مارقون أو من يوصفون بالوزراء المتطرفين
- تزايد هائل في عنف المستوطنين المدعوم من الدولة بهدف ترهيب الآلاف من الفلسطينيين وطردهم وضم أراضيهم
- لا تزال التجمعات الفلسطينية تواجه خطرًا داهمًا من التهجير القسري، ولا بد من حماية من اقتُلعوا من أراضيهم
- يجب على الدول أن تقطع علاقات التجارة والتعاون والاستثمار التي تمكّن وتدعم الاحتلال غير المشروع ونظام الأبارتهايد والتطهير العرقي، وأن تفرض عقوبات على المسؤولين المتورطين
قالت منظمة العفو الدولية اليوم إن ما يقدمه المجتمع الدولي من تأييد ضمني أو صريح للجرائم الإسرائيلية، بما فيها الإبادة الجماعية والأبارتهايد، أو تقاعسه عن اتخاذ إجراء حازم لوضع حد لهذه الجرائم، قد شجّع السلطات الإسرائيلية وجرَّأها على تصعيد حملة وحشية للتهجير القسري للفلسطينيين وتوسيع نطاق سيطرتها على أراضي الضفة الغربية. جاء هذا في تقرير جديد أصدرته المنظمة اليوم، ووصفت فيه بإسهاب كيف تسرِّع السلطات الإسرائيلية وتيرة ضم الأراضي من خلال حملة تطهير عرقي تقودها الدولة، تستهدف التجمعات البدوية والرعوية في المنطقة (ج) من الضفة الغربية المحتلة، في الوقت الذي ترتكب فيه جريمة التهجير القسري، وهي جريمة ضد الإنسانية.
وفي تقريرها الصادر تحت عنوان: “محوٌ لكل ما هو فلسطيني: التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل ضد التجمعات البدوية والرعوية في الضفة الغربية”، تكشف منظمة العفو الدولية كيف جعلت الحكومة الإسرائيلية من الضم الرسمي للأراضي هدفًا سياسيًا صريحًا؛ وهي تنفّذ بذلك المخطط القومي الديني للحركة الاستيطانية. فلقد سرَّعت وتيرة التوسع الاستيطاني والاستيلاء على الأراضي، وزادت دعمها المالي واللوجيستي للمستوطنات، وأمدّت المستوطنين بالأسلحة، مما هيَّأ عوامل التمكين لحملة وحشية تدعمها الدولة رسميًا من عنف المستوطنين والتهجير القسري للفلسطينيين من المنطقة (ج)؛ وهي منطقة تشكل 60% من أراضي الضفة الغربية المحتلة، ولطالما كانت محورًا رئيسيًا لمساعي إسرائيل للسيطرة على الأراضي والتركيبة السكانية، نظرًا لما تزخر به من ثروات طبيعية، ومراعٍ وأراضٍ زراعية حيوية، وقلة عدد السكان الفلسطينيين فيها نسبيًا.
وقالت أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية: “على مدى السنوات الثلاث والنصف الماضية، عمدت السلطات الإسرائيلية إلى تسريع وتيرة حملة برعاية الدولة للتطهير العرقي في الضفة الغربية، شملت اقتلاع التجمعات الفلسطينية من أراضيها، وتجريدها من ممتلكاتها، وتهجيرها قسرًا. ولا يحدث هذا بفعل عناصر مارقة أو ما دأب المجتمع الدولي على وصفهم بالمتطرفين من المستوطنين، أو المنظمات، أو وزير أو اثنين؛ بل إن ما نشهده ليس سوى ضم متعمد تقوده الدولة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي يتجلى أمام أنظار العالم بأسره”.
وأضافت كالامار قائلة: “يكشف تقريرنا أن هذه الانتهاكات لا تحدث بسبب بعض ‘العناصر الفاسدة’؛ بل إن عنف المستوطنين هو جزء لا يتجزأ من حملة تطهير عرقي مدعومة من الدولة، تشكِّل ركيزة أساسية للحفاظ على نظام الأبارتهايد الإسرائيلي”.
وتُظهر أبحاث منظمة العفو الدولية أن الفلسطينيين يتعرضون لمحو قسري من أراضي أجدادهم، ويُحال بينهم وبين مصادر رزقهم، ويخضعون للترهيب لإجبارهم على الفرار من منازلهم في خضم موجة غير مسبوقة من اعتداءات المستوطنين، تتغاضى عنها الحكومة الإسرائيلية علنًا، بل وتمهد لها السبيل فعليًا، وهي تتباهى بنيِّتها ضم مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية بشكل رسمي.
وتواصل التجمعات المهددة بالتهجير القسري في منطقة الأغوار وتلال جنوب الخليل الصمود والمقاومة، مصممة على التمسك بأراضيها التي سكنتها لأجيال؛ وتدعو منظمة العفو الدولية المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لحمايتهم.
ولكن بالرغم من الالتزامات القانونية الواضحة الواقعة على عاتق الدول، التي تلزمها بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع، ونظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل، فقد تقاعس المجتمع الدولي مرارًا عن التحرك.
ما نشهده ليس سوى ضم متعمد تقوده الدولة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي يتجلى أمام أنظار العالم بأسره
أنياس كالامار، الأمينة العامة
وقالت أنياس كالامار: “لقد كان المجتمع الدولي إما متواطئًا أو سلبيًا للغاية إزاء الانتهاكات المتكررة والجسيمة للقانون الدولي التي ترتكبها إسرائيل، وضربها عرض الحائط بقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي؛ ويجب على المجتمع الدولي أن يرسل رسالة واضحة مفادها أن حقبة القبول الضمني لما ترتكبه إسرائيل من التطهير العرقي والضمّ قد ولَّت”.
ووفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، تعرض ما لا يقل عن 117 من التجمعات الفلسطينية ذات الأغلبية البدوية والرعوية للتهجير القسري الكامل أو الجزئي خلال الفترة ما بين يناير/كانون الثاني 2023 وأبريل/نيسان 2026؛ وحتى نهاية شهر أبريل/نيسان 2026، كان ما لا يقل عن 5,910 فلسطينيين قد هُجِّروا قسرًا، بحسب بيانات الأمم المتحدة.
وقد حدث هذا في خضم موجة متصاعدة لم يسبق لها مثيل من عنف المستوطنين المدعوم من الدولة؛ وبحلول نهاية شهر أبريل/نيسان 2026، كان المستوطنون الإسرائيليون قد أنشأوا 363 بؤرة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، وفقًا لما ذكرته منظمة “السلام الآن” غير الحكومية. وقد أنشئ 212 منها منذ عام 2023، بتشجيع فعلي من السلطات الإسرائيلية التي لم تتخذ تقريبًا أي إجراء لتفكيكها، رغم كونها غير قانونية بموجب كل من القانون الإسرائيلي والقانون الدولي. وشملت هذه البؤر الاستيطانية عشرات البؤر الرعوية التي يستخدمها المستوطنون للاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية عن طريق الرعي؛وهذا فضلًا عما تقوم به الحكومة الإسرائيلية من عمليات الاستيلاء على الأراضي. ومن المعلوم أن قرابة 58% من أراضي المنطقة (ج) غير مسجلة، وحتى شهر فبراير/شباط 2026، كانت السلطات الإسرائيلية قد استولت بالفعل على نصف هذه الأراضي غير المسجلة من خلال إعلانها أراضٍ تابعة للدولة.
لزعماء العالم الذين يقولون مرارًا وتكرارًا إنهم يعارضون الضمّ، ولكنهم لا يحركون ساكنًا لإيقافه، نقول: اعلموا أن تقاعسكم يؤجج الجرائم ضد الإنسانية بصورة مباشرة
أنياس كالامار، الأمينة العامة
وقالت أنياس كالامار: “يجب أن يكون تقرير منظمة العفو الدولية بمثابة ناقوس خطر لزعماء العالم الذين يصفون ضم الأراضي وعنف المستوطنين بأنها أفعال معزولة يرتكبها مستوطنون أو وزراء ‘متطرفون’، ويكتفون بفرض عقوبات محدودة على بعض الأفراد والمنظمات؛ فمثل هذه الإجراءات المحدودة قاصرة قصورًا فادحًا عن التصدي لحملة التطهير العرقي التي تنفذها الدولة، والانتهاكات النُظمية التي تتصاعد بوتيرة متسارعة على مرأى من المجتمع الدولي”.
وأضافت كالامار: “لزعماء العالم الذين يقولون مرارًا وتكرارًا إنهم يعارضون الضمّ، ولكنهم لا يحركون ساكنًا لإيقافه، نقول: اعلموا أن تقاعسكم يؤجج الجرائم ضد الإنسانية بصورة مباشرة، وله عواقب عالمية تزيد من تقويض النظام الدولي القائم على القواعد”.
“يجب على الدول، ولا سيما تلك التي لديها نفوذ على إسرائيل، بمن فيها الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وألمانيا، فضلًا عن إيطاليا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي والدول العربية، أن تحظر على الفور كافة العلاقات التجارية، والاستثمارية، وأي شكل آخر من أشكال التعاون أو المساعدة المالية التي تسهم في الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع، ونظام الأبارتهايد الذي تفرضه إسرائيل، وتطهيرها العرقي للفلسطينيين”.
“وإلى جانب ذلك، يتعين على جميع الدول فرض عقوبات موجهة، بما في ذلك المنع من السفر وتجميد الأصول، على المسؤولين الإسرائيليين المتورطين في هذه الأفعال بصورة مباشرة، ومن بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزيرة الاستيطان والمهام الوطنية أوريت ستروك، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس.
وقد تناولت أبحاث منظمة العفو الدولية 27 من التجمعات البدوية والرعوية في المنطقة (ج) التي تعرضت للتهجير القسري خلال الفترة بين عامي 2023 و2025، أو كانت مهددة بخطر التهجير.
وأجرى فريق الباحثين مقابلات مع 45 فلسطينيًا من 12 من هذه التجمعات، ممن هُجِّروا بالفعل أو كانوا عرضة لخطر التهجير القسري، إلى جانب 19 من المحامين، والنشطاء الذين شهدوا حوادث عنف المستوطنين، والصحفيين، وممثلي المنظمات غير الحكومية الإسرائيلية والفلسطينية. وتحقّقت المنظمة أيضًا من صحة 420 من الصور ومقاطع الفيديو، وحلّلت البيانات الحكومية الرسمية، والاتفاقيات، والتشريعات، والتغييرات في نظام الحوكمة، وسجلات المحاكم، والخرائط، وصور الأقمار الصناعية، وتقارير صادرة عن الأمم المتحدة والمجتمع المدني، وغيرها من المواد المتاحة علنًا.
أطلعت المنظمة السلطات الإسرائيلية على نتائجها في 13 مايو/أيار؛ وردّت وزارة الدفاع في 23 مايو/أيار قائلة إن قواتها تتصدى لحوادث عنف المستوطنين، وتعتقل المشتبه بهم، عند الضرورة، وتجري تحقيقًا بشأن الحالات التي قد تكون فيها القوات قد تقاعست عن الامتثال للأوامر أو عن التدخل لوقف عنف المستوطنين. غير أن الأدلة التي وثّقتها منظمة العفو الدولية تكشف عن واقع مغاير.
الأدلة على نية إسرائيل في التطهير العرقي وضم المنطقة (ج)
منذ احتلال عام 1967، انتهجت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بدرجات متفاوتة من الشدة والفجاجة، سياسات للتهويد ترمي إلى تحقيق أقصى درجة من السيطرة اليهودية على الأراضي في الضفة الغربية، مع تقليص الوجود الفلسطيني لأدنى حد ممكن.
فالحكومة السابعة والثلاثون لإسرائيل التي تشكلت أواخر عام 2022، بقيادة حزب الليكود الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو في إطار ائتلاف يضم حزبي “القوة اليهودية” بزعامة إيتمار بن غفير و”الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش، سعت علنًا وعمدًا لضم المنطقة (ج) رسميًا والتهجير القسري لسكانها الفلسطينيين.
وترسّخ اتفاقيات الائتلاف الحكومي أولويات الحركة الاستيطانية، وتُدرجها في صلب السياسة الرسمية للدولة، وتضفي شرعية على رؤية “إسرائيل الكبرى” التي تتبناها الحركة الاستيطانية، وهي أيديولوجية تعتبر كامل الأرض الفلسطينية المحتلة جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل. وقد فعلت ذلك في تحدٍ صارخ للقرارات المتعددة للأمم المتحدة والفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدولية عام 2024، التي أعلنت فيها عدم مشروعية الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية.
وتتجلى نية تهجير الفلسطينيين من المنطقة (ج) في الضفة الغربية، وضم أراضيها إلى إسرائيل، فيما يطلقه المسؤولون الإسرائيليون من دعوات صريحة للتوسع الاستيطاني، وبسط السيادة الإسرائيلية على الأرض المحتلة، والتدابير الرامية إلى تقليص الوجود الفلسطيني إلى أدنى الحدود في المنطقة (ج)، والدعم العلني للمستوطنين من جانب وزراء بارزين في الحكومة الإسرائيلية – بعضهم مستوطنون أنفسهم. وتتجلى هذه النية كذلك في التشريعات الرامية إلى الضم، وتدابير نقل الصلاحيات في الضفة الغربية من السلطات العسكرية إلى تلك المدنية في انتهاك للقانون الدولي الإنساني.
ومما يكشف عن نية الدولة أيضًا تصاعد الإعلانات عن الأراضي التابعة للدولة، وتبسيط إجراءات المصادقة على المستوطنات، وتسارع وتيرة التوسع الاستيطاني، وإضفاء الصفة القانونية على البؤر الاستيطانية بأثر رجعي، وزيادة الدعم المالي والسياسي للبنية التحتية الاستيطانية، فضلًا عن هدم الممتلكات الفلسطينية، والقيود النُظمية المفروضة على حرية تنقل الفلسطينيين، وإمكانية وصولهم إلى الأراضي والمياه.
وخلال السنوات الثلاث الأولى من حكم الحكومة الحالية، ازدادت الميزانية السنوية لوزارة الاستيطان والمهام الوطنية بنسبة 122%، لتصل إلى 764 مليون شيكل إسرائيلي (254.5 مليون دولار) بحلول عام 2026.
ووفقًا لبيانات منظمة “السلام الآن”، فقد طرحت الحكومة خططًا لبناء 50,785 وحدة سكنية استيطانية خلال الفترة بين عامي 2023 و2025؛ وفي عام 2025 وحده، وافق المجلس الأعلى للتخطيط على بناء 27,941 وحدة سكنية، وهو أعلى رقم سنوي يُسجَّل على الإطلاق.
وحتى 30 أبريل/نيسان 2026، بلغ العدد الإجمالي للمستوطنات الجديدة التي أعلنت عنها الحكومة 102؛ وهو أعلى رقم يُسجَّل للمستوطنات الجديدة التي صادقت عليها حكومة واحدة في تاريخ إسرائيل على الإطلاق.
وفي الوقت ذاته، هدمت السلطات الإسرائيلية 3,407 من المنازل والمنشآت الفلسطينية في المنطقة (ج) بين يناير/كانون الثاني 2023 وأبريل/نيسان 2026، ما أدى إلى تهجير 2,996 فلسطينيًا، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
ومن جهة أخرى، عمد المستوطنون، بدعم مباشر من الدولة أو بمشاركة مباشرة من الجيش الإسرائيلي في كثير من الأحيان، إلى إخضاع التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية إلى سلسلة من الإجراءات القسرية والقمعية، حتى لم يعد أمام الكثيرين منهم مفر سوى مغادرة الأراضي التي عاشوا ورعوا مواشيهم فيها جيلًا بعد جيل، وذلك بعد تجرّعهم ويلات العنف المستمر على أيدي المستوطنين المدعومين من الدولة. ونتيجة لذلك، بالإضافة إلى تصاعد عمليات الهدم والحرمان طويل الأمد من الخدمات الأساسية من قبل السلطات الإسرائيلية، أصبحت مناطقهم غير صالحة للسكن فعليًا.
وتكشف هذه الإجراءات القسرية المترابطة مجتمعة عن إستراتيجية متعمدة ومنسقة تنتهجها الدولة بهدف توسيع نطاق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة (ج) بالتزامن مع تهجير التجمعات الفلسطينية منها.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك خربة زنوتا، وهي قرية في المنطقة (ج) بالضفة الغربية، يقطنها نحو 250 من البدو الفلسطينيين؛ وظلوا يعيشون فيها جيلًا بعد جيل؛ وفي عام 2021، أنشأت مجموعة من المستوطنين بؤرة استيطانية غير قانونية أسموها مزرعة ميتاريم، لا تبعد سوى كيلومتر واحد عن زنوتا، ثم شرعوا في حملة متواصلة من المضايقات، والتهديدات، والاعتداءات العنيفة على التجمع الفلسطيني بالقرية، وشمل ذلك منع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومراعيهم، ثم إجبارهم في نهاية المطاف على مغادرة منازلهم وسبل عيشهم. وهُجِّر جميع أهالي القرية في أعقاب سلسلة من المداهمات العنيفة التي شنّها عليهم المستوطنون، وتصاعدت بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؛ ولطالما ظلت هذه القرية، المحاطة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية، خاضعة لأوامر هدم وسياسات تخطيطية تقييدية تجعل أي بناء قانوني فيها شبه مستحيل.
وعلى الرغم من صدور قرارين من المحكمة العليا الإسرائيلية، في يوليو/تموز 2024 وفبراير/شباط 2025، يأمران السلطات بتيسير عودة أهالي القرية، وحمايتهم من عنف المستوطنين، فقد تعذر على الأهالي العودة بسبب استمرار هجمات المستوطنين، وتدمير البنية التحتية الأساسية للقرية. وقال عادل التل، وهو من سكان زنوتا السابقين: “كان المستوطنون مسلحين، وظلوا يعتدون علينا… كنا خائفين؛ كان رعبًا حقيقيًا”.
وتظهر صور الأقمار الصناعية، والمقابلات، ومقاطع الفيديو أن قرية زنوتا أصبحت أثرًا بعد عين الآن؛ فقد دُمِّرت عن بكرة أبيها وأفرغت من جميع سكانها.
تصاعد هائل في عنف المستوطنين المدعوم من الدولة
شهدت حملة عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المستمرة منذ أمد طويل تصاعدًا هائلًا في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، وأسفرت عن مستويات لم يسبق لها مثيل من القتل والإصابات والتهجير وتدمير الممتلكات والاستيلاء غير المشروع على الأراضي. وعمد المستوطنون الإسرائيليون إلى انتهاج أساليب ما فتئت تزداد عدوانية وشراسة لتهجير التجمعات الفلسطينية قسرًا عن طريق الاعتداءات على المنازل والممتلكات، والمضايقات المستمرة والتهديدات والاعتداءات الجسدية، والاستهداف الممنهج لمصادر الرزق من خلال تقييد سبل الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، وسرقة المواشي أو قتلها، وتدمير الحقول الزراعية، وإتلاف المحاصيل. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن الفترة بين عامي 2020 و2024 شهدت ارتفاعًا بنحو سبعة أضعاف في الهجمات المرتبطة بالمستوطنين على التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية، ما أسفر عن وقوع خسائر بشرية.
وتظهر مقاطع الفيديو والصور التي تحققت منها منظمة العفو الدولية عمليات اقتحام وحرق متعمد وتخريب واسع النطاق للمنازل والمدارس والسيارات والأصول الزراعية، فضلًا عن تدمير مصادر المياه والألواح الشمسية والمؤن الغذائية. ووصف الأشخاص الذين أجريت معهم مقابلات أيضًا أعمال عنف جسدي واسعة النطاق، من بينها الضرب بالعصي وأعقاب البنادق، والرشق بالحجارة، والطعن بالسكاكين، وغير ذلك من الاعتداءات.
وبالرغم من الالتزامات الواقعة على عاتق إسرائيل باعتبارها سلطة احتلال، بحماية أرواح السكان الواقعين تحت الاحتلال وسبل عيشهم، ومنع عنف المستوطنين والتحقيق مع مرتكبيه، فإن السلطات الإسرائيلية تسهِّل ارتكاب مثل هذه الاعتداءات فعليًا، ليس فقط من خلال تسليح المستوطنين، والسماح للجيش والشرطة بدعم الاعتداءات على الفلسطينيين، بل والمشاركة فيها، وإنما أيضًا بمنح مرتكبيها إفلاتًا شبه كامل من العقاب.
وفي أعقاب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي قادتها حماس، خفّفت السلطات الإسرائيلية المعايير المتعلقة بإصدار تراخيص حيازة الأسلحة النارية الخاصة، وزودت الآلاف من المستوطنين بالأسلحة النارية والزي الرسمي، ما صعّب على الفلسطينيين التمييز بين الجنود والمستوطنين. وبحلول شهر يناير/كانون الثاني 2026، كان أكثر من 240,000 مواطن إسرائيلي قد حصلوا على تراخيص لحيازة أسلحة نارية – أي بزيادة قدرها 15 ضعفًا مقارنة بالمعدل السنوي البالغ 8,000 رخصة في المتوسط قبل تغيير هذه السياسة؛ وأدت هذه السياسات إلى زيادة حادة في عدد هجمات المستوطنين المسلحة.
ويوثّق تقرير منظمة العفو الدولية استخدام عنف المستوطنين الإسرائيليين كأداة متعمدة للتهجير القسري في ثلاث حالات نموذجية في المنطقة (ج): زنوتا في تلال جنوب الخليل، وعين سامية في الأغوار الوسطى – هُجّر سكانهما بالكامل عام 2023 – ومجموعة من التجمعات الصغيرة في الأغوار الشمالية وهي عين الحلوة، ومكحول، والفارسية، التي لا تزال تواجه خطر التهجير المحدق.
وفي الأغوار الشمالية، أصبح ما لا يقل عن 38 تجمعًا – يعيش فيها نحو 7,000 فلسطيني – مهددًا بخطر التهجير؛ وقد صُنِّف نحو 90% من المنطقة على أنها أراض تابعة للدولة، أو مناطق إطلاق نار عسكرية، أو محميات طبيعية، أو مواقع أثرية – وكل هذه أدوات تستخدمها إسرائيل للتضييق على الفلسطينيين وتقييد سبل وصولهم إلى المراعي ومصادر المياه، وتهجيرهم بالإكراه.
وقالت نجية بشارات، وهي من تجمع مكحول الرعوي:”نتعرض لمضايقات مستمرة من المستوطنين، لكننا لن نستسلم؛ الأمر يتعلق بحبنا لأرضنا، ولعملنا. الأرض هي هويتنا، وإذا أجبرنا على الرحيل منها، فسوف نموت؛ تمامًا مثل السمك إذا أخرج من الماء”.
نتعرض لمضايقات مستمرة من المستوطنين، لكننا لن نستسلم…الأرض هي هويتنا، وإذا أجبرنا على الرحيل منها، فسوف نموت؛ تمامًا مثل السمك إذا أخرج من الماء
نجية بشارات، من تجمع مكحول الرعوي
تفشي الإفلات من العقاب
من خلال تقاعسها عن منع عنف المستوطنين، وتسهيلها لوقوعه، بما في ذلك تقاعسها المتواصل عن إخضاع مرتكبيه للمساءلة، أوجدت السلطات الإسرائيلية عمدًا بيئة يسودها الإفلات الشامل من العقاب، ما يؤجج عنف المستوطنين ويزيده استفحالًا. وفي عدة حالات وثقتها منظمة العفو الدولية، أخضعت السلطات الإسرائيلية فلسطينيين ممن أبلغوا عن عنف المستوطنين للتحقيق، أو فرضت عليهم غرامات مالية، أو اعتقلتهم تعسفيًا، رغم أن القانون الدولي يلزم هذه السلطات بحمايتهم.
ومما يشجّع المستوطنين والمنظمات الاستيطانية ويزيدهم جرأة، ما يتمتعون به من إفلات من العقاب منذ عقود؛ بل حتى حينما فرضت دول أجنبية عقوبات على أفراد بعينهم أو مجموعات من المستوطنين، لم يكد أي منهم يواجه أي عواقب تُذكر أو أي عواقب على الإطلاق.
ومن بين هؤلاء المستوطنين، مثلًا، ينون ليفي الذي تورّط في سلسلة من الهجمات العنيفة الموثقة ضد التجمعات الفلسطينية، والذي فرضت عليه المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات؛ فقد ظهر في تسجيل مصور وهو يطلق النار على المدافع عن حقوق الإنسان والمعلم الفلسطيني الأعزل عودة الهذالين فيرديه قتيلًا في أم الخير في 28 يوليو/تموز 2025.
واعتُقل ليفي فترة وجيزة للاشتباه في تورطه في جريمة “القتل غير العمد”، ولكن لم يلبث أن أفرج عنه في اليوم التالي، ووضُع قيد الإقامة الجبرية في منزله لمدة ثلاثة أيام فقط؛ وأُطلق سراحه لاحقًا ليعود إلى مضايقة الفلسطينيين، والعمل على إقامة بؤرة استيطانية جديدة في أراضي أم الخير. مضى قرابة عام على الهجوم، ولم تصدر بعد أي لائحة اتهام ضد ينون ليفي.
وقالت أنياس كالامار: “في غياب أي مساءلة، سوف تتلاشى التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية أمام أعيننا؛ لقد ظل العالم أمدًا طويلًا للغاية يغض الطرف عما يقاسيه الفلسطينيون من معاناة هائلة تفوق كل تصور، إذ هم يُجتَثّون ويُطمس وجودهم من الأرض التي ظلوا يعيشون فيها جيلًا بعد جيل. يجب على الدول أن تبذل كل ما في وسعها لوضع حد لحملة التطهير العرقي والضم الإسرائيلية في المنطقة (ج) من الضفة الغربية؛ ويجب عليها الضغط على السلطات الإسرائيلية لحملها على تفكيك جميع المستوطنات والبؤر الاستيطانية على الفور، والسماح لجميع الفلسطينيين المهجَّرين بالعودة إلى بيوتهم”.
وأضافت كالامار قائلة: “يجب على جميع الدول تقديم الدعم للمحكمة الجنائية الدولية والتعاون معها في تحقيقها بشأن الحالة في دولة فلسطين، بالإضافة إلى فتح تحقيقاتها الخاصة بشأن ما يُرتكب في الأرض الفلسطينية المحتلة من جرائم يشملها القانون الدولي. لا بد أن تكون الرسالة الموجهة لإسرائيل واضحة لا لبس فيها ولا مواربة: لقد ولّى عهد إفلاتها من العقاب الذي طال أمده، ولم يعد بالإمكان أن تسير الأمور على نفس المنوال المعتاد ما لم ينته نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، والتطهير العرقي، والاحتلال غير المشروع”.


